مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 7

مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 7

الدرس في مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تمسك أهل السنة بفهم سلف الأمة

يتناول أهمية تمسك أهل السنة والجماعة بفهم سلف الأمة في تفسير نصوص الوحيين، ويستدل على ذلك بأدلة من القرآن والسنة. هذا الفهم هو سبيل الهداية والنجاة.

أهمية منهج السلف الصالح في النجاة

يؤكد على أهمية التمسك بمنهج السلف الصالح والصحابة، مشيرًا إلى أن النجاة تكون باتباع سنة النبي وسنة الخلفاء الراشدين. يستدل بالأحاديث والآثار على وجوب الاقتداء بهم.

تحذير من الابتداع والتحريف

يحذر من الابتداع والتحريف في فهم الكتاب والسنة، ويشير إلى أن الفرق الضالة لم ترجع إلى فهم السلف الصالح، مما أدى إلى ضلالها. يؤكد أهمية اتباع منهج السلف.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا المقام في استعراض أهم الخصائص التي امتاز بها أهل السنة والجماعة عن غيرهم في دعوتهم، فكان ما مر معنا من مباحث سابقة ما يتعلق بالأسماء والألقاب التي أطلقت عليهم، ومن ثم كان النظر في سمة دعوتهم وما اشتغلوا به، فمن ذلك ما كان من اهتمامهم بأمر العقيدة والتوحيد، وما كان أيضًا من اهتمامهم بالتمسك بالسنة. وفي هذا المقام نذكر أيضًا خصيصة من الخصائص العظيمة التي تميز بها أهل السنة والجماعة عن غيرهم، ألا وهو ما كان من تمسكهم بفهم سلف الأمة. إن المسلمة، إخواني في الله، من خلال تعبده لربه والتحاكم إلى شريعته، لا يكون ذلك إلا بنصوص الوحيين: الكتاب والسنة، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضل بعدي: كتاب الله وسنتي». فالاعتصام والنجاح يكون بأخذ الكتاب والسنة، لكن يبقى السؤال: أخذهما يكون على فهم من؟ ما هي الآلية؟ وما هي الطريقة التي يفهم منها كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ هل تعود إلى عقولنا، إلى اجتهاداتنا؟ أم أننا نحيلها إلى عقول أكابرنا ورؤسائنا؟ أو يكون فهم الكتاب والسنة إلى واقعنا وإلى ضغط مجتمعاتنا؟ الجواب: لا هذا ولا ذاك، وإنما فهم النصوص الشرعية تكون بفهم سلف الأمة، وأعني بهم على رأسهم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن سار على دربهم. هذا هو الاتجاه الذي نحى به أهل السنة والجماعة في طريقة فهمهم لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يأخذوه من خلال فهم سلف الأمة. فهم يأخذون هذا الفهم ويجعلونه طريقة لهم في تعبدهم وفي دعوتهم. ولهذا كان من الإطلاقات والألقاب والأسماء التي تسمى بها أهل السنة بأنهم «السلف الصالح»، وذلك تعظيمًا وتوقيرًا وتشريفًا لمقام السلف الذي سبقوهم، فهم «السلفية» وهم «السلفيون» لاتباعهم ما سار عليه السلف الصالح. يأتي هنا السؤال: لماذا أهل السنة والجماعة اتخذوا هذا النمط في فهمهم لأدلة الكتاب والسنة، أن تكون منوطة بفهم سلف الأمة؟ الجواب: لما رأوه من الأدلة التي فيها أن الشرع ألزم كل مسلم ومسلمة إلى ضرورة فهم نصوص الوحيين على ضوء فهم سلف الصالح. ومن هذه الأدلة، إخواني في الله، والتي سأجعلها من أدلة القرآن، ومن أدلة السنة، ومن أقوال السلف وآثار العلماء. أكتفي في هذا المقام، لضيق الوقت، ببعض النماذج. أما الأدلة القرآنية التي تدل على ضرورة أن المسلم يلتزم بمنهج من سبق، ما جاء في قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾، فإن آمنوا أي أهل الكتاب ومن كان على فلكهم من الكفار، إن آمنوا بماذا؟ بأي إيمان؟ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، والمشار إليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن كان إيمانهم بمثل إيمانكم، ماذا يكون الثمر؟ فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما هم في شقاق، فجعل ربنا جل وعلا من طرق الهداية أنك يا عبد الله تلتزم بما كان عليه الأوائل. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به تأتيك الهداية. وما الذي يريده الواحد منا أكثر من هذه النعمة أن الله يصطفيه بهدايته؟ كذلك من الآيات ما جاء في قوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾. أحل الله جل وعلا رضوانه على هذه الفئة من الناس، هم من سبق، الأوائل من المهاجرين، من الأنصار، من صحب رسول الله الكرام عليه الصلاة والسلام. هل هؤلاء فقط يحل الله عليهم رضوانه؟ لا، وهكذا الذين اتبعوهم، فمن كان مهتديًا بهديهم، متمسكًا بغرزهم، فحينها يحل الله عليه رضوانه. يقول إمام السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: «قال الذين اتبعوهم بالاعتقادات والأقوال والأعمال، فهم الذين سلموا من الذنب وحصل لهم نهاية المحبوب من هؤلاء الذين اتبعوهم». فماذا يدلك التبعية؟ يدلك على أنك يا عبد الله لا تخرج عن هديهم، لأن من خرج عن هديهم وخرج عن طريقتهم لا يكون تبعًا لهم، بل مخالفًا، معارضًا، حادًا عن طريقتهم. حينها يا عبد الله ستنأى بنفسك عن هذه المكرمة التي جعلها الله وخصها الله لمن جند نفسه أن يكون تبعًا لمن مضى ولمن سبق من أصحاب رسول الله الكرام رضي الله تعالى عنهم. وهكذا مما استدل به جماعة من العلماء على ضرورة أن المسلم إنما يستمسك بغرز من سبق، ما جاء في سورة الفاتحة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾، فأنت تسأل ربك جل وعلا أن تكون على هذا الصراط المستقيم، وعلى هذا المنهج القويم الذي ضابطه بأنك ستسير على ما سار عليه الآوائل ممن سبقك. اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، من كانوا قبلنا، هؤلاء دعنا يا رب نسير على هديهم. فهذه الهداية التي يرجوها كل مسلم، كل مسلم. فبهذا نعلم، إخواني في الله، أن نهج الصراط المستقيم ليس عبارة عن ابتكار تأتيه من عند نفسك، أو اجتهاد تجتهد به من رأسك. الصراط المستقيم عبارة عن ائتساء، عبارة عن اقتداء. ولهذا كما جاء عن بعض السلف: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم»، ما أحد عبد الله كلفك أنك تشتهد أنك تستخرج لنا آراءً أو أقوالًا أو أعمالًا لا تفيت هذا الباب، قد كفيته. وإنما عليك أن تتبع ولا تبتدع. اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم. وإذا انتقلنا، إخواني في الله، إلى أدلة السنة، نجد كذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى عظم مقام الاتباع لهدي سلفنا الصالح، وأن المسلم متى ما تأخر عليه أن يأتي به، لأن هؤلاء كانوا على الجادة. فمن ذلك ما جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه من سيعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة التمسك بالسنة، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وهؤلاء هم السلف، بل هؤلاء رأس السلف، القمة، الخلفاء الأربعة، قمة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فأشار نبينا إلى أن النجاة تكون بالتمسك بالسنة، والتم، والتمسك كذلك بما كان عليه سلف الأمة. فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، لا تفرطوا، لا تفرطوا يا عبد الله بهما، لا تفرطوا في جانب السنة، ولا تفرطوا في فهم سلف الأمة، لأن النجاة إنما تكمن فيهما. فهذا الحديث من الأحاديث الذي استدل بها العلماء على ضرورة التمسك والسير بما سار عليه الأوائل. وهكذا من الأدلة ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». هذه القرون هي القرون الثلاثة المفضلة، والنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، وكفى بشهادته شهادة، أن شهد على هذه القرون بالخيرية. فأين نحن منهم؟ أين نحن منهم؟ نحن لا شيء إذا قارنّا أفرادًا ومجتمعات أنفسنا بهم، لا شيء. فالخيرية تكمن فيهم. فهل يعقل يا عبد الله أن تترك هذه المجتمعات التي شهد لها نبينا بالخيرية، ثم تخالفهم في أقوالهم، في اعتقاداتهم، في أعمالهم؟ هذا لا يعقل. الإنسان، أنت يا عبد الله، إذا أردت أن تقتدي هنا في هذه الأزمان، تقتدي بالأخيار، تبحث من خيرة الناس في هذه البلاد؟ من خيرة الناس؟ قيل لك: فلان، إن أردت الصلاح ستخطو خطوة وتمشي حذوة، ولا تخرج عن أمره ولا عن نهيه، لأنك تعلم أن الخيرية فيه وفيما كان من غرزه، والتمسك بمنهجه. فإذا كان نبيك عليه الصلاة والسلام شهد بهذه القرون المفضلة، وعلى رأسهم جيل الصحابة: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، علمت حينها أن هذه المجتمعات، وهكذا الأفراد، إن أرادوا الخيرية لأنفسهم ولغيرهم، فعليهم المضي إلى هذه المجتمعات التي سلفت، والتي شهد لها نبينا بالخيرية. كذلك من الأدلة من السنة الدال على عظم التمسك بغرز سلف الأمة، ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم فنظر إلى السماء فقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وإني لأمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وإن أصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد». فهذه المجتمعات صمام أمانها من الفتن هم الصحابة. وإن أصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد من الشرور، ومن الفتن، ومن المحدثات، ومن القتل والقتال، إلى ما نرى في مثل هذه الأزمان الحالكة. إذن ما هو الحل؟ الحل يا عبد الله علينا أن نرجع إلى الصحابة، إذا أردنا الأمان والأمن والاستقرار، علينا أن نرجع الصحابة إلى زماننا. حينها سنرى الخيرية. قد يقول قائل: وكيف هذا؟ كيف نرجع الصحابة؟ نرجعهم من قبورهم؟ الجواب: لا، بل نرجع منهجهم، نبقي منهج الصحابة بين أظهرنا. فإذا استطعنا، إخواني، لأن نقيم منهج الصحابة في أنفسنا، وفي مجتمعاتنا، وفي أزماننا، وأوقاتنا، حين نكون في أمان. وإن أصحابي، حسيًا ومعنى، بوجودهم، بمنهجهم، إن وجدوا عندنا، حينها يا عبد الله يأتيك الأمن والأمان. فإذا هذا، يا إخواني في العلم، ماذا؟ علم على ضرورة إبقاء المنهج السلفي، أي ما كان عليه سلف الصالح، بأن أخذ من هديهم وغرزهم، وما كان من دعوتهم وعقيدتهم وعملهم وقولهم ونهجهم إلى آخر ذات، إن أبقيناه عملًا وتطبيقًا، حين نكون في أمن وأمان. أما من ابتكر وأحدث، فإن ذلك لا يضر نفسه، بل كذلك يضر المجتمعات جميعًا. وهكذا، إخواني، إذا انتقلنا إلى القسم الثالث بذكر بعض الآثار وأقوال العلماء، فهي كثيرة وكثيرة جدًا، وكلها على هذا الذي سمعتموه، على ضرورة التأسي والاقتداء في تعبدنا وفي طاعاتنا وفي دعوتنا، أن يكون سيرنا على ما سار عليه الأوائل. لأننا نبتدع، لأننا نشتهد، لأننا نولد أدبارًا، ولأن نعرض عنهم كل إعراض. يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهذا الأثر رواه الإمام أحمد في مسنده، قال ابن مسعود: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، أي اتخذه نبيًا رسولًا». قال: «ثم إن الله نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن». هذا الأثر العظيم فيه بيان على منزلة الصحابة، وأن الله سبحانه وتعالى إنما اختارهم واصطفاهم من عنده جل في علاه. ما كان الصحابة مجتمعًا عشوائيًا، لا، بل الله جل وعلا اصطفاهم لدينه ليكونوا وزراء نبيه عن يمينه وعن شماله، يقاتلون على دينه. ثم قال ابن مسعود: «فما رآه المسلمون»، قال العلماء: الهن العهدية، فالمسلمون هم الصحابة الذين جاء ذكرهم في هذا الأثر. فقال ابن مسعود: «فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن»، أي هم حجة الله على خلقه، حجة الله على خلقه. فيه بيان منزلة الصحابة، وبيان منزلة ما هم عليه، وأنك يا عبد الله تسير على سيرهم، ولا تخرج عنهم، لأن الله قد رضي عنهم ورضي عن أفعالهم وأعمالهم. متى ما كانت الكلمة عليهم جميعًا. كذلك من الآثار ما ذكره الأوزاعي رحمه الله، قال رحمه الله تعالى: «فاصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم». قال: «قف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح». هذا الذي ينادي به الأوائل من أوائل أهل السنة، ولزال في هذا الزمان، وهم على هذا المنوال، الكل ينادي بهذا المنهج الذي سار عليه أهل السنة والجماعة، التمسك بما كان عليه سلف الأمة. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «إن السابقين عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وكانوا هم أقوى على البحث لو بحثوا، لأرادوا أن يزيدوا لزادوا». لا تظن يا عبد الله أنك ستأتي بما لم تأتي به الأوائل، وأن ترى أن الأوائل كانوا عندهم ضيق أفق، لا والله، ما كان عندهم ضيق أفق، كانوا أعلم منك وأحرص منك وأفهم منك. ولو أرادوا البحث لبحثوا، لكن علموا أن الأمر دين واتباع لما جاء من الكتاب والسنة، فوقفوا على هذا الأمر. فأنت لا تخرج عنهم، وليسول لك الشيطان كما سول لكثير من الناس أنهم قصروا، قصروا، ونحن نستكمل ما كان من تقصيرهم، لا والله ما قصروا، ولو أرادوا البحث والاجتهاد لبحثوا، اجتهدوا، ولو كانوا أحسن منا بمفاوز. لكن الأمر دين، والأمر تعبد، فليسعك يا عبد الله ما وسع القوم. وقال إمام البربهاري رحمه الله تعالى: «فانظر، رحمك الله، إلى كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء حتى تسأل وتنظر: هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء؟ فإن أصبت فيه أثرًا عنهم، فتمسك به، ولا تجاوز لشيء، فتسقط في النار». فهذه وصية عظيمة، وحقها أن تكون في درس مستقل، عبارة البربهاري الذي سأذكرها لكم حقها أن تكون في محاضرة، لما احتوت على مسائل عظيمة، ويتحدث رحمه الله تعالى عن زمنه، بل والله كأنه يتحدث عن زماننا هذا، عندما أنت يا عبد الله تخرج إلى الناس فتسمع كلام هذا وكلام هذا وكلام هذا، ممن يزين لك الفتن ويزين لك الشرور والمحن، ويأتيك بهذه المدلهمات وبهذه المظالم العظيمة التي وقعت فيها الأمة شرقًا وغربًا. يقول بربهاري: ما الذي ينبغي أن تعمله يا عبد الله إذا ابتليت بمثل هذا الزمان؟ قال: «فانظر رحمك الله إلى كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء حتى تسأل وتنظر: هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء؟ فإن أصبت فيه أثرًا عنهم، فتمسك به، ولا تجاوز لشيء، فتسقط في النار». وقعت فتنة، انظر يا عبد الله هل لك أثر عن السلف الماضي؟ إن أصبت على أثر، وكيف عامل وتعامل مع هذه الفتنة؟ خذ بقولهم، خذ بقولهم، وإن لم يرضى عنك الناس، خذ بقولهم، ولا تترك لغيره، لأنك إن تركته حينها ستسقط في النار، في نار الدنيا بالهلاك، ونار الآخرة بعذاب الله، إن لم يغفر الله ويتجاوز عنك سبحانه وتعالى. وأخيرًا، إخواني في الله، أختم هذا المقام بكلام لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو يتحدث أيضًا على ضرورة فهم سلف الأمة، قال رحمه الله تعالى: «وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين، فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان من دين الله». هذه الألقاب والأوصاف أطلقها شيخ الإسلام في حق من لم يرتض بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين في تفسير القرآن أو السنة النبوية. قال: «وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين، فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه». ومن تأمل في الفرق المخالفة من الفرق الضالة، يرى أنهم قد فارقوا أهل السنة بهذه الحيثية، هم نعم لربما مثلنا يرفعون راية الكتاب وراية السنة، لكن إن جادلناهم في هذه القضية لقالوا: لا، لا، لا نأتي به بمنهج السلف الصالح، هم رجال ونحن رجال، لنا عقول كما لهم عقول، نفهم الكتاب والسنة على فهم عقولنا. ولهذا رأينا، إخواني في الله، البواطل أنظر للتفسير الباطني الذي عليه الفرق الباطنية، وعليه الرافضة، والله والله جعل القرآن مهزلة، مهزلة، يأتي أي واحد بآية قرآنية يفسرها بالحسن والحسين، يفسر هذه الأصنام، الجبت والطاغوت، أبو بكر وعمر، مرج البحرين يلتقيان الحسن والحسين، هذا الكلام، هذا الكلام، أقيم الصلاة عند الباطنية أي أقيم صلاة إلى القبور، الصيام وهو السر بمعنى كتم أسرار الأولياء، الحج هو قصد البيوت أي بمعنى قصد المقابر، ما هذا التفسير الذي نسمعه؟ العوبة، لأنه ولا يقول: نحن ما أحد يأمرنا بشيء، نحن نفسر القرآن على تفسيرنا، نحن. فجعل القرآن والسنة على هذا الباب من العبث، من العبث. وهكذا انظر للفرق الضالة من الخوارج والمعتزلة والماتريدية والأشاعر، هم ظلال، لكن انظر بماذا يستدلون؟ عندهم آية قرآنية، عندهم قرآن يستدلون بمثل قرآننا، قال الله، قال رسوله، طبعًا من أين جاء ضلالهم؟ لأنهم فهموا النصوص على فهمهم، هم على بدعتهم، على الزيغ الذي في قلوبهم، بما تشابه منه، ما رجعوا القرآن والسنة على فهم السلف. لو أنهم أرجعوا لفهم السلف، والله ما وقعوا في بدعة، ولا وقعوا في ضلالة. وهكذا قسم عليه الجماعات المنحرفة ممن خرجوا على الساحة في الساحة الدعوية، لكنهم تعاملوا مع هذه المتغيرات بما يسمى بأسلوب عصري، ورموا ما كان عليه من تعامل السلف الصالح. يا عبد الله، من حكمة الله جل وعلا فعلًا أن جعل ما ابتلينا به في هذه القرون المتأخرة جعل من أصولها ما كان عند السلف الصالح. نحن في هذه الأزمان ابتلينا بوجود أهل البدع والأهواء، إذن تريد أن تتعرف كيف نتعامل معهم؟ انظر هذا وجد في زمن السلف الصالح، ابتلاهم الله ببعض الفرق الضالة كالخوارج والقدرية، كيف تعامل السلف؟ انظر لهذه. لأنك تبتكر تبتكر من عندك، إذا نحن ابتلينا بهذه الأزمان من القتل والقتال، في السلف الصالح ابتلوا بمثل هذه الفتن، انظر كيف تعاملوا؟ فاتسي بقولهم، بالانعزال والترقب وعدم الخوف، إذا ابتليت بهذه الأزمان من أئمة الجور ممن هم تسلطوا على رقاب العباد، وكان من عنوان الأثرة والأنانية، أخذوا كل شيء، أكلوا الأخضر واليابس، وتركوا الشعب والرعية في غاية من الضعف والذل والهوان والفقر. إذا ابتلينا بهذا، انظر وجد هذا وجد ذلك في زمن السلف الصالح، أن الله ابتلاهم ببعض أمراء الجور، إذن كيف فعلوا؟ هذا الذي تريد، فقط سقط هذه الأمور إلى السلف الصالح، كيف تعاملوا؟ فتعامل بمثل ما تعاملوا عليه. وهكذا كان سلفنا في هذه الأزمان من أهل السنة، ما تأتي معضلة كما قال بربهاري: «اسأل هل لك أثر من أصحاب رسول الله؟ فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء». فإخواني في الله، كانت هذه الخصيصة، أي فهم النصوص نصوص الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، من أعظم الخصائص التي امتاز بها أهل السنة في دعوتهم دون غيرهم. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.