الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أهل السنة يعتقدون أن الخير والشر بقضاء الله وقدره، وأن أفعال الله كلها حكمة وعدل. الخير والشر من خلق الله، والله يقضي بالخير والشر لحكمة منه سبحانه وتعالى.
أهل السنة لا ينسبون الشر إلى الله بشكل مباشر تفاديًا لسوء الأدب، مع الإقرار بأن الله هو خالق كل شيء. يُستدل على ذلك بأحاديث نبوية وقصص من القرآن مثل قصة الخضر وإبراهيم عليهما السلام.
المراتب الأربع للقضاء والقدر هي العلم، الكتابة، الخلق، والمشيئة. الله يعلم كل شيء ويكتب مقادير الخلق ويخلق الخير والشر ويريده بمشيئته الكونية، وتشمل مشيئته جميع أعمال العباد.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله في كتابه «عقيدة السلف وأصحاب الحديث»: قال رحمه الله: «ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر والحلو والمر بقضاء الله تعالى وقدره، لا مرد لهما ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرأة بما لم يكتبه الله له لم يقدر عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله عليه لم يقدروا». كما ورد به الخبر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾. هذا بوابة للإمام الصابوني رحمه الله في الخير والشر، فذكر أن من اعتقادات أهل السنة أنهم يعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر والحلو والمر بقضاء الله تعالى وقدره، لا مرد لهما ولا محيص ولا محيد عنها. وهذا كما تقدم أيضًا من مباحث القدر، أن الخير والشر من خلق الله جل وعلا ومن قضائه وقدره، فهو الذي قدر قدر الخير وقدر الشر لحكمة منه سبحانه وتعالى. وأفعاله جل وعلا كلها حكمة وعدل، فخلق الشر لحكمة كما قال جل وعلا: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنا وإلينا ترجعون﴾. فالخير والشر من قضاء الله وقدره. لهذا جاء في حديث جبريل أنه قال في أركان الإيمان في آخره في حديث أبي هريرة: «وبالقدر خيره وشره من الله تعالى»، جاء في رواية صحيحة: «حلوه ومره من الله تعالى». فالخير من الله، والشر من الله، لا كما يزعمه المعتزلة. فالمعتزلة يعتقدون أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وبعضهم يقول: إن الشر من الإنسان، وهذا باطل لأنه مخالف لأصول الشرع. فالله عز وجل خلق الشر، لكن هل هذا الشر في ذلك المكان هو شر؟ وإنما هو في أفعال العباد، هذا الشر في أفعال العباد، لكن الله عز وجل أفعاله كلها حكمة وخير، وأيضًا عدل منه سبحانه وتعالى، فهي داخلة في قضاء الله والقدر، فقد يقضي بالخير وقد يقضي بالشر. فتجد أن الله عز وجل يقضي للعبد بالمرض، يقضي للعبد بالمصائب، يقضي للعبد كذلك بغيرها من هذه الأمور، وكلها من عند الله جل وعلا. ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾، ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير﴾. فلهذا فإن ربنا جل وعلا هو الذي يقضي بالخير ويقضي بالشر جل وعلا. قالوا: من مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه، أنه لا يضاف إلى الله تعالى ما يتوهمن منه نقص على الانفراد، فيقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه. وفي ذلك رد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء استفتاح الصلاة: «تباركت وتعاليت والخير بين يديك والشر ليس إليك». هذا الحديث حديث علي رضي الله عنه. وقوله قبل ذلك: «ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرأة بما لم يكتبه الله له لم يقدر عليه»، وهذا أخذ من حديث ابن عباس: «اعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». وفي رواية: «جف القلم بما هو كائن». فالله عز وجل قدر هذه المخلوقات، وقدر أيضًا النفع والضر منه سبحانه وتعالى. وهنا ذكر أيضًا أن من مذهب أهل السنة طريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه، أنه لا يضاف إلى الله ما يتوهمن منه نقص، فلا ينسب الشر إلى الله، وإنما من باب الأدب، أنه لا يقال: هذا الفعل من الله، هذا الشر الذي أصاب فلانًا من الله، الذي أيضًا كذلك يقال مثلًا كما ذكر مؤلفنا: «يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان»، فهذا لا يجوز أن يقال مثل هذا؛ لأن فيه تنقص في حق الرب جل وعز، وإن كان ما من مخلوق إلا وخالقه الله جل وعلا. قالوا: معناه أن الشر ليس مما يضاف إليه فرادًا وقصدًا، حتى يقال: يا خالق الشر، أو يا مقدر الشر، وإن كان هو الخالق المقدر لهما جميعًا، فهذا باب من الأدب فقط، أن اللفظ لا يصلح أن يقال؛ لأنه فيه سوء أدب. قالوا: لذلك أضاف الخضر عليه السلام إرادة العيب إلى نفسه، فقال فيما أخبر الله تعالى في قوله: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها﴾، ولم يقل: إن الله عز وجل أراد أن يعيبها. قالوا: ولما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله، قال: ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما واستخرجا كنزهما رحمة من ربك﴾. وكذلك قال مخبرًا عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾، فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه جل وعلا. فخلاصة هذا المبحث هو كما قلنا: أن هناك مباحث مهمة في باب القضاء والقدر، ومن هذه المباحث مراتب القضاء والقدر، وهي أربع مراتب: العلم والكتابة والخلق والمشيئة. العلم أي علم الله جل وعلا الأزلي وعلمه المستحدث، أي أن الله عز وجل علمه أزلي يعلم كل شيء وهو بكل شيء عليم، وأيضًا علمه متجدد، يعني أنه يعلم الحوادث إذا وقعت وقبل وقوعها. فلهذا فإن علم الله عز وجل عظيم، ولم ينكر هذا إلا القدرية، قدرية النفاة، المعتزلة الغلاة، أنكروا علم الله جل وعلا. وكذلك أيضًا الكتابة، وهي التقدير، الأمر الثاني هو الكتابة، وهي من الأمور الأربعة التي يجب على المسلم أن يؤمن بها في القدر. ومعنى الكتابة: أي أن الله عز وجل كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، أو كتب ذلك في كتاب عنده جل وعلا. ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكان عرشه على الماء». فالآن خلق الخير والشر، والله أيضًا هذه المرتبة الثالثة التي ذكرها المؤلف، وهي مرتبة الخلق، أن الله عز وجل خلق الخير وخلق الشر، فهو من الله، وهي المرتبة الثالثة كما قلنا، وهي مرتبة الخلق، مرتبة العلم والكتابة والخلق. ثم هنا ذكر بعد ذلك مرتبة المشيئة، وهي المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر. قالوا: وكذلك مذهب أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته؛ لأنه ما من شيء إلا وتحت مشيئة الله جل وعلا، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. قال: ﴿ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة﴾، وقال جل وعلا: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾. قال: ولو شاء أن لا يعصى ما خلق إبليس، فكفر الكافرين وإيمان المؤمنين وإلحاد الملحدين وتوحيد الموحدين وطاعة المطيعين ومعصية العاصين، كلها بقضائه عز وجل وقدره وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، أراده أي إرادة كونية. ويرضى الإيمان والطاعة، أن يرضى بالإيمان والطاعة، ويكره الكفر والمعصية ولا يرضاها. فما من شيء بمشيئة الله جل وعلا النافذة في كل شيء، ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. ففي هذه الآية أثبت ربنا جل وعلا أن للعبد مشيئة ولله عز وجل مشيئة، لكن مشيئة الله عز وجل مشيئة كاملة نافذة في كل شيء، ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله جل وعلا، يعني أنه يفعل الفعل حقيقة، يفعل الفعل حقيقة ويشاء، لكن وقوع الفعل، وقوع الفعل لا يكون إلا بمشيئة الله. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. فللعبد مشيئة واستطاعة قبل الفعل، لكن هل يقع هذا الفعل؟ فهذا بإذن الله، ما يقع إلا شيء بإذنه سبحانه وتعالى. فهذا مفهوم المشيئة، وهي المرتبة الرابعة من مراتب القدر. وإن شاء الله سيذكر أيضًا المؤلف رحمه الله بعض الأشياء المتعلقة بهذا، أو نلخص ما قد ذكرنا في درس لاحق، فنكتفي بهذا.