فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 6

الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

نسخ الاعتداد بحول والوصية بالسكنى

يتناول المقطع تفسير الإمام السيوطي لمنظومته في الناسخ والمنسوخ من القرآن، حيث يشرح نسخ الاعتداد بحول للمتوفى عنها زوجها وأحكام الوصية بالسكنى. الاعتداد بحول منسوخ بأربعة أشهر وعشر، والوصية بالسكنى لسنة منسوخة أيضًا.

شرح حديث المتوفى عنها زوجها وتفسير آية المحاسبة

يناقش صحة حديث المتوفى عنها زوجها وحكم سكناها، ويبين حقها في السكنى خلال العدة. كما يفسر آية محاسبة الله لعباده على ما في أنفسهم، ويذكر آراء العلماء في ذلك.

تفسير آية الحساب يوم القيامة ومحاسبة العبد على ما في قلبه

يفسر آية الحساب يوم القيامة ويبين أنها ليست منسوخة بل محكمة. كما يشير إلى أن العبد يحاسب على ما يخفيه في قلبه من كفر ونفاق، والمؤاخذة تكون على ما يضمره الإنسان في قلبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السيوطي رحمه الله في منظومته في الناسخ والمنسوخ من القرآن: الاعتداد بحول مع وصيتها، وأن يدان حديث النفس والفكر. قال الشارح: فالله عن قوله الاعتداد بحول مع وصيتها، يريد قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، ففيه أن المرأة إذا توفي زوجها تعتد سنة كاملة، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها. فالكلام في هذه الآية على ثلاث مسائل: الأولى نسخ الاعتداد بحول، والثانية الكلام على الوصية، والثالثة على السكنى. قال: أما الاعتداد بحول فهو منسوخ، يعني كون المرأة إذا توفي عنها زوجها تعتد سنة كاملة تبقى في العدة، هذا الحكم منسوخ. وقد رفع، قال: فهو منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، فهذه الآية فيها الأمر للمتوفى عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام، فهذا الحكم ناسخ للحكم الأول، وهو أنها تعتد سنة كاملة. قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومن زيد، والربيع. وقال ابن كثير: قال الأكثرون: هي منسوخة بالتي قبلها ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، يعني هذه الآية التي فيها الأمر للمتوفى عنها زوجها أن تتربص أربعة أشهر وعشر هي قبل، يعني في المصحف قبل الآية التي فيها الأمر بالتربص. ثم ذكر حديث عثمان بن عفان عند البخاري، أن ابن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان: ﴿وَالَّذِينَ تُوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد نسختها الآية الأخرى، فلما تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئا من مكانه، يعني هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نكتبها. قال: وذهب مجاهد إلى عدم النسخ، وأن قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ كانت هذه للمعتدة تعتد عند أهل زوجها واجبا ذلك عليها، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، فجعل الله لهم تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، والعدة كما هي واجبة. قال: والصحيح ما عليه جماهير العلماء من نسخ الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشرا، وعدت رواية مجاهد هذه شاذة. وقد روي عنه ما يوافق قول الجمهور. قال القرطبي في تفسيره: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، قال: منسوخ كله عند جمهور العلماء. ثم نسخ الوصية بالسكنى للزوجات في الحول، إلا رواية شاذة مهجورة جاءت عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، لم يتاب عليها، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة أشهر والعشر أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فيما علمت. قال: إذن خلاصة الاعتداد بحول أنه منسوخ بالاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيام. قال: أما الوصية، وهو أن يوصي الزوج زوجته بأن تلزم بيتها مدة سنة لا تخرج منه، وأن لها النفقة، فهذه نسخت كذلك. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، كان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث، فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج، لها الثمن إن كان للزوج فرع وارث، وإن لم يكن له فرع وارث فلها الربع. قال: وروي عن أبي موسى الأشعري، وابن الزبير، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، والسدي، ومقاتل بن حيان، وعطاء الخرساني، والربيع بن أنس: أنها منسوخة. انتهى من تفسير ابن كثير. يعني السكنى الوصية للمرأة للزوجة أن تسكن سنة كاملة، هذه منسوخة كما نسخ أصل الحكم وهو الاعتداد بحول. قالوا: أما السكنى، فذهب ابن عباس: أن هذه الآية قوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ نسخت عند أهلها، فتعتد حيث شاءت. وبه قال عطاء، والحسن، وجابر بن زيد. وروي عن علي، وجابر، وعائشة: يعني قوله ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أن مخيرة، إن شاءت أن تعتد عند في بيت زوجها، وإن شاءت أن تعتد في غير بيت زوجها، فهي مخيرة في ذلك. قال: قلت: إن سكنت حولا كاملا فهذا منسوخ بما ذكرنا من أربعة أشهر وعشر. وأما هل لها السكنى مدة أربعة أشهر وعشر؟ فالصحيح أن لها السكنى. وبه قال عمر، وعثمان. وروي عن ابن عمر، وابن مسعود، وأم سلمة. وبه يقول مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي. قال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر، يعني أن للمرأة أن تسكن في بيت زوجها مدة العدة أربعة أشهر وعشرة أيام، لا تخرج من بيت زوجها. قال: لما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب، عن فريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنها: أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب عبيد له أبقوا، فذهب يبحث عنهم حتى كان بطرف القدوم، لحقهم فقتلوه. أي هؤلاء العبيد قتلوا سيدهم وهو زوج فريعة بنت مالك. قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم». قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة، ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت: «كيف قلت؟» فرددت، عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي. فقال: «أَمْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ». قالت: فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرة. فلما كان عثمان بن عفان، يعني لما ولي الخلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، أرسل إلي فسألني عن ذلك، فأخبرته، فأتبعه وقضى به. قال: وزينب بنت كعب مجهولة. قال الحافظ: بالتقريب مقبولة. ولهذا ضعفه الألباني في الإرواء، وشيخنا الوادعي في تحقيق على مستدرك الحاكم. أي ضعف هذا الحديث بجهالة زينب بنت كعب. ودافع العم القيم عن الحديث في الزاد. قال: هو حديث صحيح مشهور في الحجاز والعراق، وإن زينب من التابعيات، وهي امرأة أبي سعيد. روى عنها سعد بن إسحاق بن كعب. وذكرها ابن حبان في كتابه الثقات. قال: وقد تلقاه عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقبول، وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار. وتلقاه وتلقاه أهل المدينة والحجاز والشام والعراق ومصر بالقبول، ولم يعلم أن أحدا منهم طعن فيه ولا في روايته. انتهى كلامه رحمه الله. بمعنى أن هذا الحديث اشتهر عند أهل العلم من لدن الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم، واحتج به الأئمة في كل عصر وزمان. وهذا يغني عن ثبوت سنده، شهرة الحديث وتلقي العلماء له بالقبول، هذا يغني عن صحة السند. قال الترمذي في سننه: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. وقد حسن الحديث ابن القطان، وأقره الزيلعي كما في نصب الراية، وحسنه الحافظ في التلخيص. فالخلاصة: أن السكنى الأمر بسكن المتوفى عنها زوجها حولا كامل، هذا منسوخ. وأما كونها لها السكنى مدة أربعة أشهر وعشر التي هي مدة العدة، فهذا الحكم ثابت. هذا الحكم ثابت في قول جماهير أهل العلم: أن المتوفى عنها زوجها تسكن في البيت الذي جاء خبر وفاة زوجها وهي فيه، فتمكث فيه حتى تنتهي العدة، إلا إذا كان هناك ضرر في بقائها، كما ذكر أهل العلم: كان يكون هذا البيت موحشا وبعيدا عن الناس، وتخشى على نفسها إن بقيت فيه أن يأتي عليها أحد أو شيء من ذلك، فلها أن تخرج وتتحول إلى بيت آخر. قال: أو كان البيت معرضا للسقوط والهدم، فكذلك من باب الضرورة، فإنها تخرج وتتحول مثلا عند أهلها. وأما إن لم يكن من ذلك شيء، فالأصل أنها تبقى في بيتها حتى تنتهي العدة. قال: وقوله: «وأن يدان حديث النفس والفكر». قال الشارح: فقوله الله عن يريد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، اختلف في معنى هذه الآية إلى خمسة أقوال ذكرها القرطبي وابن جرير. الأول: أنها منسوخة. قاله ابن عباس، وابن مسعود، وعائشة، وأبو هريرة، وابن عمر، والشعبي، وعطاء، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن كعب، وموسى بن عبيدة، والنخعي، وجماعة من الصحابة والتابعين. وأنه بقي هذا التكليف حتى أنزل الله الفرج بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. يعني قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ هذه الآية على أن الإنسان مؤاخذ بما أبداه وأظهره مما في نفسه، فتكلم به أو عمل به، أو أخفاه في نفسه ولم يظهره، فإنه محاسب به. القول الأول: أن هذا المعنى معنى هذه الآية منسوخ. ففي مسلم من حديث أبي هريرة، ومعنى من حديث ابن عباس: قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب، فقالوا: «يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، وإننا لا نطيقها». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». فلما قر بها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. فلما فعلوا ذلك، نسخها الله، فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: «نعم». ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: «نعم». ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لِنَا بِهِ﴾ قال: «نعم». ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: «نعم». القول الثاني: إنها محكمة مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نهى عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية: أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب. وبه قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد. القول الثاني: أن الآية محكمة، والمراد بها إخفاء الشهادة، فهي عامة لكن مراد بها الخصوص: الشهادة. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، معنى هذا: أن من أخفى الشهادة، فإنه محاسب محاسب على ذلك. القول الثالث: إن الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين. قاله مجاهد. يعني ما في نفس الإنسان من اليقين أو من الشك، فهذا محاسب به. القول الرابع: أن الآية محكمة، وأن عقوبة الله لهم على ما أخفوه مما لم يعملوه، ما يحدث لهم في الدنيا من المصائب والأمور التي يحزنون عليها ويألمون منها. وروي هذا القول عن عائشة. القول الخامس: إنها محكمة غير منسوخة، والله محاسب خلقه على ما عملوا من عمل، وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم: أن الله عز وجل محاسب خلقه على ما عملوا من عمل، وما لم يعملوه مما أضمروه وعزموا على فعله، وعزموا ونووا وأرادوا، فإنهم يؤاخذون بذلك. كحال أهل الكفر والنفاق الذين يبطنون الكفر والنفاق، ويشككون في الأمور التي يجب الإيمان بها، كوجود الله أو وجود الجنة أو وجود النار، أو وجوب الفرائض إلى آخر ذلك. فهؤلاء مؤاخذون بما أضمروه في أنفسهم. قال: ذكره ابن جرير عن ابن عباس، وقيس بن أبي حازم، والربيع، والحسن. ورجحه ابن جرير، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في كتابه التفسير الكبير. قال: أي شيخ الإسلام، فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، قال: الآية إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس، لا أنه يعاقب على كل ما في النفوس. وفرق بين العقاب والحساب، فالعقاب أخص، والحساب أعم. يعني لا يلزم من الحساب العقاب، لا يلزم من الحساب العقاب، كما أن الله عز وجل يحاسب المؤمن يوم القيامة، فيعرض له أعماله ويذكره بأعماله، ثم يغفر له ويستر عليه. قال: فالآية ذكرت الحساب، ولم تذكر العقاب. وقال رحمه الله: قال ابن عباس: هذه الآية لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق، يقول: «إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي». فأما المؤمنون، فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، كما ثبت ذلك في الصحيح في الصحيحين من حديث ابن عمر وغيره. قال: وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، يقول: «يخبركم به الله». وكما ذكرت عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام في قول الله عز وجل: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، لما قالت: عليه صلى الله عز وجل يقول ذلك؟ فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما ذاك العرض، من نوقش الحساب عذب». قال: وأما أهل الشرك والريب، فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، وهو قوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. وقال رحمه الله: والمقصود هنا أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ حق، والنسخ منها هو رفع فهم من فهم من الآية ما لم تدل عليه. قال: فمن فهم أن الله يكلف نفسا ما لا تسعه، فقد نسخ الله فهمه وظنه. من فهم هذا الفهم: أن الله عز وجل يكلف الإنسان ما لا يطيق، فهذا نسخ الله بالآيات التي نزلت بعد ذلك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ كما مر معنا. قال: ومن فهم منها أن المغفرة والعذاب بلا حكمة وعدل، فقد نسخ فهمه وظنه. فقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ رد للأول، يعني للفهم الأول، وهو تكليف الإنسان ما لا يطيق، فهذه ناسخة لهذا الفهم. قال: وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ رد للثاني، أي لفهم أن الله عز وجل يعذب ويعاقب بلا حكمة ولا عدل، فهذا منسوخ بقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، بل الله عز وجل يؤاخذ الإنسان على حسب أعماله. قال: وأما المغفرة والعذاب، فقد دل الكتاب والسنة على أن من في قلبه الكفر وبغض الرسول وبغض ما جاء به، أنه كافر بالله ورسوله. وقد عفى الله لهذه الأمة، وهم المؤمنون حقا الذين لم يرتابوا عما حدثت به أنفسهم، ما لم يتكلموا به أو يعملوا، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال: كما هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وابن عباس. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الذي يهم بالحسنة تكتب له، والذي يهم بالسيئة لا تكتب عليه حتى يعملها». وذكر هنا شيخ الإسلام رحمه الله بصيغة التمريض: هو الحديث الصحيح، هو في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه. قال: فإذا أبدى العبد ما في نفسه من الشر بقول أو فعل، صار من الأعمال التي يستحق عليها الذنب والعقاب. يعني إذا أظهر ما في نفسه إنسان، حدث نفسه أن يسرق، ثم ترك، مجرد حديث نفسه هذا ما يواخذ به. لكن إذا أظهر ذلك وبدأ وعمل وقام وذهب وسعى حتى يسرق، هذا مؤاخذ، هذا يؤاخذ على هذا العمل لأنه عمل. قال: وإن أخفى ذلك، وكان ما أخفاه متضمنا لترك الإيمان بالله والرسول، مثل الشك فيما جاء به الرسول، يشك فيما جاء به الرسول في وجوب الصلاة، في وجوب الصيام، في وجوب الزكاة، في وجوب الحج، إلى آخر ذلك من الواجبات والفرائض والأحكام التي أتى بها النبي عليه الصلاة والسلام، يشك في ثبوتها وفي فرضيتها. قال: أو بغضه، كان أو بغضه، يعني بغض ما جاء به الرسول، ككراهيته لهذه الفرائض والواجبات والعقوبات والحدود إلى آخر ذلك، كان معاقبا على ما أخفاه في نفسه من ذلك. قال: وأما إن كان وسواسا، والعبد يكرهه، فهذا صريح الإيمان، كما هو مصرح به في الصحيح. يعني إذا كان مجرد وسواس طرأ عليه، يعني يريد الشيطان أن يوسوس له، وأن يشككه في أمور دينه، في وجود الله، في وجود الجنة، في وجود النار، في وجوب الصلاة إلى آخر ذلك، مجرد وسواس، فرده وقطعه، وقال: «آمنت بالله». كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك، فليقل: آمنت بالله». وجاء في رواية: «فإن ذلك صريح الإيمان»، إن ذلك صريح الإيمان، هذا لا يضر، لا يضر الإنسان المؤمن إذا طرأ عليه شيء من ذلك، فرده وقطعه. قال: إنما الذي يؤاخذ به الاسترسال في هذه الشكوك، هذا الذي يوقع العبد في النفاق والكفر. قالوا: هذه الوسوسة هي ما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه، كانت كراهته صريح الإيمان، كما جاء في الصحيح. وقد خاف من خاف من الصحابة العقوبة على ذلك، فقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، يعني ما يطرأ على الإنسان من هذه الشكوك الذي يوسوس بها الشيطان فيردها، لا يؤاخذ بها، لا يؤاخذ بها، وليس عليه شيء في ذلك. قال: وقد عرفت بهذا أن الآية لا تقتضي العقاب على خواطر النفوس المجردة، بل إنما تقتضي محاسبة الرب عبده بها، وهي أعم من العقاب. والأعم لا يستلزم الأخص، يعني الحساب أعم من العقاب، الحساب قد يلزم منه العقاب، وقد لا يلزم منه العقاب، فالعقاب أخص. قال: وبعد محاسبته بها، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. وعلى هذا فالآية محكمة لا نسخ فيها. ومن قال من السلف: نسخها ما بعدها، فمراده بيان معناها والمراد منها، وذلك يسمى نسخا في لسان السلف، كما يسمون الاستثناء نسخا. انتهى كلامه رحمه الله بتصرف. يعني أن من أطلق لفظ النسخ، فيراد المعنى الأعم الذي هو معنى البيان والتخصيص، لا معنى رفع الحكم. قالوا: هذا هو الراجح والله أعلم. يا الخلاصة في هذه الآية أنها محكمة غير منسوخة، وأن فهم مؤاخذة أو تكليف الله عز وجل للعبد بشيء لا يطيقه، هذا منسوخ. هذا منسوخ. أو أن الله عز وجل يحاسب الإنسان من غير عدل ومن غير حكمة، هذا أيضا منسوخ. وأما محاسبة العبد على ما يضمره في قلبه مما يخفيه من الكفر والنفاق، فهذا مؤاخذ به، ولا يعفى عنه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.