الدرس في مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية الاهتمام بالسنة النبوية في دعوة أهل السنة والجماعة وتطبيقهم لها، ويبرز الآيات القرآنية التي تدل على طاعة الرسول واتباع سنته. يُظهر أيضًا مدى عنايتهم بهذا الباب.
يتناول لوازم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مثل محبته وإجلاله وتوقيره والتمسك بمنهجه، ويشدد على أهمية اتباع السنة لتحقيق النجاة في الفتن. كما يشير إلى أهمية الرضا بقراراته والدفاع عن سنته.
يتناول تحذيرًا من طوائف تقلل من شأن السنة وتفضل العقل أو البدع، ويبين خطر هذه الأفكار على تعظيم السنة وطاعة النبي، ويشير إلى عقاب المخالفين يوم القيامة.
يُشدد على أهمية التمسك بالسنة وجلاءها في بعض المقامات، ويذكر حرص أهل السنة عليها، ويختتم بالدعاء للنفع بما قيل والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فهذا تنبيه إخواني في الله عن درس العصر، والذي هو لأخينا الشيخ أبي معاذ حفظه الله تعالى، إذ أنه يعتذر عن إلقاء درسه في وقته المعتاد لهذا اليوم فقط، وإن شاء الله سيعوض عن هذا الوقت بأداء الدرس بعد أذان العشاء هذه الليلة، أي أنه يعتذر عن درس العصر ويتحول إلى درس المساء، أي بعد أذان العشاء يكون اللقاء مع أخينا الشيخ أبي معاذ حفظه الله تعالى في مواصلته لمنظومة لامية بن الوردي. فإن شاء الله المتابع يحزر هذا الوقت، والحاضر يبلغ الغائب. ومواصل إخواني في الله، كان بالأمس حديثنا عن خصائص أهل السنة في دعوتهم، وكان من ذلك الاشتغال بأمر التوحيد، وذكرنا المعطيات التي تدل وتشعر كل مسلم ومسلمة بضرورة الاعتناء بهذا الباب. وإن كنا قد أشرنا وألمحنا بأننا في هذا المقام قد نستطرد في ذكر نماذج المخالفين، إلا أن هذا لا يتأتى في هذا المقام، وذلك لضيق الوقت، ونحرص على أن نعرج على خصائص دعوة أهل السنة والجماعة بقدر الإمكان. لكن ذكرنا بالأمس لفتة سريعة حول مواقف المخالفين في مسألة الاهتمام بالتوحيد والعقيدة، فهذه الإشارة لعلها تكفي في بيان موقفهم. ننتقل في هذا اليوم، إخواني في الله، إلى ذكر معلم آخر من معالم دعوة أهل السنة والجماعة، ألا وهو الاهتمام بالسنة النبوية، ويظهر ذلك جليًا في مدى عنايتهم بهذا الباب من الحرص عليها والاهتمام بها والعمل بتطبيقها والنشر ودعوة الناس إليها، حتى أنه لا يشق لهم غبار في هذا المضمار. ولا أدل على هذا المعطى على عنايتهم وعلى مدى حرصهم من أنهم تسموا بهذا الاسم باسم أهل السنة، أي أنهم أهلها وارتضوها بأن يكونوا من أتباعها ويستظلوا تحت ظلها ويرفعوا رايتها، فكان هذا من خصائص دعوتهم قديمًا وحديثًا. والذي حدى بهم إلى الاهتمام بالسنة هذا الاهتمام البالغ، هم لما رأوه من تعظيم الشرع لأمر السنة النبوية، فالله عز وجل قد رفع مقام السنة، ولك يا عبد الله أن تنظر للآيات التي مُلئ بها كتاب الله جل وعلا، وهي الداعية بضرورة الالتزام والطاعة والاستجابة والانقياد لرسول الله عليه الصلاة والسلام. والآيات في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدًا، كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾، وقال سبحانه: ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾. يقول إمام أحمد رحمه الله تعالى، كما في رواية الفضل بن زياد: «نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعًا»، وما هذا التكرار لهذه المسألة إلا دلالة وإشارة لأهميتها وإلى ضرورة العناية بها، العناية بطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام. ولم يقتصر الأمر في هذا الباب أن الله سبحانه وتعالى ألزم بها العباد، بل إن الله جل وعلا جعل الفضائل والأجور والمناقب لمن صبر واستبر وتمسك واحتسب في أن يكون متبعًا ومطيعًا لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ففي طاعته عليه الصلاة والسلام الفوز والفلاح والنجاح، قال سبحانه: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾، وفي طاعته جعل ربنا جل وعلا الأجر والغنيمة ودخول الجنة، فقال جل في علاه: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾. وفي طاعته عليه الصلاة والسلام جعل لك الرب سبحانه المنازل على الأعلية والمراتب الرفيعة، فقال جل شأنه: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا﴾. وفي طاعته عليه الصلاة والسلام جعل ربنا جل وعلا الهداية لمن كان كذلك، فقال سبحانه: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾، وفي طاعته عليه الصلاة والسلام جعلها الله سببًا من أعظم الأسباب التي بها يا عبد الله تنل رحمة الرب جل وعلا، ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾. انظر يا عبد الله إلى هذه المناقب التي أعدها الله في الدنيا والآخرة في حق من قام بهذا المقام بطاعته عليه الصلاة والسلام. وإن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام يا عبد الله تكون على عدة أوجه، وإن طاعته صلى الله عليه وسلم لتستلزم منك لوازم. فليس طاعة الرسول ادعاءً كحال كثير من الناس، من لربما يملأ الدنيا صراخًا وعويلًا بأنهم مطيع لرسول الله، الأمر ليس الدعوة، بل لا أود يا عبد الله أن تبرهن وتحقق مدى طاعتك لرسول الله، ويظهر ذلك في التزامك بطاعته. فمن لوازم طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام أن تأخذ بكل ما جاء به، هذه من لوازم الطاعة أن تأخذ بكل ما جاء به، كما قال سبحانه: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، ومن هنا يُعلم أن السنة تُعتبر مصدرًا من مصادر التشريع، نأخذ منه الأحكام إلى غير ذلك من دين الله وما أنزله ربنا على نبيه. ثانيًا من لوازم طاعته عليه الصلاة والسلام الاتباع والاقتفاء، قال سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، فنتبعه وهذا من لوازم طاعته أننا نتبعه عليه الصلاة والسلام في الذي يأتي به، في أقواله، في أفعاله وأعماله، في نيته ومعتقداته، في آدابه وأخلاقه، نتبعه نكون له تبعًا. هذا من لوازم طاعته، ثالثًا مما يذكر أيضًا من لوازم طاعته عليه الصلاة والسلام التحاكم لسنته، قال سبحانه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾. هذه من صفة أهل الإيمان أن يرتضوا بتحاكم السنة، بأن يتحاكم إليها فيفزع إليها في فض النزاعات وإلى حل القضايا. كذلك من لوازم طاعة عليه الصلاة والسلام رابعًا أن تملأ القلوب بمحبته وإجلاله وإعظامه، وأن يوقر التوقير الشرعي من غير مغالاة ومن غير غلو. قال سبحانه: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾، قال أهل التفسير في معنى هذه الكلمات «تعزروه وتوقروه» قالوا: أي توقروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجلال والاحترام والإعظام، هذا الذي ينبغي لنبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»، هذا من مستلزمات طاعة عليه الصلاة والسلام. كذلكم خامسًا من لوازم طاعته عليه الصلاة والسلام التمسك بمنهجه الذي أتى به عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال سبحانه عن نبيه: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، فمن كان متبعًا، من كان مطيعًا لرسول الله عليه الصلاة والسلام، كذلك ينبغي أن يسير على دربه الذي رسمه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا يأتي أحد بأن دعوتنا دعوة عصرية. ما معنى عصرية؟ معنى تنقطع عما جاء به نبيك بحجة العصر بحجة تغير الأمور، لا يا عبد الله، ما جاء به نبيك من منهاج يستمر معك إلى أن تلقى الله، لأنذركم به ومن بلغ، ومن سيأتي عليه أن يتمسك بما جاء به نبينا، وحينها تكمن النجاح. وقد مر معنا في حديث الفرقة الناجية، عندما وصف نبينا الناجون، وصف نبينا الناجين قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، ما أنا عليه اليوم، منهجه، هو سبيل النجاح يا عبد الله، فمن مقتضيات ومن لوازم طاعة عليه الصلاة والسلام أن تمسك بغرزه ومنهجه. كذلك سادسًا من مقتضيات ولوازم طاعة عليه الصلاة والسلام أن ترضى وأن تخنع وأن تقبل كل ما يأتيك من رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا تجعل ما يأتيك من نبيك هو محل اختيار لك، تشاور نفسك أفعل أو لا أفعل، أطبق أو لا أطبق، أتبع أو لا أتبع، هذا ليس لك، هذا ليس من طاعتك لرسولك عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال سبحانه: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾، هذا ما يتأتى أن تختار أنت وتختار أفعل أو لا أفعل، لا يا عبد الله، فمن لوازم طاعته عليه الصلاة والسلام أنك ترضى وتسلم بما يأتيك من نبيك عليه الصلاة والسلام. كذلكم سابعًا من لوازم طاعته الذي يتحدث إخواني فينا، أجزاكم الله خير، الذي يتحدث من لوازم طاعة عليه الصلاة والسلام الذب والدفاع عن سنته صلوات ربي وسلام عليه، لا يمكن يا عبد الله أن تكون مطيعًا لرسول الله عليه الصلاة والسلام وأنت في واد ونبيك وما أتى به من عقيدة ومنهاج وأحكام وشرع في واد آخر. لا تبالي بها، ولهذا قال سبحانه: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾، هذا ما يكون، أو يرغب بأنفسهم عن نفسه، قال المفسرون عند هذه الآية: أن هذا ما ينبغي للمهاجرين والأنصار، وما كان من أهل الإسلام أنهم يرغبوا بأنفسهم بأن يطلبوا لأنفسهم الراحة والدعة والسكون على حساب أن رسول الله يتكبد. لا ما يتكبد لوحده، هذا ما يكون لأهل الإسلام، بل المطيع لرسول الله عليه الصلاة والسلام عليه أن كما قال المفسرون يفدي يفدي رسول الله بنفسه وماله وأهله ووقته، هذا من لوازم طاعة عليه الصلاة والسلام. إخواني في الله، إذا هذه المعطيات التي سمعتموها، ما كان من أهل السنة والجماعة إلا أن يتمسكوا بسنته، بل هذا الذي ينبغي على كل مسلم ومسلمة، إذا هذا كله أنه يولي عن سنته لا، بل كان لكل واحد منه أن يجند نفسه أن يكون تبعًا لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فحينها انبرى أهل السنة لهذا المقام الرفيع، فضبطوا أنفسهم وأوقاتهم وأعمالهم وأعمارهم على تربية أنفسهم أولًا، وتربية غيرهم على ضرورة التعظيم لمقام السنة، وخاصة ونحن في آخر الأزمان التي هاجت وطاشت فيها الفتن والمحن، وطلاطمت فيها أمواج الشبهات والشهوات. فما كان هناك مخرج ولا مخلص من هذا إلا باتباع سنة عليه الصلاة والسلام، كما قال نبينا: «وإن من سيعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»، فدل أن الاعتصام بالسنة، كما قال ذلك سلفنا الصالح، الاعتصام بالسنة نجاة. إخواني في الله، هذا الذي ينبغي أن نفهمه جميعًا، أن من خصائص ومن خصيصة دعوة أهل السنة العناية بالسنة. لكن إن جئت يا عبد الله إلى حال المخالفين، والذين هم للأسف من حال بعضهم أنه ربما يلتصق بنا ويدعي بما ندعيه بأنه من أهل الحق ومن الفرق الناجية ومن الطائفة المنصورة وأنه على الحق المبين. لكن انظر لعنايته لمقام السنة، لا تجد تلكم العناية، وهم كما يقال بين طرفين نقيض، وهم على بون شاسع. طائفة من هؤلاء المخالفين من لربما لا يعترف بالسنة أصلًا، كحال القرآنيين، فرق ضالة ظهرت قديمًا، ولا زال الظهور في هذه البلاد، سواء كان في البلاد اليمنية أو في بلاد الشام أو في بلاد كينان في مصر. لهم رواد ولهم كتاب، وهؤلاء يصرحون ويسطرون بأن العهدة وأن المصدر هو القرآن فقط لا غير، وأما السنة لا يرفعون لها رأسًا، ويلقون لها بالًا. أهؤلاء على الحق؟ من يصرح بهذا بأن السنة لا يعول عليها، تارة يشككون في صحتها إلى غير ذلك، فهؤلاء ليسوا على الحق يا عبد الله، فاحذر هؤلاء. طائفة أخرى من هؤلاء المخالفين من لربما يقول أن الأحاديث إن كانت من الأحاد تأتي في باب الاعتقاد ما نأخذ بها ولو كانت صحيحة، ولو جاءت عن أبي هريرة وعن ابن عمر وعن جابر، لكنها من طريق أحد لا نقبل بها في باب الاعتقاد. ولهذا قاموا بإلغاء كثير من الأحكام، لا لشيء، لا لشيء إلا لهذا الذي في رؤوسهم مما ابتكروه، فكان من أمرهم الطعن، بل قل الغمض من هذه السنة، فألغوا الكثير من أحكامها وشريعتها عليه الصلاة والسلام بهذه الحجة الواهية، خبر الآحاد إذا جاء في باب الاعتقاد يرد، هذا ليس من التعظيم يا عبد الله للنبيك عليه الصلاة والسلام. وطائفة من الناس وهم الذين يرون أن السنة إن كانت مخالفة للعقل فالعقل هو المقدم، سبحان الله، أليست هذه الدرجة يا عبد الله جعلت السنة لها الدونية، إذا رأيت أن الواقع على حد زعم بعضهم، أو رأيت أن العقل لا يتوافق مع السنة فالقول قول العقل، سبحان الله. أهذا يقوله مسلم؟ نظر إلى كتاب الله ونظر إلى سنة الرسول ورأى لكم الكم العظيم من تعظيم السنة، فيجعل في هذا الهوان، حتى سمعنا، وهذه من الدسائس العظيمة التي انتشرت وطمت في هذه الآونة الأخيرة، أن ترد السنة لا لشيء لأنها لا توافق الواقع ولا توافق العقل. حتى يأتيك المجوسي ويأتيك المخذول ويرى أن السنة وما جاءت به من المواريث، وأنها على نصف ميراث الرجل، هذا ما يقبله العقل ولا يقبله الواقع، حتى سمعنا من بعض الأقوال من عوام الناس، بل ممن يدعي الفكر والدعوة، أنه أخذ يقول: إذا جاءني حديث عن رسول الله، وكلام وكلام من طبيب نصراني في مسألة من مسائل الطب، فإني أقبل بحديث الطبيب النصراني ولا أقبل بحديث رسول الله. لأن هذا الطبيب أعلم من رسول الله في باب الطب، نعم تهوّك بهذه الكلمات بعض المتهوّكين، بعض المتهوّكين ممن ينتسب إلى العلم والدعوة، لكن ما عظم السنة في قلبه، فظهر مثل هذا الهراء، أنه إذا تم التعارض بين كلام رسول الله وبين الطبيب النصراني في حديث أو في مسألة طبية، فالقول قول الطبيب. بحجة قولها أن الطبيب أعلم من رسول الله بالطب، سبحان الله، أنت الآن يا أيها المسكين، أنت تقارن بين رجل ورجل، بين طبيب وبين عامي، أنت تقارن بين طبيب وبين وحي ينزل من السماء، هذا الفرق، لو أنك شعرت واستشعرت هذا المقام لما كان من العقل أصلًا أن تطرح هذه المسألة. فنبينا صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى، ولهذا عندما جاء ذاك الرجل يشتكي لرسول الله ما وقع لأخيه، أن أخاه يشتكي بطنه، فقال له نبينا: «أسقه عسلًا»، فذهب الرجل وسقى أخاه عسلًا، لكن زاد استطلاقًا، زاد وجعًا، فرجع إلى رسول الله. قال: «يا رسول الله ما زاد إلا استطلاقًا»، قال له نبينا: «أسقه عسلًا»، فسقاه عسلًا، لكن الرجل وجد أن أخاه قد زاد استطلاقًا، فرجع للمرة الثالثة، قال: «يا رسول الله ما زاد إلا استطلاقًا»، قال له نبينا حينها: «صدق الله وكذب بطن أخيه، أسقه عسلًا»، فسقاه عسلًا فبرئ. صدق الله، ما يتلفظ به نبينا عليه الصلاة ولو كان في باب الطب، إنما وحي، ليس تجربة، حتى تقول: إذا تكلم رسوله في الطب وتكلم الطبيب فالطبيب أعلم، أشهد هذا يا عبد الله، لكن هذا جزاء من لم يتربى على تعظيم السنة، فهذا قول طائفة من أهل البدع ممن يرون على أن السنة إن قوبلت بالعقل فالعقل هو المقدم. هذا من أقوال المخالفين يا عبد الله، احذر من أمثالها أولئك. كذلك قول طائفة من أهل البدع ممن يرى أن السنة ليست بهذا المقام الذي تحكونه، السنة اسم على مسمى، سنة، سنة لا تعمل بها، بل عندهم كأن السنة مما يكره فعله. سنة إذا قيل: «إعفاء اللحية»، قال: «السنة»، إذا قيل: «بتقصير الإزار»، قال: «السنة»، إذا قيل: «بالحجاب والجلباب»، قال: «سنة»، إذا قيل: «بصلاة الجماعة»، قال: «سنة»، سنة بمعنى الترك، أترك، أترك، أترك، أترك، هكذا السنة تترك، أين الفضائل؟ أين المناقب؟ أين الأجور؟ أين التعظيم لمقامه عليه الصلاة والسلام؟ قد ذكرنا أن من صور طاعته التعظيم لسنته والقيام بها وتحقيقها يا عبد الله، حتى أصبح من بعض الناس من يطلق على السنة أنها فروع، بل يصرح بعضهم أنها قشور، إذا سمع أن أهل السنة يحثون الناس على السنة وما كان من أعمالها وأقوالها وآدابها، يقول هؤلاء: «أشغلوا الناس بالقشور وتركوا اللباب». نحن تقلعنا أعداء، عندنا يهود، عندنا نصارى، هؤلاء سنة، سبحان الله، هكذا مثقال السنة يا عبد الله، وما تدري أن السنة بها النجاح والفلاح، بل إن الله ما أعز الأمة إلا إذا عزت نبيها، كما قال نبينا: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري»، السنة لها مثقال يا عبد الله. وطائفة من هؤلاء المخالفين ممن ترك السنة وارتضى بأن يأتي ببدع وحوادث ومنكرات من طقوس ومن مناسبات ومن مراسيم، أتى بها من عنده ومن عند أتباعه على أن تزاحم السنة، فلربما إذا جاءت السنة وجاءت البدعة فالقول قول البدعة، البدعة يزاحم عليها ينافس عليها، يبذل من وقته ومن عمره ومن ماله ومن جهده. لا ربما ارتحل من هنا إلى هنا لحضور البدعة، لكن السنة هو من أهون الناس ومن أضعف الناس في تطبيقها والعمل بها، وهؤلاء اشتد عليهم غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد مردود»، تزاحم سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. فتصل على خير صلاته، تتوضع على غير هدية، تأتي بالحج وهو ملبس بالبدع، تأتي بأذكار وأوراد ما أتى بها نبيك عليه الصلاة والسلام، ولهذا يوم القيامة، ولهذا في يوم القيامة إذا أراد الناس أن يشربوا من حوض رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما يشرب من حوضه ولينعم بما فيه إلا من كان متبعًا لرسول الله. فهم من أسعد الناس بهذا، لكن المخالفين فإنهم يؤخذون عن الحوض، يبعدون عن الحوض، يراهم نبينا فيقول: «يا رب أمتي أمتي»، فيقال: «لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم بدلوا وغيروا»، قال: «فأقول سحقًا سحقًا سحقًا لمن بدل وغير»، هذا في حق من كابر أنه لا يلتزم بالسنة ويلتزم بالبدع الذي أحدث لنفسه. فالشاهد إخواني في الله، هذا المقام من المقامات العظيمة، والذي تظهر فيه جلاء السنة، ولهذا كان من شأن دعوة أهل السنة الحرص على هذا الباب، لما سمعتموه، فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.