مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 8

مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 8

الدرس في مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في اهتمام أهل السنة بالعلم

يبرز اهتمام أهل السنة والجماعة بالعلم الشرعي وتفوقهم فيه، ويبين أهمية العلم في التعرف على الله وتصحيح الأعمال. العلم هو الطريق الموصل إلى الله والسبيل لتصحيح سير الجماعات والدعوة إليه.

فضل العلم وأجره العظيم

يرفع الله درجات العلماء يوم القيامة، والعلم هو الفيصل في بيان المفاضلة بين الناس. طلب الزيادة في العلم مذكور في القرآن الكريم، والعلماء يرفع الله قدرهم ويعطيهم أجرًا على تحصيلهم للعلم.

أثر العلم الشرعي في استقرار المجتمع

العلم الشرعي أساس استقرار المجتمع وازدهاره، ورفعه يؤدي إلى الجهل وفساد الأديان. أهل السنة يعظمون العلم الشرعي ويعتبرونه جهادًا في سبيل الله.

ختام الدرس والتأكيد على العلم الإلهي

يختتم الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويؤكد على أن الله تعالى هو الأعلم. يظهر الختام الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومما يذكر إخواني في الله في هذا الباب، ونحن في صدد ذكر خصائص دعوة أهل السنة والجماعة، ما كان من اهتمامهم بالعلم، وأعني به العلم الشرعي، فقد اعتنى سلفنا الصالح بالعلم الشرعي عنايةً تامة، فبذلوا فيه الأوقات وأفنوا فيه الأعمار، وبدلوا في سبيله الأموال في سبيل تحصيله وتثبيته ونشره وتبليغه. وهذه السمة وهذه الخصلة ما هناك أحدٌ يزاحم أهل السنة والجماعة في هذا المضمار. ولهذا تجد يا عبد الله في مؤلفاتهم ومصنفاتهم دعوة الناس إلى الاهتمام بالعلم الشرعي. نحن في الزمن الحديث نسمع في محاضراتهم وكلماتهم -لأقول فقط بأقوالهم- بل حتى في أفعالهم، فهم إن أقبلوا على إدارة مسجد لسرعان ما قلبوه مركزًا من المراكز العلمية الذين يفتحون فيه الأبواب لكل الطلاب لكي يقبلوا على العلم الشرعي. ويبذلون في سبيل استقبال الناس يبذلون من أموالهم ومن سعيهم ما فيه التوفير للسكن والمسكن والمطعم والمشرب، كل ذلك حرصًا على أن يكون منارة للعلم ونشره. فإن لم يكن منهم إن شاء مركزًا من المراكز لقلة ذات أيديهم ولعدم قدرتهم، فلا أقل في مساجدهم لفتح الدروس المتواصلة ليل النهار، صبح مساء، في الحلقات العامة والحلقات الخاصة، في تعليم الصغار وتعليم الكبار، وتعليم الرجال وتعليم النساء. هذا لا يشق لهم غبار أبدًا. وإن أهل السنة والجماعة كما أنهم في اهتمامهم لهذا العلم يطلبون من الناس أن يبذلوا ما يستطيعون من أوقاتهم في تحصيل العلم. فمن لم يستطع الانقطاع للعلم، فلا أقل أن يرتبط بالعلم ولو بسماعه ولو بقراءته، وخاصة أن يقبل على العلم الواجب الذي لا يصح دينه إلا به. إخواني في الله، لا أريد في هذا المقام أن أدلل على مدى عناية أهل السنة والجماعة بالعلم، فهذا واضح كالشمس في رابعة النهار. لكن بقي السؤال: ما الذي جعل أهل السنة هم على هذه الحال من العناية والاهتمام بالعلم وحلقاته وبثه ونشره؟ الذي جعل أهل السنة والجماعة هم على هذا المقام من شدة الاهتمام بالعلم ما كان من الشرع الذي هو بنفسه أولى اهتمامًا عظيمًا لهذه الشعيرة، شعيرة العلم. أولًا، العلم يا عبد الله هو الطريق الموصل إلى الله جل في علاه. لا يمكنك أن تتعرف على ربك سبحانه وتعالى وما ينبغي له وما يستحقه من الإجلال والإعظام والتقدير، وما ينبغي له من التوحيد في ربوبيته وفي ألوهيته وفي أسمائه وصفاته، ما يتأت لك أن تعرف الله حق معرفته وأن تقدر الله حق قدره إلا بالعلم. قال سبحانه: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، فبدأ ربنا بالعلم قبل القول والعمل. ولهذا قال من قال من سلفنا: "من كان لله أعرف كان منه أخوف، من كان لله أعرف -أعلم- كان منه أخوف". ثانيًا، العلم يا عبد الله هو السبيل في تصحيح سير الجماعات وسير الملل والنحل. وما من أحد رفع راية الدعوة وأراد أن يدعو الناس إلى هذا الدين، لابد أنه ينتهج منهج العلم، وإلا فإن دعوته فاشلة لا محالة. دليله قال سبحانه: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، فالسير إلى الدعوة إلى الله جل وعلا يحتاج إلى بصيرة. قال المفسرون: "البصيرة بمعنى العلم". إذا أردت أن تدعو غيرك يا عبد الله فتحلى أولًا بالعلم. أما أنك جاهل تدعو فلا تتأتى ولا يكون قيام الدعوة. وكم رأينا بأعيننا فشل الكثير -بل كل- الجماعات فشل في مضمار دعوتها لأن دعوتها إنما قامت على الجهل، إما على حماس وإما على عواطف، وهذا لا يغني ولا يسمن من جوع في دين الله جل وعلا. ثالثًا، العلم يا عبد الله هو المعيار في صحة الأعمال. من أراد أن يتعبد الله بعبادة تكون صحيحة تكون مقبولة، إذن يا عبد الله التمس العلم. فبالعلم حينها ستتعرف على صحة أعمالك وعباداتك. ليكون حالك كحال الذي يتعبد الله بعبادات طويلة لفترات مديدة، وعبادته مردودة على وجهه لأنها قائمة على الجهل. فذاك الرجل الذي صلى ثم صلى ثم صلى، وكان نبينا لا يزيد إلا على قوله: "صلي فإنك لم تصلي، ارجع فصلي فإنك لم تصلي". حين علم الرجل أن الزلل والخطأ في صلاته وفي عبادته وتعبده، ما الحل؟ قال: "يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما أحصن إلا هذا". فعلمني العلم هو السبيل يا عبد الله في تصحيح العبادة وتصحيح القربة والطاعة التي بها تتوصل إلى الله جل في علاه. وقد أثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: "من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح، من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح". فدل ذلك على أن مقام العبادة يحتاج إلى العلم. رابعًا يا عبد الله، كذلك أن العلم هو الفيصل في المفارقة بين الناس، في التمييز بين عباد الله. ما مثل العلم هو المعيار في المفارقة والمفاضلة والمفاصلة. قال سبحانه: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون لا يستويان﴾، دلالة على الفرق الواسع والبون الشاسع بين الذي آتاه الله علمًا فأقبل على العلم، وبين الذي أعرض عنه، فهم لا يستويان لا في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، عدم المساواة في الدنيا ظاهرة. فالذي أقبل على العلم فقد قضى وقته وذهب عمره كله في سبيل تحصيل العلم، فوقته بين آية وبين حديث، من مجلس إلى مجلس، قضى نهاره وليله في تحصيل العلم كتابةً حفظًا مراجعةً، فكان من أثر ذلك أن أثر على نفسه، سمت روحه، رق قلبه، خشعت نفسه، فكان من أقرب الناس إلى الله. هل يستوي هذا بالذي هو معرض عن الله، معرض عن العلم الشرعي، أقبل على الدنيا في ليله ونهاره، وصبحه ومسائه، لا يعلم آية أو ما تعرف على آية من كتاب الله، ولا قرأ حديثًا عن رسول الله، جوفه خالٍ، الوفاض عن العلم الشرعي، ماذا عسى أن يكون تأثير ذلك على نفسه وصدره؟ تقسو روحه ويشتد طبعه ويجف دمعه ويكون من أشد الناس أبعدهم عن ربهم، فلا يستوي أبدًا من أقبل على العلم ممن أعرض عنه، هذا في الدنيا. وأما في الآخرة لا مساواة، سارت مشرقة وسرت مغربة، شتان شتان بين مشرق ومغربي في القيامة. وفي ذلكم اليوم يميز الله جل وعلا من أقبل على العلم بأن يرفعه درجات، يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، ينهض بمن أقبل على العلم، ينهض به علمه وما كان من حلقاته ومجالسه، يرتفع بها درجات ودرجات في جنان الخلد. فيكون يا عبد الله العلم هو الفيصل في بيان المفاضلة بين الناس. كذلك يا عبد الله العلم هي العبادة الوحيدة التي جاء ذكرها أو جاء طلب الزيادة في كتاب الله. قال سبحانه: ﴿وقل ربي زدني علمًا﴾، لو أنك تصفحت المصحف من أوله إلى آخره وطلبت المزيد في شيء، ما تجد الزيادة جاءت في شيء إلا في العلم، لما لعلو شأنه ورفعة مقامه ولعلو قدره. أمر ربنا جل وعلا الخلق أن يطلب الزيادة منه. فإن العبد متى ما زاد علمًا فإن الله سبحانه وتعالى يرفعه مقامًا. كذلك يا عبد الله بالعلم هو معرفة خيرية العباد. من أراد أن يتعرف على أن أناسًا من الناس، فردًا كان أو مجتمعًا، أراد أن يؤت ميزانًا في ميزان الخيرية، ميزانك يا عبد الله العلم. من رأيته من خلق الله رجلًا كان أو امرأة، صغيرًا كان أو كبيرًا، أقبل على العلم، اعلم أن الله أراد به خيرًا. وإذا رأيت مجتمعًا من المجتمعات، قرية أو مدينة أو بلدة أو ريفًا، وكان أهله الكل يقبلون على العلم، اعلم أن الله أراد بهذا المجتمع خيرًا. قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، فهذه الخيرية. فانظر يا عبد الله إلى هذه النعمة إن حباك الله بها وافتخر بذلك، ولا تنظر لكون أن الله جعلك فقيرًا أو جعلك معدما أو أخذ عليك شيء من خيرات الدنيا، اعلم ما آتاك الله به من طلب العلم، ومن يتفقه في الدين لهو خير النعم، إذ أن الله سبحانه وتعالى أراد بك خيرًا: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». كذلك يا عبد الله أن هذا الباب باب العلم وتحصيل العلم من فضيل عظمة عند الله جل في علاه. أن كل ما كان -كل ما كان- أي طريقة فعلت وأي سبيل اتخذت في سبيل الوصول إلى العلم، فإن الله سبحانه وتعالى يعطيك عليه أجر ممشاك. كونك تخرج من بيتك أو من محلك أو تركب الدراجة أو السيارة لكي تحضر مجلسًا من مجالس العلم، فإنك تؤجر على هذا المشي وعلى هذه الخطى. قال عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». كونك عبد الله في سبيل العلم تحفظ وتراجع وتكتب وتقيد وتسهر، هذا الذي تصنعه في سبيل تحصيل العلم تؤجر عليه. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع»، كل ما يصنعه طالب العلم في سبيل تحصيل العلم لن يذهب عليه. عدم كونك تكتب، كونك تحفظ، كونك تتلقى، كونك تجلس، كونك تسهر، كل هذا عليه أجر أجر أجر. كذلك يا عبد الله بل وصل الحال إلى أن من جلس مجلسًا فقط من مجالس العلم، ما أراد بذلك العلم وإنما جلس لحاجة، جلس لأمر، دخل فجلس في زاوية من زوايا المسجد، وأسنبى ظهره إلى جدار المسجد، واستمع فقط، وما همته تحصيل العلم وإنما حضر بركة. قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، يصيبه الأجر». يصيبك الأجر. فإذا كان هذا في حق الذي يتلقى العلم، كل الطرق تؤجر عليها، فما ظنك بالذي يعلم غيره؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته وحتى النمل في جحرها وحتى الحوت في الماء ليصلون على معلم الناس الخير». التعليم على معلم الناس الخير، حين تعلم يا عبد الله أنك إزاء عبادة عظيمة جدًا، عظيمة جدًا، ما هناك عبادة توازيها ولا تساويها. ولهذا أخواني في الله تأتي الفضيلة التي بعد هذا على أن العلم جعلها الله جل وعلا من أعظم القربات ومن أجل الطاعات، مع يسرها وسهولتها. ما عليك سوى أن تجلس وأن تشغل النية في أنك تريد أن ترفع الجهل عن نفسك، فإنك بهذا وصلت إلى عبادة ما هناك عبادة توازيها ولا تساويها، هي عبادة. قال عنها نبينا عليه الصلاة والسلام: «وما جلس قوم مجلسًا -وما جلس قوم في بيت من بيوت الله- يتلون كتاب الله ويتدارسون فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده». هذا متى يا عبد الله؟ هل تدري أن هذه الجوائز تنالها إذا حضرت مجلسًا واحدًا؟ هذا المجلس استشعر بهذا، هذا المجلس مجلس علم. ما جلسنا وإياكم في هذا المقام إلا في مدارسة كلام الله وكلام رسوله، مجلس ما عقد للغيبة ولا النميمة ولا للغناء ولا للموسيقى ولا للطعن ولا الغمز ولا اللعن، إنما عقد لذكر الله. نستغل أوقاتنا وأعمارنا ولو كانت بهذه الدقائق، استغللنا هذا المجلس في ذكر الله. هذا المجلس استشعر يا عبد الله فيه هذه الأجور. «ما جلس قوم مجلسًا في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده». فما ظنك بمجلس آخر؟ وما ظنك بمجلس ثالث ورابع وخامس؟ هذا في اليوم، ما ظنك في غد وبعد غد وبعد أسبوع وبعد شهر وأنت مرابط في طلب العلم وتحصيله؟ كم كم كم يا عبد الله ستجد من الأجور العظيمة والأجور كثيرة وكثيرة جدًا؟ بل جاء من الأحاديث أن الله عز وجل يقول لمن جلس مجلسًا من مجالس العلم: «قوموا مغفورًا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات، تبدل السيئات حسنات». أين تجد هذا النداء في أي عبادة؟ نبئني يا عبد الله، نبئني بعلم، أي عبادة، أي قربة إذا فعلتها سيئاتك -لا أقول تمحى- لا ما تمحى، تبقى لكن تقلب إلى حسنات؟ أين تجد هذا في مضمار العلم؟ ربنا جل وعلا جعل من الأجور الكثيرة حتى أنها أفضل من ركعات المندوبات. كالحديث الذي جاء في السنن -يحسن جماعة من العلماء- من حديث أبي ذر، فيه قال عليه الصلاة والسلام: «لأن تتعلم آية من كتاب الله خير من أن تصلي مئة ركعة، ولأن تغدو وتتعلم بابًا من أبواب العلم عمل به أو لم يعمل خير لك من أن تصلي ألف ركعة»، هذا هو الفوز هنا يكون التشمير يا عبد الله في حلقات العلم وحلقات الذكر. كذلك يا عبد الله العلم جعله ربنا جل وعلا صمام أمان من الفتن. أي مجتمع أراد أن ينعم بالأمن والأمان والازدهار والاستقرار، وأن تهدأ الأوضاع وأن يفش الخير ويعم السلام، فعليك يا عبد الله بأن تغرز في هذا المجتمع العلم الشرعي. انظر لهذا الحديث الذي جاء في مستدرك إمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويفش الزنا وتشرب الخمر»، هذا الحديث فيه بيان لعلامات الساعة، لكن تأمل في مفرداته: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم». إذا رفع العلم عن المجتمعات ما الذي يصير؟ تقع هذه الأمور الثلاثة متتابعة: «أن يرفع العلم ويظهر الجهل، وظهور الجهل قال العلماء إشارة إلى فساد الأديان، ويفش الزنا إشارة إلى فساد الأعراض، وتشرب الخمر إشارة إلى فساد العقول». إذا متى يحدث هذا؟ متى يكون فساد الأديان وفساد الأعراض وفساد العقول بظهور الجهل وفشو الزنا وشرب الخمر؟ كل ذلك إذا وقع الأمر الأول: «أن يرفع العلم». فإذا أراد المجتمع ألا تقع هذه المدلهمات، ما أراد فساد الأديان ولا أراد فساد الأعراض ولا أراد فساد العقول، فليثبت العلم، إثبت العلم. إن ثبت العلم وعم، حينها يعرض، إطمئن، لن يقع هناك التغير في أديان الناس ولا في عقولهم ولا في أعراضهم، فالعلم صمام أمان للأفراد والمجتمعات من الفتن والمحن. وهكذا إخواني في الله العلم جعله الله جل وعلا بابًا من أبواب الرزق، رزق سواء لطالبه أو لمن دفع به. كما جاء في حديث أنس: «لعلك ترزق به». العلم يا عبد الله نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله. دليله قال سبحانه: ﴿وجاهدهم به جهادًا كبيرًا﴾، راجع ما قاله المفسرون. هذا الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره ربنا أن يجاهد به، يجاهد بماذا؟ بالسيف؟ لا، ارجع للتفسير: «يجاهد بالقرآن، يجاهد بالوحي الذي آتاه الله». ﴿وجاهدهم به جهادًا كبيرًا﴾، أكبر الجهاد ما يكون في جهاد العلم، في جهاد التبليغ والبيان بما آتى الله نبيه به من العلم والوحي، جاهد به الكفار، فهو نوع من أنواع الجهاد. ومر معلو تذكرون في أوائل دروس خاصة دعوة أهل السنة أن من أسمائهم الطائفة المنصورة، وأن نصرها كان في مضمارين: في ساحة الوغى وذلك بالسيف والسنان، ونصرهم يكون بالحجة والعلم والبيان، هنا انتصروا وهنا انتصروا. بل إن نصرهم في ساحات الجهاد بالسيف والسنان أحيانًا وأحيانًا، أما نصرهم وأن الله نصرهم بالعلم والحجة والبيان هذا لا أحد يستطيع أن يغلبهم. فالشاهد أن النبي سمى ما هم عليه من العلم جهادًا، وأن الله ينصرهم في هذا الميدان، الطائفة المنصورة. ولهذا يقول أبو الدرداء رحمه الله تعالى: «قال من رأى أن الغدوة والروحة في العلم ليس من الجهاد فقد نقص عقله»، من رأى أن الغدوة والروحة في طلب العلم ليست من الجهاد، قال: «فقد نقص عقله»، لأن الأدلة الشرعية تدل على أن طلب العلم من صور الجهاد في سبيل الله. وعلى هذا كان فتاوى العلماء في أن الزكاة تدفع لهم لأنهم في ثغرة من ثغور الدين. إخواني في الله المعطيات كثيرة جدًا في طلب العلم وفي ظليل وفضيلته، وقد أُلِّفت وصنفت في ذلك المصنفات. فحينها كان من شأن أهل السنة والجماعة الاهتمام بهذا الباب وجعله ركيزة من ركائز دعوتهم في إتمامها ونشرها وقيامها، حتى دفعوا بأنفسهم ودفعوا بأبنائهم وأهاليهم. كان السلف الصالح كما حكيت عن بعض المجالس يقدر طلاب العلم فيها إلى مئة وعشرين ألف طالب علم، مئة وعشرين ألف طالب علم، تُملأ الساحات بمثل هؤلاء الجند ممن أقبلوا على العلم الشرعي. فلما كان الإقبال هكذا، انظر كيف كانت مجتمعات الأوائل؟ كيف عمت بالخير؟ لم تعرف بالفتن ولا القلاقل، وإنما عم الخير والاستقرار والازدهار لما عظموا من جانب العلم. هذا إخواني في الله نظرة إلى حال السلف وأهل السنة في اهتمامهم للعلم. لكن انظر لمن خالفهم، لمن زاحمهم من المناوئين والمخالفين، أين هم من العلم الشرعي؟ ما يرفعون به رأسًا، بل أصبحت هذه الخصلة من أهل السنة -الاهتمام بالعلم- هي بنفسها عند المبتدع والمخالفين محل نقمة. إن أرادوا أن يتضاحكوا علينا تضاحكوا بهذا. انظر لهؤلاء متقوقعون في المساجد، ما يعرفون أين الأعداء ومكر الأعداء، وهم في المساجد. على تضاحك وتضاحك على ما نحن فيه من قلب العلم. ويقول أحدهم: «نحن لسنا في زمن قال حدثنا وقال أخبرنا»، سبحان الله، أي العلم عندهم منقصة. ويقولون: «هؤلاء أهل السنة والسلفيين ينكبون على هذه الكتب الصفراء» -يسمونها الكتب الصفراء- دلالة على أنها كتب قديمة بالية، وأنها موضة، ليس هذا وقته، ونحن في القرن العشرين. وهكذا يا عبد الله يتفوه الكثير من هؤلاء. فمنهم من يقدم ماذا يقدم؟ الدراسة في فقه الواقع. حتى سمعت من بعض كبار بعض الجماعات الحزبية من يأمر أن هذه الأبواب -أبواب الفقه- الحيض والنفاس والطهارة والاستنجاء أن تلغى، ما تدرس هذه الأبواب. طب ماذا يدرس؟ قالوا: «جئوا بالكتب العصرية مثل بروتوكولات حكماء صهيون أو اللعبة الدبلوماسية أو مذكرات»، قال: «هذه تدرس»، سبحان الله، هذه بدل العلم الشرعي. لكن هذا الذي ما تربى على العلم الشرعي وعلى تعظيم نصوص الوحيين. ومنهم طائفة ممن انشغل بالتدريب العسكري وبالجهات، حتى قال قائلهم: «اليوم فتح الآلي لا فتح الباري، اليوم فتح الآلي لا فتح الباري»، أي العلم الشرعي هذا ليس أوانه. هكذا يا عبد الله ذهبت شرقًا وغربًا، أو جماعة منشغلة بالدعوة تقوم في المساجد دعوة، لكن لا ترفع للعلم رأسًا. ولهذا تجدها ملطخة بالبدع والمحدثات والمنكرات. هذا في حق من الذي زاحمنا من بعض الجماعات. وإن ذهبت إلى غيرنا من الفرق الضالة رأيت أن العلم في منأى عنهم. فمنهم من يرى أن العلم الباطني هو الذي يهتم به، وأما العلم الشرعي هذا علم العوام، ما نبالي به. ومنهم من يرى أن العلم عنده والتقليد للعظماء والكبراء، وقس على ذلك يا عبد الله صورًا كثيرة ممن طمسوا ونقصوا وازدروا من باب العلم الشرعي. بينما أهل السنة والجماعة لا يا عبد الله، فهم من المعظمين. وحق لهم أن يعظموا هذا الجانب لتعظيم الكتاب والسنة لها. فالله الله يا عبد الله يا من تنتمي وتنتسب وتلتحق وتأمل أن تكون من أهل السنة، فانظر ما هو حظك من العلم. فإن العلم هو النجاح، وهي العبادة، وهي القربة، وهي الخير الذي أراده الله للمجتمعات. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.