الخطبة بعنوان تزكية النفوس لاستقبال رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 27 شعبان 1442هـ الموافق 9 أبريل 2021م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شهر رمضان هو موسما عظيما للخير والبر، فرض الله صيامه وأنزل فيه القرآن. إدراك هذا الشهر نعمة كبيرة وسبب لرفع الدرجات وتكفير السيئات.
ينبغي استقبال رمضان بالتوبة الصادقة والنية على صيامه وقيامه. من صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.
ينبغي استقبال رمضان بإصلاح ذات البين وتهيئة النفوس للإقبال على القرآن. يجب تفقد بعضهم البعض ومراعاة أحوال الناس خاصة في الأوقات الصعبة.
دعاء يطلب صلاح الدين والدنيا والآخرة وزيادة في الخير. يتضمن طلب الحسنات والوقاية من عذاب النار ويختم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا في الأيام القادمة القريبة نستقبل موسما عظيما من مواسم الخير والبر، ألا وهو شهر رمضان المبارك، الذي خصه الله عز وجل بخصائص كثيرة ومزايا عديدة لا ينافسه فيها شهر من الشهور، فهو الشهر الذي فرض الله عز وجل صيامه من بين سائر الشهور، فقال ربنا جل وعلا ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصم﴾، وهو الشهر الذي أنزل الله عز وجل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، قال ربنا جل وعلا ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾. شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وعند الترمذي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وأغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر». شهر خصه الله جل وعلا بليلة هي خير ليالي السنة، ألا وهي ليلة القدر، التي قال الله عز وجل فيها ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾. شهر، عباد الله، من أدركه فقد أراد الله عز وجل به خيرا، وامتن الله سبحانه وتعالى عليه إذ بلغه إياه، لأن إدراك العبد لهذا الشهر سبب لرفع الدرجات وتكفير الخطايا والسيئات، وأن يسبق غيره إلى الفوز بجنات عرضها الأرض والسماوات. جاء عند البيهقي وابن حبان وابن ماجة من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه قال: إن رجلين أسلما في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر، فغزا هذا المجتهد في سبيل الله جل وعلا فاستشهد، وعاش الآخر بعده سنة، قال: فرأيت في المنام أني وقفت على باب الجنة، وإذا أنا بالرجلين، فخرج خارج من الجنة فأذن للذي مات آخرا بدخول الجنة، ثم خرج خارج فأذن للذي استشهد، ثم خرج خارج فقال: أما أنت فلم يؤذن لك بعد، قال: فلما أصبحت ذكرت ذلك للناس فجعل الناس يتحدثون بذلك حتى بلغ النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «مم تعجبون؟» قالوا: يا رسول الله، هذا الرجل كان أشد اجتهادا من صاحبه واستشهد في سبيل الله ودخل الآخر قبله الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: «أليس قد عاش بعده سنة؟» قالوا: بلى، «أليس قد أدرك رمضان وصلى كذا وكذا ركعة؟» وفي رواية البيهقي: «وصلى ستة آلاف ركعة»، قالوا: بلى، فقال عليه الصلاة والسلام: «فإنما بينهما كما بين السماء والأرض»، أي من الفرق. انظروا عباد الله بهذه السنة التي أدركها ولم يدركها صاحبه، أدرك فيها شهر رمضان وصلى وصام لله جل وعلا، بلغ بها هذه المنزلة العظيمة وهذه الدرجة الرفيعة، ألا فلا تستهين أيها المسلم بإدراك هذا الشهر، ولتعلم أنك إن وفقت لذلك فقد وفقت لخير عظيم ووفقت لأمر كبير ينبغي أن تحمد الله جل وعلا على ذلك. أيها المسلم، ينبغي أن تحسن في استقبال هذا الشهر العظيم، بداية الصادقة والعزيمة الصحيحة على صيامه وقيام لياليه وإعمار أوقاته بطاعة الله جل وعلا، فإن من صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، إيمانا بفرضيته وإيمانا بوجوبه وإيمانا بمشروعيته، واحتسابا للأجر والثواب، لا يصومه ولا يقومه رياء أو سمعة أو عادة، وإنما يفعل ذلك عبادة وقربة، وكذلك رغبة في الأجر والثواب من الله جل وعلا. تنوي النية الصادقة بهذه العبادة العظيمة حتى تدرك فضله وتدرك أجره وتدرك ثوابه، وإن لم تصم أو حال بينك وبين صيامه عذر، فإنه يكتب لك الأجر كاملا بنيتك الصادقة، أليس النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، متفق عليه من حديث عمر، وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه وهو في غزوة: «إن في المدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم، حبسهم العذر»، وفي رواية: «إلا شركوكم في الأجر»، أي كانوا معكم في الأجر والثواب، مع أنهم في المدينة لم يسافروا معهم ولم يغزوا معهم، فنالوا أجرهم بسبب نيتهم الصادقة والصالحة. فهكذا أيها المسلم، إذا أصلحت نيتك وأخلصت في عزمك وقصدك، فإنك تنال هذه الأجور العظيمة، وإن حال بينك وبين إدراك رمضان أو بين صيامك وقيامه مانع أو لو قضى الله عز وجل عليك بالموت، كتب لك الأجر لأنك قد نويت وعزمت العزيمة الصادقة على صيامه وقيامه وعلى إعمار أوقاته بما يحب ربنا جل وعلا ويرضى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ينبغي أن نستقبل هذا الشهر بالتوبة الصادقة والتوبة النصوحة، بالإقلاع عن الذنوب والمعاصي والتوبة منها، والندم على فعلها والعزم على عدم العودة إليها، فإنك تستقبل شهر التوبة وشهر المغفرة وشهر الرحمة، فلابد من توبة صادقة وإحسان في الأعمال، فإنك بذلك يكتب لك المغفرة والرحمة. قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة عند الطبراني وغيره: «رغم أنف امرئ دخل عليه رمضان ثم خرج فلم يغفر له»، وفي رواية قال: «فأبعده الله»، ثم قال لجبريل عليه السلام: «قل آمين»، فقال: «آمين»، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الشهر شهر مغفرة، من دخل عليه رمضان ثم خرج فلم يغفر له فأبعده الله، أبعده الله جل وعلا عن رحمته، أبعده الله عن مغفرته، أبعده الله عن نيل رضاه، أبعده الله جل وعلا عن الفوز بجنته، وعن كل معنى من المعاني التي تدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: «فأبعده الله». ألا فلا تحرم نفسك أيها المسلم هذه الفضيلة العظيمة بمغفرة الذنوب والخطايا، فينبغي عليك أن تقبل على الله جل وعلا بالمحافظة على الواجبات والابتعاد عن المعاصي والمحرمات والعزم على الاستمرار على ذلك والمحافظة عليها. نعم، عباد الله، ينبغي أن نستقبل هذا الشهر المبارك بإصلاح ذات البين، وإصلاح هذه القلوب من البغضاء والشحناء والحسد، وكذلك أيضا من الهجران والقطيعة، فكم من مسلم لربما هجر أخاه المسلم أكثر من ثلاثة أيام، لربما شهور أو سنة أو أكثر من ذلك من أجل أمر من أمور الدنيا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». وعند أبي داود من حديث حدرد بن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»، فهو كسفك دمه، أي كأنه قتله واستحل دمه. فلذلك ينبغي عليك أيها المسلم أن تصلح ما بينك وبين إخوانك المسلمين، لأن الهجران سبب عظيم لحرمان قبول الأعمال، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «تعرض الأعمال كل اثنين وخميس، فيغفر الله عز وجل لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا امرأ بينه وبين أخيه شحناء، فيقول الله: انظروا هذين حتى يصطلحا»، رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. انظروا عباد الله، من بينه وبين أخيه شحناء، لا ترفع أعمالهم ولا يقبلها الله جل وعلا حتى يصطلحا، حتى يصطلحا ويحسنا ما بينهما، فلذلك عليك أن تبادر بطلب العفو والصفح وأن تحسن ما بينك وبين إخوانك حتى يتقبل الله جل وعلا أعمالك، فلا تكن محروما من قبول الصيام ومن قبول القيام ومن قبول قراءة القرآن وغير ذلك من أعمال البر والإحسان بسبب الهجران والقطيعة. معاشر المسلمين، ينبغي أن نستقبل هذا الشهر بتهيئة هذه النفوس وإصلاحها على الإقبال على كتاب الله جل وعلا، فإنه شهر القرآن، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يجعل للقرآن عناية عظيمة وعناية زائدة على سائر الأيام والشهور، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة»، رواه البخاري. هكذا كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام يدارس جبريل القرآن ويزيد جوده ويزيد إحسانه ويزيد مسابقته عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان أكثر من غيره من الشهور. وهكذا عباد الله، ينبغي أن نستقبل هذا الشهر بتفقد بعضنا لبعض، أن يتفقد الغني الفقير والجار جاره والقريب قريبه، وخاصة مع مثل هذه الأحوال ومثل هذه الأزمان التي يعيش الناس فيها في صعوبة من العيش، فلابد من مراعاة بعضنا لبعض، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «من فرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، رواه مسلم من حديث أبي هريرة. وهكذا أيضا كذلك معاشر التجار، ينبغي أن يراعوا أحوال الناس وينبغي أن يرفقوا بهم، وكذلك أن يحسنوا في تعاملهم، فإن من يسر على معسر يسر الله عز وجل عليه في الدنيا والآخرة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فأسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وفضله وإحسانه أن يطيل أعمارنا حتى يبلغنا شهر رمضان المبارك، فيوفقنا جل وعلا لصيام نهاره وقيام ليله وإعمار أوقاته بطاعته. والحذر عباد الله من تضييع أوقاته بالسهر والسمر على اللعب واللهو، سواء كان ذلك باللعب بالضمنة أو الورق أو بأنواع من اللهو واللعب من كرة وغير ذلك، أو ربما السهر على شاشات التلفاز والنظر في الأفلام والمسلسلات، أو كذلك في الجلوس في مجالس القيل والقال وغير ذلك مما يحرم فيه المسلم أجر هذا الشهر العظيم. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، محمد رسول الله.