الدرس في كتاب الصلاة 75، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
قنوت النوازل مشروع وأجازه أكثر العلماء، وقد وردت أدلة كثيرة على ذلك من الأحاديث النبوية وأفعال الصحابة.
يجوز للإمام القنوت في الصلاة عند النوازل، وهناك اختلاف بين العلماء في مدة القنوت وهل يستمر أم يقتصر على شهر.
يتبع المأموم الإمام في القنوت، ويجوز رفع اليدين، والتأمين ثابت، والأفضل ترك القنوت بعد شهر كما فعل النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. نعم، إن شاء الله تعالى، نتكلم في هذا الوقت، وأنا امتداد لمسائل القنوت، تكلم عن مسألة قنوت النوازل، فقنوت النوازل قد أجازه أكثر العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة. لرواج القنوت في النوازل، وقد جاءت أدلة كثيرة تدل على هذا القنوت، من ذلك ما جاء في الصحيحين عن أنس، جاء من طرق عن أنس، رواه قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب، وجماعة من أصحاب أنس، عن حميد بن سيرين، أنه قال: قنت النبي عليه الصلاة والسلام شهرًا يدعو على رعل وذكوان، ثم ترك. وكذلك أيضًا جاء هذا الحديث، أو ما يدل على قنوت النوازل، ما جاء في حديث أبي هريرة، أنه قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يدعو لقوم أو على قوم قنت، فقنت شهرًا يدعو للمستضعفين من المؤمنين، فكان يقول: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المسلمين، اللهم اشتد وطأتك عليهم، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» - أي القحط. فأيضًا جاء في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقنت بعد الركعة الأخيرة، وجاء في البخاري أيضًا أن أبا هريرة قال: إني لأقربكم صلاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يقنت بعد الظهر، أو كان يقنت في القنوت في الركعة الأخيرة في صلاة الظهر، وفي صلاة العشاء، وفي صلاة الصبح. وأيضًا جاء عند أبي داود من حديث أبي الأحوص عن عكرمة عن ابن عباس، أنه قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على أحياء من العرب، قنت شهرًا يقنت في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. فهذه بعض الأحاديث التي جاءت في قنوت النوازل. وأما عن الصحابة، فهو كثير عن عمر، وعن عثمان، وعن علي، وعن جماعة من الصحابة، حتى قال شيخ الإسلام: إنه مذهب الخلفاء الأربعة. قد ذكر البيهقي أيضًا عدة آثار عن الخلفاء، وعن عمر مشهور، فكل ذلك يدل على أن هذا كان مشروعًا، وهو قنوت النوازل، وهو سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعليه سلف الأمة، أو كثير من السلف. وكان عمر يدعو بالآية: «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك»، يقنت بها قنوت نوازل. فهذه الأدلة كلها تدل على شرعية قنوت النوازل. وأيضًا كذلك حديث أنس في البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت في الفجر والمغرب، وحديث البراء في مسلم قنت في المغرب والفجر، فهذا أيضًا نوازل. أنا جمعًا بين هذه الأحاديث، أما من قال مثلًا كما ذكرنا أنه قنت الفجر، فهذا ليس له أساس من الصحة. فلهذا بقي هذا قنوت النوازل هو مشروع عن النبي عليه الصلاة والسلام سنة. لكن ما المقصود بالنوازل؟ النازلة هو الشيء الشديد الذي ينزل بالمسلمين، مثل قتل، مثل قحط، مثل وباء، فهذه كلها نوازل. فيجوز للإمام أن يقنت بالناس في الصلوات كلها، أو يقنت في صلاة الفجر، وكله جائز كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجوز له أن يقنت في كل الصلوات، وله أن يقتصر على الفجر، وله أن يقتصر على الفجر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما دعا على رعل وذكوان وعصية، فإنه قنت شهرًا في الفجر فقط. ولما دعا على قريش قنت شهرًا يقنت في جميع الصلوات، فدل على أن الأمر جائز إن كان في جميع الصلوات أو يقتصر على الفجر أو على بعض الصلوات، كما فعل أبو هريرة رضي الله عنه قنت في الظهر والعشاء والفجر. فقلنا أن النازلة هي أن يكون هناك عدو يتسلط على المسلمين ويقتلهم، أو وباء أو قحط أو غيرها من هذه الأشياء التي تنزل بالمسلمين. أما إن كان مثلًا كما قال بعض العلماء: إن كان أمرًا قد تفشى في المسلمين، أو أنه مثلًا استيلاء الكفار على المسلمين سنوات كثيرة، فهل يقنت المسلمون لذلك مدى الحياة؟ فهذا لم يثبت، ولا أيضًا يكون كذلك. ولهذا قال بعض الفقهاء من الحنابلة: إنه لا يقنت الإنسان حتى في النازلة، لا يقنت إلا شهرًا، لا يقنت إلا شهرًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قنت شهرًا ثم تركه. ولو قال قائل: إن الأمر قد انتهى، قد رجع المستضعفون، لكن هذا في قضية واحدة، أما قضية رعل وذكوان وعصية، فإنه لم يرجع أحد؛ لأنهم قتلوا القراء، قتلوا سبعين من القراء، فقنت النبي عليه الصلاة والسلام شهرًا يدعو عليهم، فدل على أن الإنسان إذا قنت لنازلة يقنت لها شهرًا ثم يترك، ولو استمرت هذه النازلة. لكن بعض العلماء قال: لا يجوز له أن يترك، معنا يجوز له أن يقنت ما دامت النازلة مستمرة. لكن كما قلنا: النازلة هو شيء يطرأ على المسلمين، وأيضًا كذلك لم يكن موجودًا عندهم. أما إذا كان شيء معروف مثلًا كتسلط عدو من زمان من سنوات كثيرة، فهذه لا تعتبر نازلة، تعتبر شيء أمر قد اعتاده أهل الإسلام. وهذا نبه عليها بعض الفقهاء وبعض العلماء كالشيخ الألباني رحمه الله عليه وغيره، على أن هذا لا يعتبر نازلة إلا إذا كانت نزلت بالمسلمين، وأيضًا لم تكن من قبل فيهم. ومن قنت مثلًا في شيء رآه في المسلمين مثلًا ولو كان من سنوات، ما في شيء، الأمر سهل وهو محل اجتهاد. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: من قنت لنازلة رأى أنها نازلة فقنت فيها، فله ذلك، وينبغي للمأموم أن يتبعه في ذلك. فمسألة النوازل هذا أمرها سهل، ليست كقنوت الفجر. فقنوت من قنت لأجل النازلة، فإنه قنته يكون مشروعًا، ولكن يكون فيه الآداب أو الأحكام التي كان النبي عليه الصلاة والسلام عليها في قنوت النازلة، مثل مثلًا أن لا يقنت إلا بما يكون مناسبًا للنازلة، له أن يأتي بأشياء عامة، لكن ينبغي أن يدعو بهذا الشيء الذي نزلت به النازلة. لهذا كان الصحابة رضي الله عنهم، بل النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في البخاري، وحديث عند أحمد والبزار: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدعو لقوم أو يدعو على قوم قنت، فدل على جواز القنوت في النوازل إذا حصلت نازلة وأراد الإنسان الإمام أو مثلًا إمام مسجد أو كذا أراد أن يقنت لأجل هذه النازلة، ما في شيء. وهل يشترط إذن الإمام؟ لم يأت في الأدلة اشتراط إذن الإمام. لكن لو كانت هناك مفسدة أو فتنة لأجل مثلًا سيقنت هذا الإمام في أمر فيه فتنة في البلاد، سيقنت لأجل أصحابه، فهذا مما لا يجوز؛ لأن فيه تفرقة للمسلمين، أن مثلًا تكون هناك حرب بين المسلمين بعضهم بعضًا، فتنة حاصلة بين فئتين من المسلمين، فيأتي هذا أحد الطائفتين يقنت لأصحابه، فهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا أصلا القتال خطأ. لكن ممكن مثلًا أن يقنت لأجل حقن دماء المسلمين، يقنت لأن يدعو أن الله عز وجل يحكم بين المسلمين ويطفئ هذه الفتنة، ممكن هذا. فخلاصة كما قلنا: أن مذهب جمهور العلماء القنوت في النوازل التي تنزل بالمسلمين. وأيضًا كما قلنا: أن المأموم يتابع الإمام فيها. وقد جاء فيها رفع اليدين، لكن جاء من طريق ابن أبي العمياء عبد الله بن منافع بن أبي العمياء، وفيه ضعف مسألة رفع اليدين. أما التأمين فقد ثبت في حديث أبي هريرة في البخاري، فهذا ثابت التأمين. وأما رفع اليدين ففيه اختلاف، ولا بأس أن يرفع يديه أحيانًا. وأما مسألة اتباع المأموم للإمام، فهو كما قلنا هو قول جمهور أيضًا، كما ذكر شيخ الإسلام أنه يتبع الإمام فيه - أي في قنوت النوازل. والأفضل أن يكون القنوت في نازلة، وسيأتي إن شاء الله معنا موضع القنوت، موضع القنوت؛ لأنه يختلف العلماء، بل ما جاء عن السلف في محل قنوت النوازل وقنوت الوتر. فبعض العلماء يقول: إن قنوت النوازل يكون بعد الركوع، وقنوت الوتر قبل. بعضهم يقول خلاف هذا، سيأتي إن شاء الله وتعالى ذكر هذه المسألة. فإن شاء الله وتعالى نكتفي بما قلنا، وبأنه يشرع القنوت في النوازل التي يقدرها العلماء المجتهدون، أو من يعرف في هذا معنى عنده اطلاع وعلم من علم الأئمة والعلماء، فلا بأس أنه يقدر ما قدره العلماء، أو ما مثل ما قدره العلماء، فيقنت على هذا على أن هذه نازلة، فيقنت فيها. لكن كما قلنا: الخلاف أيضًا في مسألة أخرى، وهي هل يقنت يستمر أم أنه يقنت شهرًا ثم يدع؟ فالأولى والأفضل أنه يترك، يقنت شهرًا مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يترك القنوت.