مسائل في الصيام 11

الدرس في مسائل في الصيام 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في فضائل ليلة القدر وأحكامها

ليلة القدر ليلة مباركة أنزل فيها القرآن، وهي خير من ألف شهر. هذه الليلة موجودة في العشر الأواخر من رمضان.

مسائل متعلقة بليلة القدر وتحديدها

ليلة القدر متنقلة وليست ليلة معينة، ولها علامات، والأعمال المشروعة فيها مثل الاعتكاف وقيام الليالي.

كيفية إحياء ليلة القدر والدعاء فيها

يستحب إحياء ليلة القدر بالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله، ومن الأدعية المستحبة "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، هذا مجلسنا الحادي عشر من مجالس مسائل في الصيام، نتحدث معكم في هذا المجلس عن شيء من فضائل وأحكام ليلة القدر. فإن من فضل الله جل وعلا على عباده وعظيم كرمه وجوده جل وعلا أن من عليهم بليلة عظيمة هي خير ليالي السنة، ألا وهي ليلة القدر. هذه الليلة المباركة، كما سماها ربنا عز وجل بذلك، قال سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين﴾. والبركة هي كثرة الخير وثبوته ولزومه، فسميت هذه الليلة بليلة مباركة لكثرة خيرها. وهي أيضا ليلة القدر، سميت بهذا الاسم، قيل لعظيم قدرها، وقيل لما يقدر فيها من المقادير، وهو معنى قول الله عز وجل: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾. ذكر أهل التفسير أن الله عز وجل يفصل من اللوح المحفوظ من المقادير إلى الكتبة ما يقدره جل وعلا في هذه السنة من الأرزاق والآجال إلى آخرها. فالله عز وجل أنزل سورة كاملة هي سورة القدر في بيان عظم وفضل هذه الليلة، قال عز وجل: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾. الضمير يرجع إلى القرآن، الله عز وجل أنزل هذا القرآن الذي هو أعظم الآيات والبينات التي أيد الله عز وجل بها نبيه محمد عليه الصلاة والسلام. أعجز الله عز وجل به ألف صحابي والبلغاء أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة، ولا زال الإعجاز والتحدي قائما إلى أن ترفع المصاحف قبل يوم القيامة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يبقى منه شيء، ويمحى ما في الصدور. الله عز وجل أنزل هذا القرآن في هذه الليلة، في هذه الليلة: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾. وقال عز وجل: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. إذن، هذه الليلة هي في شهر رمضان، هي في شهر رمضان، هذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم. أما ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقال به جماعة من أهل الكوفة أنها تكون في جميع السنة، وترجى في جميع الشهور، هذا قول مرجوح، الراجح أن ليلة القدر في شهر رمضان، وفي العشر الأواخر، كما سيأتي. إذن، أنزل الله عز وجل هذا القرآن العظيم في هذه الليلة. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنزل الله عز وجل القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم أنزله على النبي صلى الله عليه وسلم على حسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. فتخصيص إنزال القرآن في هذه الليلة يدل على عظم قدرها وعظيم منزلتها. قال العز وجل: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾، ما أدراك ما عظم أمرها وما عظيم قدرها. وهذا أسلوب من أساليب اللغة العربية في بيان تعظيم الشيء. القارعة ما القارعة؟ وما أدراك ما القارعة؟ الحاقة ما الحاقة؟ وما أدراك ما الحاقة؟ ونحو ذلك، يؤتى به للتعظيم إذا كان الأمر أمرا معظما، فيؤتى به لتعظيم هذا الأمر والتشويق إلى معرفته وبيانه. وما أدراك ما ليلة القدر؟ ليلة القدر خير من ألف شهر، ليلة القدر خير من ألف شهر. قال قتادة، وهكذا أيضا الإمام الشافعي رحمه الله، وغير واحد من السلف: ليلة القدر خير من ألف شهر، أي ليس فيه ليلة القدر. خير من ألف شهر، ليس فيه ليلة القدر، معنى ذلك أن العبادة في ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر. قال مجاهد رحمه الله: صيامها وقيامها خير من صيام ألف شهر وقيامه ليس فيه ليلة القدر، يعني العبادة في هذه الليلة أعظم من عبادة ألف شهر. وهذا كما قال أهل العلم يقدر بنحو خمس وثمانين عاما، عبادة ليلة خير من عبادة خمس وثمانين عاما ليس فيه ليلة القدر. هذا يدل على أن شأنها عظيم وأن قدرها كبير، حتى تضاعف فيها العبادة بهذه المضاعفة العظيمة. ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها، تتنزل الملائكة في هذه الليلة، يكثر نزول الملائكة، والملائكة تنزل بالرحمة وبالبركة وبالخير، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تنزل تلتمس حلق الذكر. فإذا وجدت قوما يذكرون الله، قالوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحوطون بهم. وهكذا أيضا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، تعظيما لأمره. وهكذا تتنزل في ليلة القدر، تنزل الملائكة والروح فيها، الروح قيل هو جبريل عليه السلام، فذكره أو عطفه من عطف الخاص على العام لبيان فضله وشرفه. وجبريل عليه السلام هو أفضل الملائكة وأشرف الملائكة، فلذلك خص بالذكر. وقيل: المراد طائفة من الملائكة، والأول أظهر، أن أكثر ما ورد في القرآن في ذكر الروح أن يراد به جبريل عليه السلام، قل: نزله روح القدس من ربك بالحق. فتتنزل الملائكة في هذه الليلة المباركة العظيمة، قال: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر. سلام هي، قال مجاهد رحمه الله: أي هي ليلة سالمة، ليلة سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يفعل فيها سوءا، أن يفعل فيها سوءا، فهي سالمة منذ بدايتها من غروب شمسها إلى طلوع فجرها، سلام هي حتى مطلع الفجر. هذه الليلة العظيمة المباركة، علمنا أن هذه الليلة على الصحيح أنها في شهر رمضان، وليست في سائر الشهور، وإنما في شهر رمضان، تأتي مسألة: هل ليلة القدر ما زالت موجودة أو أنها قد رفعت؟ الذي عليه عامة أهل العلم وأهل الإسلام أن ليلة القدر موجودة، ما زالت باقية، ما زالت باقية، وأنها ترجى في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر منه. وقال برفعها الشيعة، الشيعة الرافضة الجهلة، قالوا بأن ليلة القدر رفعت، ما في ليلة القدر، لماذا؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت في البخاري، لما أراد أن يخبر الصحابة بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فرفعت. قالوا: خلاص إذن، ما في ليلة القدر. أجاب أهل العلم أن المراد بالرفع هنا رفع تعيينها، فرفعت أي رفع تعيينها. كان النبي صلى الله وعلى سلم أراد أن يخبرهم في تلك السنة أن ليلة القدر في الليلة الفلانية، فلما حصلت المنازعة رفعها الله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعسى أن يكون خيرا لكم. ويدل على ذلك قوله في نفس الحديث، قال في آخره: فالتمسوها في التاسع والسابع والخامس. إذن، موجودة، إنما رفع تعيينها، ولم يرفع وجودها. هذا من سخافة عقولهم وجهالة أفكارهم. فإذا ليلة القدر موجودة، تأجري مسألة وهي: هل ليلة القدر ليلة يعني معينة من ليالي رمضان أو أنها غير معينة؟ فقد تكون في سنة ليلة الحادي والعشرين، السنة الأخرى ليلة الثلاث وعشرين، السنة التي بعدها ربما في سبع وعشرين، وهكذا، في هذا خلاف، الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أنها متنقلة، أنها متنقلة، وليست ليلة معينة في كل سنة، كما يدل على ذلك الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن ذلك مثلا أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات سعيد في الصحيحين أنه قال: أخبر أنه أوري ليلة القدر، وأنه يسجد في صبيحتها على ماء وطين، على أثر ماء وطين. قال أبو سعيد: فلما كانت ليلة احدى وعشرين، فأمطرت السماء، فوكف المسجد، فخرج منه الماء وسال، قال: فرأيت أثر الماء والطين في جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك صبيحة ليلة احدى وعشرين. إذن، كانت في تلك الليلة ليلة الحادي والعشرين. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع تعيينها حث الصحابة على التماسها في سائر ليالي العشر. طبعا، ليلة القدر أحرى ما تكون في العشر الأواخر، في حديث عائشة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. وفي الصحيح، وفي رواية، قال: تحروا ليلة القدر في أوتار العشر، في أوتار العشر. وفي حديث عبادة، قال: في السابع، قال: في التاسع والسابع والخامس، يعني التاسع ليلة الحادي والعشرين، والسابع ليلة الخامس والعشرين. وقال في حديث ابن عباس: فالتمسوها في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى. وهكذا غير من الأحاديث التي حث فيها النبي عليه الصلاة والسلام على التماس ليلة القدر في العشر الأواخر، وفي أوتارها. فهي أحرى ما تكون في العشر الأواخر، وأحرى ما تكون في أوتار العشر، يعني ليلة الحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والخامس والعشرين، والسابع والعشرين، والتاسع والعشرين. وقد تكون أيضا في شفع الوتر، لا مانع أن تكون في الشفع، قد تكون في ليلة الثاني والعشرين، أو الرابع والعشرين، أو السادس والعشرين. نعم، وإن كان الأحرى أن تكون في الأوتار، لكن مع ذلك قد تكون في شفع العشر. فالمهم أننا نعلم أن ليلة القدر متنقلة، وليست ليلة معينة، قد تكون أيضا في السابع والعشرين، بل هي أحرى ما قد تكون في الأوتار العشر، ليلة السابع والعشرين. وكان أبي بن كعب رضي الله عنه يحلف أنها ليلة السابع والعشرين. وعلى كل، فالمسلم يجتهد في سائر هذه الليالي، وهذا من حكمة الله جل وعلا في رفع تعيينها. لما رفعت، قال النبي عليه الصلاة والسلام: وعسى أن يكون خيرا لكم، عسى أن يكون خيرا لكم. نعم، هذه الخيرية أن المسلم والمبتغي لإدراك هذه الليلة يجتهد في سائر ليالي العشر. لو كانت معينة، لو كانت معينة ربما اجتهدت في هذه الليلة، خلاص أدركت القدر، الحمد لله، يتكاسل في بقية الليالي. لكن إذا كان لا يعلم قد تكون هذه الليلة، قد تكون التي بعدها، فيجتهد في سائر أيام العشر، في سائر ليالي العشر، فيحصل له بذلك كثرة الأجر والثواب، وأجر اجتهاده وعبادته وطاعته، ويدرك بذلك بإذن الله عز وجل هذه الليلة المباركة، يدرك هذه الليلة المباركة. كذلك أيضا، هل لهذه الليلة علامات تعرف بها؟ نعرف أن هذه الليلة ليلة القدر، هل هناك علامات يعني محسوسة أو علامات تشاهد وترى؟ جاء في حديث ابن عباس عند ابن خزيمة وغيره من طريق زمعة بن صالح عن سلم بن وهران عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ذكر في هذه الليلة يكون جوها معتدلا، لا حارا ولا باردا، يكون الجو لا حارا ولا باردا. لكن الحديث ضعيف، زمعة بن صالح وسالم ضعيفان. وجاء من حديث جابر، وفيه ضعف. وجاء أيضا مرسلا من مراسيل الحسن البصري، هو صحيح، وبعض العلم حسنه بمجموع هذه الطرق، العلامة الألباني رحمه الله، أن الجو يكون فيها معتدلا لا حارا ولا باردا. أيضا جاء في حديث عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه لا يرمى فيها بنجم، في هذه الليلة ليلة القدر لا يرمى فيها بنجم. وهذا الحديث منقطع لا يصح. وجاء في حديث أبي هريرة عند أبي داود أنه يكثر نزول الملائكة فيها حتى يكون أكثر من عدد الحصى، حتى يكون أكثر من عدد الحصى. هذا الحديث حسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله. وأصح ما ورد في علامات ليلة القدر أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه. هذه أصح علامة أن الشمس تطلع في صباح ليلة القدر ليس لها شعاع، تراها بيضاء، لا تجهر، لا تجهر من ينظر إليها. هذه أصح علامة من علامات ليلة القدر. كذلك أيضا من مسائل المتعلقة بليلة القدر، وهو ما الذي يشرع للمسلم في مثل هذه الليالي؟ ما الذي يشرع للمسلم في مثل هذه الليالي المباركة التي هي ليالي العشر، وفيها ليلة القدر التي هي خير ليالي السنة؟ فالجواب: الذي يشرع فيها من تيسر له الاعتكاف، يتفرغ لعبادة والطاعة والصلاة والقيام وقراءة القرآن، فهذا لا شك أفضل وأكمل. وقد ذكرنا في المجلس السابق شيئا من أحكام الاعتكاف، فالاعتكاف مستحب، يتأكد استحبابه في العشر الأواخر لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضا يستحب قيام هذه الليالي، قيام هذه الليالي، فقيامها أفضل وأوكد وأعظم أجرا من قيام أول رمضان، لأن فيها ليلة القدر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. من قام ليلة القدر إيمانا، إيمانا بوجودها، وإيمانا باستحباب قيامها، وإيمانا كذلك بنيل العبد فضلها وأجرها، واحتسابا للأجر والثواب، يقوم ليلة القدر احتسابا، يريد الأجر والثواب من الله جل وعلا، يخلص في قيامه، ما يقوم رياء، ولا يقوم عادة، ولا يقوم حياء، ولا يقوم استكاسلا واستثقالا، يقوم وهو كاره للقيام مستثقل لهذه العبادة. لا تقوم أنت محتسبا للأجر والثواب، تريد الأجر والثواب من الله جل وعلا. فإن كان قد حصل هذا الأمر أن كنت إيمانا واحتسابا، حصل لك ما رتب على هذا الشرط والجواب: أن لك مغفرة الله عز وجل، غفر له ما تقدم من ذنبه. إذن، يستحب قيام قيام ليلة القدر، وذلك بقيام جميع ليالي العشر حتى يدرك المسلم هذه الليلة العظيمة المباركة. والقيام كما قد يكون بالصلاة، قد يكون بقراءة القرآن، يقرأ القرآن، يذكر الله عز وجل، يستغفر، يسبح، يكبر، يهلل، يحمد الله، المهم أنه يكون في هذه الليلة ذاكرا لله جل وعلا بالصلاة وبالذكر وقراءة القرآن والدعاء، فيحيي هذه الليلة. وهذا ليس يأتي أيضا بعد ذلك مما يستحب إحياء هذه الليلة، إحياء هذه الليلة. النبي صلى الله عليه وسلم تقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله». شد مئزره، والحيث في الصحيح، شد مئزره، قال أهل العلم: هو كناية عن الاجتهاد في العبادة، أنه يقبل على عبادة الله جل وعلا ويجتهد فيها أكثر مما كان في أول رمضان. وعائشة رضي الله عنها يروى إلا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، ويجتهد في العشر الأواخر من ما لا يجتهد في أوله، يعني يزيد اجتهاده عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر لإدراك فضل هذه الليلة المباركة. وقيل: شد مئزره كناية عن اعتزال النساء، كناية عن اعتزال النساء، فلا يقرب النساء تفرغا للعبادة والطاعة. وجاء في رواية في مسند الإمام أحمد: «شد مئزره واعتزل النساء». قالت: وأحيا ليلة، أحيا ليلة، يحتمل الليل كله، ويحتمل معظم الليل، أكثره. النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر يحيي ليلة، لكن بماذا يحيي ليلة؟ بماذا يحيي ليله؟ لا شك أن يحيي ليلة بالعبادة والطاعة، بالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله جل وعلا. إذن، يستحب للمسلم في مثل هذه الليالي أن يحيي ليله بطاعة الله جل وعلا، يقرأ القرآن، يذكر الله عز وجل، يستغفر، يسبح، إلى آخر ذلك من ذكر الله عز وجل، خلافا لما يفعله كثير من المسلمين هداهم الله، تجدهم يحيون ليلهم بالبدع والمحدثات، ما يسمى بالختاميات، يجلسون طوال الليلة هم يصيحون وينشدون ويغنون ويعتبرون ذلك قربا وطاعة، وهذا لا شك أنه مما يبعدهم عن الله جل وعلا، بل ويأثمون بدلا من أن يؤجروا، لأنه أمر ما أنزل الله به من سلطان. ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام ولا الصحابة رضي الله تعالى عنهم الكرام، بل هو أمر من الأمور المحدثة. والله عز وجل يقول: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، متفق عليه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام مذكور في كتب الصحاح والسنن، كان يحيي ليلة عليه الصلاة والسلام بطاعة الله وعبادته. وهكذا ينبغي للمسلم أن يحيي ليله بالاجتهاد في العبادة والطاعة. قالت: وأيقظ أهله، يوقظ أهله حتى يدركوا فضل هذه الليلة، يصلون ويدعون ويستغفرون ويسبحون. يحرص المسلم على أن لا تفوته هذه الليالي، وهكذا المرأة المسلمة تحرص على إدراك هذه الليالي المباركة. فلو كانت مثلا حائضا، والحائضات لا صلاة، لا مانع أن تحيي الليل بذكر الله، لا بأس للحائض أن تذكر الله عز وجل، تستغفر، تسبح، تهلل، تكبر، تحمد الله، تدعو الله عز وجل، فتحيي هذه الليلة حتى تدرك فضلها وتدرك كذلك أجرها. ولو كانت عازمة وصادقة على قيامها فجاءها الحيض فمنعها من الصلاة، وعلم الله عز وجل صدقها، كتب الله عز وجل لها أجر إدراكها، كتب الله عز وجل لها أجر قيامها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيمه»، رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». نعم، ويقول عليه الصلاة والسلام لما خرج في غزوة مع أصحابه: «إن في المدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم، حبسهم العذر». وفي رواية: «إلا شركوكم في الأجر»، كما في الصحيح من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. فالمقصود أنها إن صدقت النية وأصلحت سريرتها وعزمت على قيام هذه الليالي فمنعت بمبتل الله عز وجل به بنات آدم، كتب الله عز وجل لها أجرها كاملا. كذلك أيضا مما يستحب في هذه الليالي الإكثار من الدعاء، ومن ذلكم الدعاء: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»، كما جاء من حديث عائشة في سنن الترمذي وعند الإمام أحمد. وإن كان جاء مرفوعا من طريق عبد الله بن بريدة عن عائشة، وأعله الإمام الدارقطني رحمه الله بالانقطاع، بأن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة. لكن صح موقوفا عند البيهقي وغيره أنها قالت: لو علمت أي ليلة القدر لكان أكثر دعائي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». وهذا كما قال أهل العلم: يعني لا تقوله رضي الله عنها إلا بتوقيف، إلا بتوقيف النبي عليه الصلاة والسلام. فكونها تخص هذا الدعاء وتكثر منه، لا شك أنها أخذت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا لا بأس للمسلم أن يكثر من مثل هذا الدعاء: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». والمشروع أن المسلم يدعو لوحده، تجد بعض المسلمين يأخذون هذا الدعاء بصوت جماعي: «اللهم إنك عفونا تحب العفو فاعف عنا» إلى آخره، لا، ما يشرع هذا، لا يشرع أن تأتي بهذا الدعاء بصوت جماعي، هذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة. ولهذا عده أهل العلم من البدع، المشروع أن تدعو الله عز وجل وحدك، أن تدعو الله عز وجل وحدك، تدعو الله عز وجل بهذا الدعاء وتكثر من مثل هذا الدعاء. فينبغي أن نشتهد عباد الله في هذه الأيام والليالي المباركة حتى ندرك هذه الليلة العظيمة التي من حرمها فقد حرم خيرا عظيما. في مسند الإمام أحمد من حديث أيوب عن أبي قلابة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاكم شهر رمضان وهو شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم». أي: من حرم إدراك هذه الليلة فقد حرم، أي حرم خيرا عظيما. فالمسلم لا يحرم نفسه من هذا الأجر وهذا الخير العظيم، فيقبل على طاعة الله عز وجل في هذه الأيام والليالي وما تبقى من ليالي هذا الشهر المبارك، عسى أن يدرك ليلة القدر فيكتب الله عز وجل له الأجر والثواب، ويغفر الله عز وجل له ذنوبه، ويعظم عز وجل له حسناته. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا جل وعلا على إدراك هذه الليلة المباركة بقيامها وصيامها والإقبال على طاعة الله عز وجل فيها، وأن يجعلنا عز وجل ممن أدركها وغفر عز وجل له، ونسأله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من عتقائه من النار في هذا الشهر المبارك، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.