مسائل في الصيام 10

الدرس في مسائل في الصيام 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في أحكام الاعتكاف

الاعتكاف هو سنة مستحبة للرجال والنساء، ويجب أن يكون في مسجد تقام فيه الصلاة. يعتبر الاعتكاف تعبدًا لله تعالى.

تفاصيل أحكام الاعتكاف ومدته

الاعتكاف يمكن أن يكون في رمضان أو غيره، ولا يشترط الصيام إلا في رمضان. يسن الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.

مفسدات الاعتكاف وآدابه

الاعتكاف يبطل بالجماع والردة والخروج لغير حاجة. ينبغي للمعتكف أن ينشغل بذكر الله وطاعته.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بدعاء للتوفيق في طاعة الله وتقبل الأعمال الصالحة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا مجلسنا العاشر من مجالس مسائل في الصيام، نذكر في هذا المجلس شيئًا من أحكام الاعتكاف. الاعتكاف لغة بمعنى الحبس واللبث، سواء كان في أمر بر أو إثم. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وقال عز وجل: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾، وقال: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾، يعني يلبثون عندها ويحبسون أنفسهم عندها. وشرعًا هو لبث المسلم في المسجد مدة معلومة، تعبدًا لله جل وعلا. هذا هو الاعتكاف. والاعتكاف مشروع منذ زمن إبراهيم عليه السلام، كان الاعتكاف مشروعًا. قال الله عز وجل: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. إذن فهي عبادة قديمة. تأتي مسألة: وهو ما حكم الاعتكاف؟ حكم الاعتكاف أنه سنة مستحبة لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر حتى توفاه الله، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة رضي الله تعالى عنهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم لازم هذه العبادة حتى توفاه الله جل وعلا، فهي من أعمال الطاعات والقربات المستحبة. وقد تكون واجبة بالنذر، إذا نذر الإنسان أن يعتكف صار الاعتكاف حقه واجبًا. فيجب عليه أن يفي بهذا النذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». ومن غير النذر فهو مستحب، ليس بواجب. كذلك أيضًا تأتي مسألة: هل يشرع الاعتكاف للرجال والنساء أم أنه خاص بالرجال فقط؟ الجواب أن الاعتكاف مشروع للرجال والنساء. فالمرأة كذلك لها أن تعتكف. وقد اعتكف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. في حديث أبي هريرة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده». لكن قال أهل العلم: لا بد من شرطين إذا أرادت المرأة أن تعتكف. فلابد من توفر شرطين: الأول إذن وليها، لابد من إذن الولي. فإذا أرادت المرأة أن تعتكف تأخذ الإذن من زوجها. فإذا لم يأذن لها فليس لها أن تعتكف، لأن الاعتكاف مستحب وطاعتها لزوجها واجبة، وحق الزوج مقدم. فإن أذن لها فلها أن تعتكف. والشرط الثاني: الأمن من الفتنة. فإذا أمنت الفتنة ووجد الإذن فلا بأس أن تعتكف المرأة وتتفرغ لطاعة الله جل وعلا وعبادته. كذلك أيضًا تأتي مسألة: أين يكون الاعتكاف؟ هل يشرع أن يعتكف المسلم في بيته، يجلس في غرفة ويقول: أنا سأنقطع عن الخلق وأتفرغ لعبادة الخالق سبحانه وتعالى؟ أم أنه لا بد أن يكون في المسجد؟ الجواب أنه لا بد أن يكون في المسجد. لا يشرع الاعتكاف في غير المساجد بقول جمهور أهل العلم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فدلت الآية على أن محل الاعتكاف هو المسجد. فالبيت ليس محلا للاعتكاف. ولو كان الاعتكاف يشرع في البيت لدل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأزواجه على ذلك. تأتي مسألة: وهو هل يشرع الاعتكاف في كل مسجد؟ هل يشرع الاعتكاف في كل مسجد أو يشترط في هذا المسجد أن يكون مسجدًا جامعًا؟ الجواب أنه يشرع الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الصلاة. كل مسجد تقام فيه الصلاة -أي صلاة الجماعة- فيشرع فيه الاعتكاف. لقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، في قوله جل وعلا: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أل العهد، أي المساجد المعهودة في الصلاة فيها. فيشرع أن يعتكف المسلم في أي مسجد تقام فيه الصلاة، ولا يشترط أن يكون مسجدًا جامعًا. لا يشترط. لا بأس أن يخرج في يوم الجمعة ويذهب إلى المسجد الجامع ليصلي الجمعة ثم يرجع. لكن الأفضل أن يكون مسجدًا جامعًا، هذا أفضل وأكمل، حتى لا يحتاج أن يخرج في يوم الجمعة. وأما إذا كان المسجد لا تقام فيه الصلاة -مسجد مهجور لا تقام فيه الصلوات- فهذا لا يجوز الاعتكاف فيه، لأن الاعتكاف فيه سيؤدي إلى ترك الجماعات. سيؤدي إلى ترك الجماعات، وهذا يعني وقوع في ذنب ومعصية وترك لواجب. والاعتكاف مستحب، وسيؤدي هذا المستحب إلى ترك واجب، وهذا لا يجوز. تأتي مسألة: وهي هل يشترط في الاعتكاف الصيام؟ لا بد أن يكون المعتكف صائمًا أم أنه يشرع الاعتكاف من غير صيام؟ الجواب: أما بالنسبة لرمضان فلا بد أن يكون المعتكف صائمًا، أن الصيام واجب. وأما في غير رمضان فلا يشترط. لا يشترط في الاعتكاف الصوم، بل يشرع للإنسان أن يعتكف ولو كان مفطرًا. وذلك أن الأدلة التي جاءت في مشروعية الاعتكاف لم يشترط فيها الصيام. فالله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، ولم يشترط الصيام. وفي حديث عمر في الصحيحين قال: «نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوفي بنذرك». والليل -كما هو معلوم- ليس محل الصيام، ليس محلا للصيام. دل هذا على مشروعية الاعتكاف من غير الصيام. تأتي مسألة: وهي ما هو حد الاعتكاف؟ هل الاعتكاف مدة معينة أم لا؟ أما بالنسبة لأكثر الاعتكاف فليس له مدة محدودة في قول عامة أهل العلم. ليس للاعتكاف مدة محدودة. لك أن تعتكف يعني أسبوعًا، أسبوعين، شهرًا، شهرين. إن لم يكن في ذلك تضييع لشيء من الحقوق الواجبة فلا بأس. ليس لمدة أو أكثر الاعتكاف حدًا محدودًا. وأما أقل الاعتكاف ففيه خلاف بين أهل العلم. ما هي أقل مدة للاعتكاف؟ والراجح أنه كذلك ليس لأقل الاعتكاف مدة محدودة. ليس لأقل الاعتكاف مدة محدودة. يعني لك أن تعتكف ساعة، تجلس في المسجد وتنوي أنك معتكف، لا مانع من ذلك. لكن أفضل أقل مدة يعتكف فيها المعتكف هي ليلة، هي ليلة. يعني من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. لحديث عمر: «إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوفي بنذرك». هذا هو يعني أصح ما ورد في أقل يعني مدة. فيكون هذا هو الأفضل. أو أو يومًا كاملًا لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. تأتي مسألة: وهو هل يتلفظ المعتكف بنية الاعتكاف بلسانه؟ يقول: نويت أن أعتكف مدة قامتي في هذا المسجد. الجواب أن هذا لا يشرع. الاعتكاف عبادة، ولا يشرع التلفظ بالنية، بل النية محلها القلب. النية محلها القلب. أدى إذا نويت الاعتكاف فالله عز وجل يعلم ما في قلبك، لا يحتاج أن تتلفظ وتقول: نويت أن أعتكف. وما يفعله بعض الناس في بعض المساجد يعلق لائحة مكتوب فيها: نويت أن أعتكف مدة إقامتي في هذا المسجد، هذا غير مشروع. كذلك أيضًا من مسائل الاعتكاف أنه يشرع الاعتكاف في سائر الأيام والشهور. يشرع الاعتكاف في سائر الأيام والشهور، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان. يتأكد استحباب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما سمعنا في الأحاديث. فليس الاعتكاف مخصوصًا بالعشر الأواخر، لا هو مشروع في سائر الأيام وفي سائر الشهور. إذا أحب المسلم أن يجلس في المسجد ويلبث في المسجد يومًا أو ليلة أو أكثر من ذلك في غير رمضان لا بأس بذلك. لكن المستحب الذي يتأكد استحبابه هو في العشر الأواخر لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، ولأجل إدراك فضيلة هذه الليالي وإدراك ليلة القدر. فإذا أراد المسلم أن يعتكف في العشر الأواخر متى يدخل معتكفه؟ الجواب أنه يدخل على الصحيح قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين. يدخل قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين، لأنه سيعتكف العشر الليالي والأيام، فتبدأ الاعتكاف بإدراك أول ليلة من هذه العشر، وهي ليلة الحادي والعشرين. كذلك أيضًا من مسائل الاعتكاف أنه يجوز للمعتكف أن يأكل ويشرب في المسجد، يجوز له أن يأكل ويشرب في المسجد مع الحرص على عدم تلويث وتوسيخ المسجد. وكذلك أيضًا من مسائل الاعتكاف أنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا للحاجة التي لابد منها، كالذهاب إلى الخلاء وقضاء الحاجة، أو كذلك لأجل الأكل والشرب إذا كان مثلًا ما أحد يأتي له بطعام في معتكفه. له أن يذهب ويخرج يذهب إلى بيته فيأكل ويرجع، لأن هذه من الحاجة الضرورية التي لابد منها. وأما إن كان يؤتى له بالطعام إلى المسجد كحال هذه الأزمان، فلا يحتاج أن يخرج حينئذ إلى البيت ما دام أن الطعام موجود. لكن لو أن الطعام في موضع خارج المسجد -يعني يوضع الطعام خارج المسجد من أجل أن لا يتسخ المسجد- فلا بأس، لأن هذا كذلك من الحاجة. وعائشة رضي الله عنها قالت: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج إلا للحاجة»، إلا لحاجة الإنسان. يعني يخرج المعتكف للحاجة التي لابد منها من طعام أو شراب أو قضاء الحاجة ونحو ذلك. وأما أن يخرج يعني من غير حاجة لا يجوز. يخرج يتمشى ولا يغير جو، لا يجوز أن يخرج المعتكف من معتكفه -أي المسجد- بل يبقى ملازمًا للمسجد. ولهذا فالمعتكف لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازةً، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كانت تقول: ربما أذهب إلى البيت فأمر فيه المريض فلا أسأل عنه إلا وأنا مارة»، يعني ما تدخل تعود المريض وتزوره، وإنما تسأل عنه فقط وهي مارة في طريقها. فالمعتكف لا يشهد جنازةً ولا يعود مريضًا ولا يذهب إلى السوق ولا شيء من ذلك، بل هو ملازم للمسجد. كذلك أيضًا تأتي مسألة: وهو متى يخرج المعتكف من معتكفه؟ من اعتكف مثلًا العشر الأواخر متى ينتهي الاعتكاف؟ فالجواب أنه ينتهي بغروب شمس آخر يوم من رمضان. إذا غربت شمس آخر يوم من رمضان انتهى الاعتكاف، لأن رمضان انتهى والليالي التي أراد اعتكافها قد انتهت. وحينئذ له أن يخرج من معتكفه بعد المغرب. كذلك أيضًا ينبغي أن نعلم أن مما يفسد الاعتكاف ويبطله الجماع. جماع الرجل أهله وهو يعتكف. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وهذا باتفاق أهل العلم أن الجماع مفسد للاعتكاف. لو أنه ذهب إلى البيت فأتى أهله بطل اعتكافه. بطل اعتكافه. فالمعتكف لا يأتي أهله حال اعتكافه، هذا أمر محرم عليه. فينبغي أن يجتنب ذلك. وكذا أيضًا ذكر أهل العلم مما يبطل الاعتكاف الردة، لأن الردة مبطلة لسائر الأعمال. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. كذلك أيضًا الخروج لغير حاجة. الخروج لغير حاجة هذا قد يبطل الاعتكاف. قد يبطل الاعتكاف ويبسده، لأنه ينافي معنى الاعتكاف. فينتبه المعتكف من ذلك. ثم إذا علمنا أن الاعتكاف سنة ومستحبة، فإذا أراد المعتكف أن يخرج له أن يخرج ولو قبل تمام هذه المدة، قبل انتهاء العشر. لأن الاعتكاف مستحب ليس بواجب، مستحب ليس بواجب. لكن لا شك أن المضي فيه هو الأفضل والأكمل إن لم يكن هناك حاجة. فإن اضطره شيء إلى الخروج -كأن يكون مثلًا عنده أحد من أولاده مرض ولا أحد يقوم به إلا هو أو زوجته- فلا بأس أن يخرج، هذه حاجة لا بد منها. يخرج يعالجها ويرجع. يخرج يعالجها ويرجع ويستمر في اعتكافه. فالمقصود أنه لا يلزمه الاستمرار في هذه المدة التي اعتكفها، لأن الاعتكاف مستحب وليس بواجب. إلا إذا كان قد نذر وصار واجبًا عليه، لزمه الاستمرار والمضي لإتمام المدة كلها، لأنه صار الاعتكاف حقه واجبًا. صار بالنذر واجبًا. وأما من غير النذر فهو مستحب. ينبغي للمعتكف أن ينشغل بذكر الله جل وعلا وطاعته، وقراءة القرآن، والانقطاع عن الخلق والانشغال مع الخالق سبحانه وتعالى. هذا هو مقصود الاعتكاف. مقصود الاعتكاف أنك تترك الناس وتقبل على الله جل وعلا بالذكر وقراءة القرآن والتعلق بالآخرة وطلب ما عند الله جل وعلا. فينبغي أن يكون المعتكف منشغلًا بطاعة الله جل وعلا، لا يكثر الكلام والقيل والقال، هذا خلاف المقصود من الاعتكاف. ما يجلس المعتكف يتكلم مع هذا ومع ذاك، ويذهب عند هذا وعند ذاك. لا ينبغي أن يكون قليل الكلام مع الناس، لا بأس أن يتكلم الشيء القليل، الشيء القليل للحاجة. أما أن يكثر القيل والقال فلا. وأما ما يدل على جواز القليل من الحديث حديث صفية لما جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم، فجعلت التحدث معه. ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم معها ليقلبها -أي يوصلها إلى حجرتها- والحديث في الصحيحين. هذا يدل على جواز الحديث من المعتكف، لكنه يكون شيء قليل. والأكثر هو الانشغال بطاعة الله جل وعلا والإقبال على عبادة الله جل وعلا، واستغلال هذه الأيام والليالي التي وفقه الله جل وعلا للتفرغ فيها بالإكثار من ذكر الله جل وعلا. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يتقبل منا جل وعلا الصيام والقيام وصالح الأعمال، إنه لذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.