الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 57، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
فرض الكفاية هو واجب على المسلمين جميعا يسقط عن الباقين إذا قام به البعض، ويشمل أمثلة مثل صلاة الجنازة. إذا فرط الجميع مع توافر العلم والقدرة أثموا جميعا.
لا إثم على من لم يسمع السلام، وتوجد قاعدة فقهية عند الحنفية والشافعية بأن من يملك إنشاء عقد يملك الإقرار به مع وجود استثناءات.
هناك استثناءات لقاعدة أن من يملك الإنشاء يملك الإقرار، مثل الوكيل والمريض الذي يخاف منه الموت، حيث تختلف المذاهب الفقهية في التعامل مع هذه الحالات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال العلامة رحيم الدين نوي رحمه الله في مقدمة المجموع في ذكر بعض القواعد التي ينبغي للمعلم أن يعلمها لطلابه، فقال رحمه الله: «وإن فرض الكفاية إذا فعله من يحصل به المطلوب سقط الحرج عن الباقين، وإلا أثموا كلهم بالشرط الذي قدمناه». طيب، هذه القاعدة قاعدة فرض الكفاية، كما هو معلوم أن الواجب على نوعين من ناحية الديمة، يتعلق بديمة العبد، إما فرض كفاية أو واجب كفائي، أو واجب عيني. الواجب العيني المراد به أنه يجب على كل مسلم، أو على كل من يجب عليه، مثلا الصلاة، الفروض الخمسة واجبة من الواجبات العينية على كل مسلم. وهناك واجب كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، مثل صلاة الجنازة، عيادة المرضى، وأيضا تكفين الميت ودفنه، وغيرها من الأحكام التي هي فرض الكفاية. فرض الكفاية هذا يجب على العموم، ولا يجب على كل واحد بعينه، يجب على المسلمين جميعا. فإن فرطوا جميعا فإنهم آثمون، لكن كما تقدم بالشرط، كما قال: «بالشرط الذي قدمناه»، وهو أنه يكون هذا الشيء في وسع هذا الشخص الذي نقول أنه آثم. فإذا كان مثلا صلاة الجنازة، إنسان مات ولم يدفن أو لم يصلي عليه، مع أن كثيرا من جيرانه وكذا يعرفون أنه مات ولم يصلي عليه أحد، فقام أحد أهله بدفنه دون أن يصلي عليه، فهؤلاء كل من علم هذا الشيء فهو آثم، من علم هذا الشيء. أما من لم يعلم فليس آثما، لا يكلف الإنسان ما لا يعلمه، وكذلك لا يكلف الإنسان ما لا يستطيعه. فلهذا لما نقول مثلا أن فرض الكفاية يقوم به البعض، وإلا آثم الباقون أو الجميع، ليس المراد جميع الناس، وإنما المراد من عرف ومن علم واستطاع، جاء عنده القدرة وعنده الاستطاعة والعلم بهذا. أما مثلا أناس لا علم لهم بشيء من هذا الباب، فتأثيمهم خطأ. أو أنهم لا يستطيعون ولا يقدرون على هذا الشيء. فلهذا، ففرض الكفاية إذا فعله من يحصل به المطلوب سقط الحرج عن الباقين. فمثلا إنسان سلم مرة عند أناس فسلم، فرد عليه واحد، هذا يكفي، أن هذا يسقط الوجوب، لو لم يرد عليه أحد فيأثم من كان قد سمع السلام. أما من لم يسمع السلام فلا إثم عليه. مثلا ناس في مجلس، هذا هنا وهذا هنا وهذا هنا، فمر إنسان وسلم «سلام عليكم»، فمن سمع السلام فإنه يجب على أحدهم أن يرد، ولو واحد، لو رد واحد يكفي. وإذا لم يرد أحد فكل من سمعه يأثم، كل من سمع السلام يأثم. وأما من لم يسمع السلام فإنه لا يدخل في هذا. فهذا معنى قول المؤلف: «وإن فرض الكفاية إذا فعله من يحصل به المطلوب سقط الحرج عن الباقين، وإلا أثم كلهم بالشرط الذي قدمناه»، وهو الاستطاعة أو الحضور أو العلم. ثم قال: «وأن من ملك إنشاء عقد ملك الإقرار به، وإلا فلا». وهذه قاعدة عند الحنفية والشافعية، هذه القاعدة من قواعد الفقه عند الحنفية والشافعية. وهذه القاعدة تعلمون أنها قاعدة فقهية، والقواعد الفقهية لا تكون مضطردة كالقواعد الأصولية، القواعد الأصولية غالبا لا يكون فيها استثناعات. وأما القواعد الفقهية فتكون فيها استثناعات، وأحيانا استثناعات كثيرة، مثل هذه القاعدة. ولهذا لم يذكرها الحنبلة لأن استثناعاتها كثيرة، الاستثناعات في هذه القاعدة كثيرة. فلهذا إذا كثرت الاستثناعات أخرج أو أخرج عن كونها قاعدة. ولهذا أحيانا يقولون بعض الفقهاء: «هذا ضابط وليست قاعدة». فقالوا: «أن من ملك إنشاء عقد ملك الإقرار به»، مثلا الأب يملك إنشاء عقد ابنته، خاصة البكر والصغيرة، فإذا ملك إنشاء العقد يملك الإقرار به. كيف يملك الإقرار به؟ مثلا لو وجدوا مثلا هذه البنت مع ولد مثلا، فقال هذا الأب: «هذه زوجته»، معناها لم يعقد لكن أقر أنها زوجته، هل يملك هذا الإقرار؟ نعم، لأنه يملك الإنشاء. يملك الإنشاء أيضا كل من ملك الإنشاء، مثلا الوكيل، الوكيل أو مثلا ولي اليتيم يملك التصرف في المال. فإذا قال مثلا جاء مثلا قالوا له: «أين بيت هؤلاء اليتامى؟» قال: «قد بعته»، لفلان أو فلان، قال: «هذا بيتي»، فقال الولي: «نعم قد بعته له»، فهذا إقراره صحيح، لأنه له إن شاء هذا العقد، وهو عقد بيع هذا البيت. وأما إذا كان هناك شيء ينازع فيه، كالوكيل مثلا، الوكيل وكله مثلا في البيع والشراء، فقال: فجاء إنسان وقال للموكل: «هذا بيتك؟» فقال: «لا، أنا هذا البيت قد بعته لفلان»، معنى الموكل أو أقصد صاحب المال يقول: «قد بعته لفلان»، فيأتي الوكيل ويقول: «لا، أنا بعته لفلان»، وهنا لا يقبل قوله، لا يقبل قوله. هذا ما استثني من هذه القاعدة أو من هذه القاعدة. وكذلك أيضا العكس، من ملك الإنشاء أو من لم يملك الإنشاء، يقولون أنه لم يملك الإقرار، لكن أيضا لها استثناءات. فإن هناك أناس لهم الإقرار وليس لهم الإنشاء، معنى الإقرار، أيش أن يقر أنه كذا وكذا، يقر ببيع، يقر بأي عقد. فهذا قالوا: إذا كان له الإنشاء يكون له الإقرار. طيب إذا كان ليس له الإنشاء، هل له أن يقر؟ مثلا المريض الذي كان في مرض موته، عند جمهور العلماء أن المريض الذي في مرض موته ليس له التصرف إلا في الثلث، ليس له أن يتصرف إلا في الثلث، وأما فوق الثلث لا يجود له أن يتصرف، مع أنه حي لازال على قيد الحياة. لو لم يكن مثلا مريضا له أن يتصرف في ماله، مثلا له أن يتصدق بماله، يوقف شيئا، أيضا يجعل هدية لبعض الناس، هبة، يجعلها لأصدقائه أو لأولاد أولاده أو كذا، وغيرها من هذه الأمور التي يجوز له أن يتصرف بها في ماله، يبيع مثلا بعض بيوت، بعض أراضيه. لكن إذا كان في مرض موته أو في المرض الذي يخاف منه الموت، معنى المرض المخوف كما يقول الفقهاء، فهذا المرض يقولون: لا يجوز له أن يتصرف، لا يجوز له أن يتصرف في غير الثلث. فإذا كان مثلا يريد أن يوصي، وأما التصرفات الأخرى لا، إذا قال مثلا: «هذه المرأة طالق»، يريد أن يحرمها من الإرث، فعله هذا غير صحيح. أو «هذا البيت أعطيته لفلان»، فهذا أيضا فعله غير صحيح، هذا عند جمهور العلماء. فالتصرفات غير صحيحة، معنى إنشاء العقد غير صحيح له. لكن يجوز له أن يقر، مثلا يدعي بعض الناس أو مثلا يدعي إنسان أن هذه الأرض قد اشتراها من هذا الشخص، مثلا جاءه أولاده وقالوا: «هذه الأرض قد اشتريتها من أبيكم؟» فذهبوا إلى أبيهم وهو مريض، فقالوا: «هل بعت هذه الأرض لفلان؟» فيقول: «نعم»، فهذا إقراره صحيح، هذا صحيح. أو مثلا يعلمون أن عند فلان دينا عنده، مثلا عشرة آلاف، مثلا فقال: «قد أعطيتها لأبيكم»، فيذهبون إلى أبيهم ويقولون: «فلان قد أعطاك شيء؟» فيقول: «نعم»، فهذا إقرار، فيجوز له الإقرار ولا يجوز له الإنشاء. فالمهم أن هذه قاعدة عند الحنفية والشافعية، وتدخل فيها عدة مسائل. وأما الحنابلة فلم يقرروها لأن استثناءاتها كثيرة. والله أعلم.