الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل شرط جواز التصرف في السلعة بعد شرائها، حيث يشترط لجواز التصرف في السلع التي تحتاج إلى توفية حقها بكيل أو وزن أو عد أن يتم استيفاؤها أولا. يجوز التصرف في العين المتميزة ولو لم يقبضها المشتري.
يتناول هذا الفصل ضمان التلف في المعاملات المالية مثل بيع المزارع والثمار، ويشرح مسؤولية البائع والمشتري عن التلف الناتج عن الجوائح السماوية أو التفريط. كما يتناول الفروق بين الأملاك التي يتعلق بها حق للغير والتي لا يتعلق بها.
يتناول هذا الفصل أحكام الأمانة والضمان في الفقه الإسلامي، حيث يشرح شروط قبول دعوى تلف المال ومسؤولية الأمين عن التلف أو الفقدان، كما يفرق بين دعوى التلف ودعوى الرد، ويوضح أحكام الرجوع على المدين في حالة أداء الدين نيابة عنه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله: كتاب القواعد والوصول الجامعة الفروق التقاسيم البديع النافعة في ذكر الفروق التقاسيم. قال: ومن الفروق الصحيحة أن من اشترى شيئا يحتاج إلى حق توفية، فإنه لا يصح تصرفه فيه حتى يستوفيه بكيل أو وزن أو عد أو زرع ونحوها، وإن كان عينا متميزة جاز تصرف فيها ولو لم يقبضها، ويترتب على ذلك الضمان. فما يحتاج إلى حق توفية إذا أتلف قبل توفيته، فضمانه على البايع. وكذلك جوائح الثمار، وما سوى ذلك فعل المشتري. يقول: من الفروق الصحيحة من اشترى شيئا يحتاج إلى حق توفية، يعني يحتاج أن يستوفيه بكيل أو وزن، كما جاء في بعض الأحاديث: «لا يبيعه حتى يجري فيه كيل البايع والمشتري». وأجاب معنا أعم في حديث حكيم من حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيع شيئا أو ناع عن بيع شيئا حتى يقبض». فما يحتاج إلى توفية بكيل أو وزن، كأن يبيع كوما من البر أو كوما من الأرز أو كوما من الشعير، ويقول: هذا الكوم مثلا مئة صاع. فإذا أراد أن يشتريه المشتري، لا بد أن يكيله، لا بد أن يكيله. أو كان شيء معدود كالثياب مثلا، يقول: هذا درزا من الثياب، فيعدها. فمثل هذه الأشياء التي تحتاج إلى توفية لا يجوز أن يتصرف فيها حتى يستوفيها. يعني ما يجوز للمشتري أن يبيع هذا الكوم من البر أو الشعير قبل أن يستوفيه، وأن يجري فيه كيله وصاعه، ويتأكد من مقداره. وهكذا إذا كان شيء معدود بعد أن يعده، وأن يقبضه. وإن كان عين متميزة جاز تصرف فيها ولو لم يقبضها، مثل بيت متميز معلوم حدوده، فله أن يتصرف في هذا البيت، إذا اشتراه مثلا، له أن يؤجره. أو سيارة مثلا متميزة، أي عين متميزة، له أن يتصرف فيها بعد حصول البيع. لكن ما يجب فيه التقابض فلا يتصرف فيه إلا بعد قبضه. لماذا؟ حتى لا يحصل خصام ونزاع بين الباع والمشتري. يعني مثلا لو قال الباع: هذا الكوم مئة صاع، ثم يأخذه المشتري ولا يستوفيه بكيل، ثم يأتي يقول الباع: لا، هذا أقل من مئة صاع، هذا ثمانين صاعا، فيقع الخصام بين الباع والمشتري، هذا يقول مئة، وهذا يقول ثمانين. لكن لو كيل حينئذ لا يقع مثل هذا النزاع بين الباع والمشتري. وهكذا ما يحتاج إلى تقابض كذلك، إذا قبضه المشتري، فإن هذا مما يرفع به الخصام والنزاع. فلو باع مثلا الباع سللا بطاطس مثلا في سيارته، السلة مثلا بثلاثة آلاف، اشتراها المشتري ولم يقبضها، ما زالت هذه السلل في سيارة الباع. لو أن المشتري جاء وباعها بأربعة آلاف، جاء مشتري منه واشتراها منه بأربعة آلاف، علم الباع بذلك والسلل ما زالت في سيارته، ماذا سيقول الباع؟ أنا تراجعت عن البيع، ما سأبيع والبضاعة ما زالت في سيارته، فسيقع بينه وبين المشتري الأول خصام ونزاع. لكن ينبغي أن يقبضها أولا ويأخذها من سيارة الباع، سواء يضعها في دكانه، يضعها في موضع، المهم يقبضها ويخرجها من محلها الأول، ثم بعد ذلك يبيعها. فقال: يترتب على ذلك الضمان، يعني إذا تلفت هذه السلعة أو هذه العين، فمن الذي يضمنها؟ يقول: فما يحتاج إلى حق وتوفية إذا أتلف قبل توفيته، فضمانه على البائع. ما تلف قبل توفيته فضمانه على البائع. إذا باع البائع سلعة مثلا، باع كوما من الطعام، فتلف هذا الطعام، سرق مثلا أو أخذ منه شيء أو أمطرت فأتلفت هذا الطعام مثلا أو نحو ذلك، فمن الذي يضمن؟ إذا كان تلفه قبل توفيته فضمانه على البائع، إن لم يحصل من المشتري تفريط، إن لم يحصل من المشتري تفريط. مثلا البائع يقول للمشتري: تعال خذ السلعة، خذ البضاعة، يقول: إن شاء الله، اليوم، غدا، بعد غد، وهكذا يتماطل حتى تلفت هذه السلعة، فهنا الضمان على المشتري، أنه فرط. لكن إن لم يحصل تفريط من المشتري، فالضمان على البائع. قال: وكذلك جوائح الثمار، يعني ما يصيب الثمار من جوائح السماء من مطر أو سيول أو ثلوج أو رياح، فأتلفت هذه الثمار في المزرعة، فمن الذي يضمن؟ يقول البائع يضمن البائع. وقد جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، يعني وضع ما تتلفه الحوادث السماوية من مطر وغيره، وأنه يكون ذلك على ضمان البائع. هذا كذلك إن لم يحصل من المشتري تفريط، يعني مشتري اشترى مزرعة، مزرعة نخل من صاحب المزرعة، ولما بدأ الصلاح، قال البائع للمشتري: تعال خذ ثمرك، يقول: إن شاء الله، وهكذا يماطل ويماطل ويماطل حتى جاءت الجائحة فأتلفت هذه الثمار، هنا الضمان على المشتري، أنه هو الذي فرط، هو الذي يتحمل هذا التلف. وأما إن لم يحصل منه تفريط، بأن تلفت هذه الثمار في أول اتداء صلاحها أو قبل ذلك، فالضمان على البائع. قال: وما سوى ذلك فعل المشتري، يعني بعد التوفية فتلفت، فالضمان على المشتري. استوفى هذا الطعام وكاله، ثم تلف، سرق، أمطرت عليه، أصابته ماء أو نحو ذلك، فهنا الضمان على المشتري. وهكذا إذا قبض الثمار أو قبض المزرعة، ثم تلفت بجائحة، فالضمان على المشتري. قال: إذن الضابط أن تلف الشيء الذي يحتاج إذا توفية، إذا كان قبل التوفية فعل البائع، وإن كان بعد توفيته فعل المشتري. قال: ومن الفروق الصحيحة الفرق بين الأملاك التي لم يتعلق بها حق للغير، فلا يجبر على تعميرها، وبين ما تعلق بها حق الغير، فيجبر على مجارات شريكه على التعمير اللازم. إنسان عنده بيت، البيت أصابه شيء من التلف يحتاج إلى تعمير، يعني تخرب مع طول الزمن، فهل يجبر صاحب البيت على هذا التعمير؟ ما يجبر، ولا يستطيع أحد أن يجبره، هو حر، هو بيته، وهو حر في بيته، ما لم يكن في ذلك يعني ضرر متحقق، فهنا لم يتعلق به حق للغير، فلا يجبر على تعميره. لكن لو تعلق به حق للغير، كان يكون هناك اثنان شركاء في بيت، وهذا البيت تضرر واحتاج إلى تصليح وتعمير، وإن لم يفعل ذلك ربما هدم البيت، وإذا هدم تضرر الشريك من هذا الانهدام، فهنا يجبر كلا الشريكين على التعمير، إن امتنع أحدهما أجبر على ذلك، يجبره الحاكم على التعمير، لأن فيه ضرر على شريكه. إن قال: أنا فقير، ما عندي، نقول: صاحبك الغني، الشريك الغني، هو الذي يعمر، وأنت بعد ذلك تسدد له قيمة هذا التعمير، أو تبيع له شيئا من نصيبك، أنت مخير، إما أن تسدد له قيمة هذا التعمير الذي عليك، وإما أن تبيع له شيئا من نصيبك، لأن هنا تعلق به حق الغير، فيجبر على التعمير. كذلك أيضا ما فيه ضرر على الجار، كجار مثلا فقير، بيته قصير، وجار آخر بجانبه بيته طويل، وهذا بيت الجار الغني، يعني فيه تكشف على بيت هذا الفقير من نوافذه، وهذا الفقير لا يستطيع أن يبني ويرفع البيت حتى يكون مساويا لبيت جاره، فهنا يؤمر هذا الجار الغني بسد هذه النوافذ التي فيه تكشف على جاره، سدا للضرر عنه. قال: ومن الفروق الصحيحة قبول قول الأمناء كلهم في دعوى تلف بلا تفريط ولا تعد، سواء لهم حظ أم لا، بخلاف دعوى الرد، فيفرق بين المتبرع منهم، فيقبل قوله، وبين غير المتبرع، فلا يقبل. يقوم: من الفروق الصحيحة قبول قول الأمناء من الأمناء، أو الأمين، الأمناء جمع أمين، والأمين كل من كان الحق أو المال في يده بإذن من الشارع، أو بإذن من المالك، بإذن من الشارع كولي اليتيم، وإذن من المالك كالوكيل والوصي. فيقول: الأمناء كلهم يقبلوا دعواهم التلف بلا تفريط ولا تعدي، يعني إذا كانت الأمانة في يد الأمين، هذا الوكيل الذي يعمل في مال الموكل، وهذا الولي الذي يقوم على مال اليتيم، وهكذا الوصي، إدعاء تلف المال، قال: المال تلف مثلا سرق، سرق هذا المال، فننظر هل حصل منه تعدي أو تفريط؟ إن حصل منه تعدي أو تفريط، فإنه يضمن. مثال التعدي: هذا الولي على مال اليتيم دخل في تجارة، وهذه التجارة يعني لم ينظر إليها بنظر اعتبار، ويتحقق في شأنها وأمرها، والخسارة ظاهرة في المعاملة، مثل هذه المعاملة فتلف المال وذهب، نقول: أنت تضمن، لأنك هنا تعديت في وضع هذا المال في مثل هذه التجارة، ومثل هذه المعاملة التي هي مخاطرة، والخسارة فيها أغلب، فهنا يكون قد تعدى فيضمن. أو كذلك إذا فرط في حفظ المال، وضع هذه الأمانة وهذا المال في مكان يعني معرض للسرقة، فسرق، وهنا ضامن. أما إن لم يحصل منه تعدي ولا تفريط، لم يحصل منه تعدي ولا تفريط، المال في الصندوق داخل البيت، فاحترق البيت واحترق المال، فهذا لا ضمان عليه. قال: سواء لهم حظ أم لا، كيف؟ سواء لهم حظ، يعني لو كان هذا الأمين حفظ هذا المال بمقابل، يعطى مقابل هذا، له حظ في هذا المال، أو لا، أي غير مقابل، فسواء كان هذا أو هذا، كان بحظ أو بغير حظ، فتلف المال من غير تعد ولا تفريط، فلا ضمان على هذا الأمين، لا ضمان عليه. قال: بخلاف دعوى الرد، بخلاف دعوى الرد، فلو رد المال، فلو ادعى أنه رد هذه الأمانة، فينظر، إن كانت هذه الأمانة عنده بمقابل، يعني حفظها بمال، فلا يقبل قوله إلا ببينة. وأما إن كان بغير مقابل، إنما هو محسن، وقبل أن يحفظ هذه الأمانة، ثم ادعى أنه ردها لصاحبها، فيقبل قوله، يقبل قوله، ولا يطالب ببينة، لأنه محسن، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. قال: بخلاف دعوى الرد، فيفرق بين المتبرع منهم، فيقبل قوله، يعني الذي لم يأخذ مقابل في حفظ هذه الأمانة، وبين غير المتبرع، فلا يقبل إلا ببينة، أي يقبل قوله إلا ببينة أنه رد هذه الأمانة. قال: ومن الفروق قوله: من أدى عن غيره دينا واجبا ناويا للرجوع رجع، وإلا لم يرجع. من أدى عن غيره دينا واجبا ناويا للرجوع، إذا نوى أن يرجع إلى هذا الذي أدى عنه هذا الواجب، فله أن يرجع ويطالبه. وأما إن لم ينوي الرجوع، فإنه لا يرجع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». مثاله: رجل سافر وترك أهله بلا نفقة، فجاء إنسان وأنفق عليهم بنية الرجوع على رب الأسرة، ويطالبه بالنفقة، فله أن يرجع متى ما جاء أو لقيه، طالبه بالنفقة التي أنفقها. وأما إن أنفق عليهم ولم ينوي الرجوع، وإنما نوى التبرع، نوى أنه متبرع ومتصدق ومحسن، فليس له حينئذ أن يرجع ويطالب رب الأسرة بالنفقة. تبقى صورة ثالثة، وهو إذا لم ينوي الرجوع أو التبرع، ما نوى الرجوع ولا نوى التبرع، هل له أن يرجع في مثل هذه الحال؟ الأظهر أن له الرجوع، له الرجوع، إذا لم ينوي التبرع، ولم يخطر في باله يعني أن يرجع على صاحبه، فله أن يرجع ويطالبه، ما لم ينوي التبرع. هذا إذا كان أدى عنه دينا واجبا، أما إن كان غير واجب، إنسان أتى إلى بيت إنسان وبنى تحت البيت مزرعة، زرع، وجعل يسقيه ويعتني به حتى كبر الزرع وظهرت الزهور، ثم يقول لصاحب البيت: سدد، أنا بنيت لك مزرعة تحت البيت وأشجار، هل يلزم صاحب البيت أن يعطيه؟ الجواب: لا، ما يجب عليه، لأن هذا شيء ليس بواجب، ليس بواجب. لكن لو اتفق معه وأعطاه مقابل، لا بأس. أما وجوبا لا يجب عليه، لأن هذا شيء ليس بواجب. وإنما الذي ينوي الرجوع أو يرجع ويطالب الآخر بحق، هذا إذا كان في شيء واجب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.