الدرس في التعليق على دليل السالك إلى ألفية ابن مالك 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يناقش تقسيم الأسماء إلى معرب ومبني، حيث يتغير إعراب المعرب حسب العوامل الداخلة عليه، بينما يبقى المبني على حالة واحدة. يشرح أمثلة على ذلك ويبين سبب بناء الأسماء على مشابهتها للحروف.
يشرح أسباب بناء الأسماء، مثل الشبه الوضعي والمعنوي والنيابة والافتقار، ويقدم أمثلة على الأسماء الموصولة وأسماء الاستفهام والشرط. يبين أن هذه الأسماء تُبنى لشبهها بالحروف في المعنى أو في العمل.
يناقش إعمال المصدر وعلاقته بالفعل والعامل، حيث ينوب المصدر عن الفعل ويتأثر بالعامل الذي يؤثر فيه. يدل على علاقة المصدر بالفعل والعامل وتأثير العامل عليه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال المؤلف ابن عقيل محمد بن عبد الله بن عقيل في ألفيته: المعرب والمبني. قال ابن مالك: ابن عقيل عفا، سبغ لسان محمد بن عبد الله بن مالك. ابن عقيل شارح الألفية في كتابه شارح ابن عقيل قال: المعرب والمبني. قال: والاسم منه معرب ومبني لشبه من الحروف مدني. قال: الاسم قسمان: معرب ومبني. فالمعرب ما يتغير آخره بسبب العوامل الداخلة عليه، مثل: حضر الضيف، صافحت الضيف، فرحت بالضيف. لو مثل بالقرآن لكان أولى، إذ أن هناك آية جمعت لفظًا واحدًا بحالاته الثلاث: الرفع والنصب والجر. وما جاء في سورة البقرة قال الله عز وجل: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾. فقوله: "الحج" رفع؛ لأن العامل هنا يقتضي الابتداء. يقتضي أن يكون له مبتدأ مرفوع بالابتداء، فـ"الحج" هنا مبتدأ مرفوع بالابتداء. وقوله: "فمن فرض فيهن الحج" "الحج" هنا مفعول به منصوب؛ لأن العامل يقتضي ذلك. "فرض" يحتاج إلى "الحج" أن يكون مفعولًا به له، فنصب. وأما الجر ففي آخر الآية وهو قوله: "ولا جدال في الحج" "فيهن" حرف الجر يحتاج إلى "الحج" أن يكون مجرورًا له. قال: فالأول مرفوع لأنه معمول لعامل يقتضي الرفع على الفاعلية، وهو "حضر" أي في مثاله: "حضر الضيف". والثاني منصوب لتغير العامل بعامل آخر يقتضي النصب على المفعولية، وهو الفعل "صافحت". والثالث مجرور لتغير العامل بعامل آخر يقتضي الجر، وهو الباء قوله: "فرحت بالضيف". فهنا العامل تغير، فتغير آخر الكلمة من رفع إلى نصب إلى جر. هذا هو الإعراب. ما يبقى على حالة واحدة. قال: والمبني ما يلزم حالة واحدة ولا يتغير آخره بسبب ما يدخل عليه من العوامل، مثل: "هذا الطالب فاز على زملائه"، "هنأت هذا الطالب"، "سلمت على هذا الطالب". "ذا" في قولي: "هذا"؛ لأن "الهاء" ليست من أصل الكلمة، بل يؤتى بها للتنبيه. فاسم الإشارة إنما هو "ذا" فقط، وأما "الهاء" فهي للتنبيه. فلذلك قال: "فذا" مبني على السكون في محل رفع أو نصب أو جر. "ذا" في المثال الأول ما إعرابها؟ مبتدأ. "مبني على السكون في محل رفع". وفي المثال الثاني ما إعرابها؟ مفعول به منصوب. "مبني على السكون في محل نصب". وما إعرابها في الثالث؟ مجرور. "مبني على السكون". فانظر: "ذا" ما تغير آخره. وهو دائمًا مبني على السكون في جميع الحالات. قال: وسبب بناء الاسم مشابهته الحرف في وجه من الأوجه التي سيذكرها. هنا علق تعليقًا يعتبر قاعدة. ورأيت أيضًا في شرح الشيخ بن عثيمين يكرر هذه القاعدة، ويقول: "تعليل النحويين من أضعف التعاليل". يعني الآن: لماذا أهل النحو في هذا الموضع جعلوا الأسماء المبنية مبنية؟ قالوا: لأنها تشبه، تشبه الحروف. والحروف مبنية. هذه قاعدتهم. لكن من أين عرفنا أن هذا مبني وهذا معرب؟ عرفنا هذا بالسماع. اللغة معتمدها السماع من القرآن أو من السنة أو من كلام العرب الفصحاء الأقحاح ممن يستدل بكلامهم، خصوصًا أهل البوادي، وكذلك في قبل الإسلام وأول الإسلام؛ فإن كلامهم ليس فيه لحن، وشعرهم ليس كذلك فيه لحن. فتؤخذ اللغة من القرآن؛ لأنه لغة العرب، ولأنه من أبلغ الكلام، ومن أفصح الكلام، حتى عجز هؤلاء أهل اللغة أن يأتوا بمثله. وكذلك السنة؛ لأنها كلام المعصوم عليه الصلاة والسلام. وهكذا كلام العرب. فهذه قاعدة سنمشي عليها: الأصل السماع. قال: ومعنى البيت أن الاسم منه ما هو معرب، ومنه ما هو مبني. وهذا في قوله: "والاسم منه معرب ومبني". وقوله: "مدني" اسم فاعل من "أذنيت". تقول: "أذنيت الشيء من الشيء" إذا قربته منه. والياء زائدة للإشباع. يعني: "مدني" هذا الياء فقط أتي بها للإشباع. ما معنى الإشباع؟ الإشباع يعني: الكسرة إذا أشبعتها في النطق، تولد عن هذا الإشباع "ياء". لو مثلًا تقول: "قلمي" كتبت بالقلم. لو أشبعت الكسرة صار: "بالقلمي". فهذا يسمى إشباعًا. فإذا أشبعت الكسرة تولد عنها "ياء". وإذا أشبعت الفتحة تولد عنها "ألفًا". وإذا أشبعت الضمة تولد عنها "واوًا". فهذا معنى الإشباع. قال: والأصل "مدن"؛ لأن ياء المنقوص المنكر غير المنصوب تحذف وجوبًا، نحو: "هذا ساع إلى الخير". "ساع" أصلها "ساعي" فحذفت ياؤه؛ لأنه مرفوع. فهو خبر. قال ابن مالك رحمه الله: "كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا والمعنوي في متى وفي هنا وكان يابة عن الفعل بلا تأثر وكافتقار أصل". ذكر في البيتين أوجه شبه الاسم بالحرف. يعني: ما هو وجه شبه الاسم المبني بالحرف حتى صار مبنيًا كالحرف؟ ما هو وجه الشبه؟ وجه الشبه لعدة أسباب. فقد يكون بسبب الوضع، وقد يكون بسبب المعنى، وقد يكون بسبب النيابة، وقد يكون بسبب الافتقار. فذكر هنا أربعة أسباب سيفصلها ويمثل لها إن شاء الله. قال: ذكر في البيتين أوجه شبه الاسم بالحرف الذي اقتضى بناء الاسم. وهذا الشبه مشروط فيه عدم وجوب معارض يضعفه. وسيأتي معنا: ما هو المعارض الذي يضعفه؟ المعارض الذي يضعفه مثل الإضافة. إذا هذا الاسم أضيف مع أنه يشبه يشبه الحرف، لكنه أضيف. فهذا يعني: معارض. لماذا؟ لأن الإضافة من خصائص الأسماء. فالحروف لا تضاف. فهمتم هذا الآن. فهذا معنى قوله في أول ذكره لشرح البيتين: "وهذا الشبه مشروط فيه عدم وجود معارض يضعفه". قال: كما سنذكر ذلك إن شاء الله. قال: الأول الشبه الوضعي، وهو أن يكون الاسم موضوعًا على حرف أو حرفين؛ لأن أكثر الحروف أكثر الحروف مكون إما من حرف أو من حرفين. فإذا جاء اسم مكون من حرف أو حرفين ولم يوجد معارض يضعفه، فهنا بنوه. جعلوه مبنيًا. واضح. فالشبه هنا بسبب عدد الحروف. وضع الحروف. قال: فالأول "كـ" "تام فعلت" في قول تعالى: ﴿أأنت فعلت هذا﴾. "التاء" اسم؛ ضمير. الضمائر كلها أسماء. فإذا لماذا الضمائر بنيت؟ لأن تركيبها إما من حرف أو من حرفين. وهو وضع الحروف. وتركيب الحروف. فبنيت من أجل ذلك. قال: والثاني مثل "نا". يعني: الضمير "نا" مكون من كم؟ مكون من حرفين. ومن الحروف ما هو مكون من حرفين. إذن هذا هنا الشبه وضعي في وضع الحروف. قال: مثل "نا" بقوله تعالى: ﴿قالوا أقررنا﴾. فهي مبنية لشبهها الحرف في الوضع في كونها على حرفين. فهي شبيهة بنحو "قد" و"بل". "قد" حرف. "قد" يكون حرف تحقيق، وقد يكون حرف تقريب، وقد يكون حرف تكثير، وقد يكون حرف تغليظ. وهكذا "قد" هنا حرف له معنى. ومكون من حرفين. و"نا" مكون من حرفين. إذن "نا" أشبهت "قد". وأشبهت "بل". و"بل" حرف إضراب. فإذن بنيت من أجل ذلك. قال: فإن قيل: لما أعرب "أب" و"أخ" مع أنهما على حرفين؟ "أب" همزة وباء ظاهرها صح. و"أخ" همزة وخاء. قال: مع أنهما على حرفين. فالجواب: أن هذا الشبه بالحرف عارض. يعني: ليس أصل "أب" هذان الحرفان أو هذين الحرفين. ليس أصل "أب" هذين الحرفين. بل هناك حرف محذوف من أصل الكلمة كما سيبين. قال: لأنهما ثلاثيان. يعني: ليس ثنائيين. بل هما ثلاثيان. إذ أصلهما "آبا" و"آخا". بدليل النسب إليهما. النسب يعني: الانتساب. لما تقول مثلًا: "أبوي". "أخوي". تنسب نفسك إليه. فالنسبة من الأشياء التي ترد الكلمة إلى أصلها. ترد الكلمة إلى أصلها. إذا رأيت اسمًا وتريد تعرف: هل حروفه هذه أصلية؟ وهل شيء ناقص منها أو ليس هناك شيء ناقص منها؟ إما أن تنسبها، وإما أن كذلك تثنيها. فالتثنية والنسبة ترد الأشياء إلى أصلها. قال: الوجه الثاني: الشبه المعنوي، وهو أن يتضمن الاسم معنى من معاني الحروف. سواء وضع لذلك المعنى حرف أم لا. ومعنى: يتضمن الاسم معنى من معاني الحروف. فمثلًا: الحرف يدل على الاستفهام. والإسم هذا يدل على الاستفهام. طيب: يدل على الاستفهام. فإذن: ما الذي جمع بين الحرف والإسم المبني؟ الشبه في المعنى. وهو معنى مثلًا: الاستفهام. أو معنى الشرط. فهناك حرف يدل على الشرط، وهو "إن". وأسماء تدل على الشرط مثل "من" و"ما" ونحوهما. فما الذي جمع بينهما؟ المعنى. طيب: هذا المعنى قد يكون له مقابل من الحروف، وقد لا يكون له مقابل. وهذا معنى قوله: "سواء وضع لذلك المعنى حرف أم لا". يعني: ليس هناك حرف يقابله باللفظ، وإنما أخذوه بالمعنى فقط. وهذا سيأتي معنا. قال: فالأول: المراد بالأول: الإسم الذي له معنى من المعاني، ووضع له حرف. قال: "متى" في نحو: "متى السفر؟" "متى" هنا اسم استفهام مبني على السكون. وهو اسم. وقوله تعالى: ﴿متى نصر الله﴾. فهي اسم استفهام. شبيه بـ"همزة الاستفهام" في المعنى؛ لأن "همزة الاستفهام" يستفهم بها في تحديد شيء محدد. وكذلك "متى". فلو قيل: "متى السفر؟" تقول: "غدًا". حددت الجواب. ولو قلت: "أزيد عندك أم عمر؟" تقول: "عمر". حددت الجواب وعينت الجواب. فإذن: هنا شبه بين مثلًا: "الهمزة" و"متى" من حيث تعيين الجواب والمعنى. وهو الاستفهام؛ لأن كل منهما يسأل به عن معنى محدود. قال: وكقوله تعالى: ﴿من يعمل سوء يجز به﴾. "من" اسم شرط. شبيه بـ"إن" الشرطية؛ لأن "إن" حرف بالإجماع. "إن" حرف شرط. وهي أم الباب في الشرط. فما جاء من أسماء بمعناها بنيت لشبهها بها. قال: "بها" يعني بـ"إن". لأن كل منهما يفيد التعليق والجزاء. يعني: يفيد الشرط. سواء قلت: "إن جاء زيد أكرمته" أو قلت: "من جاء أكرمته". كله جزاء وشرط. كله جزاء وشرط. قال: الثالث: الشبه النيابي، وهو أن يشبه الاسم الحرف في كونه ينوب عن الفعل ولا يدخل عليه عامل فيؤثر فيه. انظروا إلى هذه الشروط. هذا كله حتى يعني: يخرج الاسم الذي يعمل عمل الفعل. ولكنه لا يعني: يدخله العامل. يدخله العامل. فقوله هنا: هو أن يشبه الاسم الحرف في كونه يناب عن الفعل. يعني: في العمل. ينوب عن الفعل في ماذا؟ في العمل. لكن بشرط: لا يدخل عليه عامل؛ لأن الحرف لا يدخل عليه عامل. طيب: فإذا دخل عليه عامل. بمعنى أن هذا العامل الذي يعمل عمل الفعل دخل عليه عامل فأثر فيه. فهذا لا يشبه الحرف. لا يشبه الحرف؛ لأن الحرف لا يدخل عليه العامل. الحرف لا يدخل عليه العامل. قال: ومثاله: "صه" عن ما يشين. يعني: "صه" عن الكلام السيء الذي يشين صاحبه ويذم صاحبه. قال: وقوله تعالى: ﴿هيهات هيهات لما توعدون﴾. "صه" تقول: اسم فعل أمر مبني على السكون. أشبه الحرف في كونه ينوب عن الفعل. ينوب عن الفعل فيعمل عمل الفعل. "هيهات" "هيهات" "هيهات" ماذا فعلت؟ "هيهات" هنا رفع. "هيهات" نعم: ينوب عن الفعل الماضي فيعمل عمله. ومثل ما تقول: "هيهات العقيق". هنا ماذا؟ "هيهات" رفع "العقيق". "العقيق" فاعل له. "العقيق" فاعل له. قال: وقولنا: "فيؤثر فيه" احتراز من المصدر النائب عن فعله، نحو: "إحسانًا إلى والديك". المصدر يعمل عمل الفعل. صح: المصدر يعمل عمل الفعل. فـ"إلى والديك" متعلق بـ"إحسانًا". قال: وكقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾. فهو نائب مناب الفعل "أحسنوا". لكنه معرب؛ لأنه تدخل عليه العوامل فتؤثر فيه. فتقول: "أعجبني إحسانك إلى والديك". "إحسان" هنا "إحسان" مصدر. أليس كذلك؟ مصدر وعامل يعمل عمل الفعل. لكنه هنا عمل فيه الفعل أثر فيه الفعل. فـ"إحسان" هنا فاعل للفعل ماذا؟ "أعجب". فاعل للفعل ماذا؟ "أعجب". قال: فيكون فاعلًا. وتقول: "إحسانك إلى والديك واجب". فيكون مبتدأ. "إحسان" هنا مصدر. ومع هذا عمل فيه العامل المعنوي وهو الابتداء. فرفعه على أنه مبتدأ. فهو عامل. لكنه أعربناه. تقول: "إحسان" مبتدأ مرفوع. علامة رفعه الضمة الظاهرة على أثر فيه العامل. لكن صح: ما تقول فاعل ولا مفعول ولا شيء. فهمتم هذا الآن. فإذا هذا القيد مهم: "لا يدخل عليه عامل فيؤثر فيه". من أجل أن يخرجوا ماذا؟ أن يخرجوا المصدر؛ فإنه ينوب عن الفعل. لكنه يؤثر فيه العامل. يؤثر فيه العامل.