الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
ناقش حكم التوارث بالحلف في الإسلام وخلص إلى أن هذا الحكم نسخ بآية المواريث. بقيت الوصية والنصرة للمؤاخى أو المتحالف معه في سبيل الحق.
يناقش أحكام الحلف ومسألة التوارث به، حيث الجمهور يرى عدم التوارث بالحلف خلافا لأبي حنيفة. الآية القرآنية المتعلقة بالحلف منسوخة وهو القول الأصح.
حكم الزاني يختلف باختلاف حالته الإحصانية، فالمحصن يرجم حتى الموت، وغير المحصن يجلد مئة جلدة ويغرب عاما. الحكم مبني على سنة النبي وأقوال الصحابة والتابعين.
يُفصل في حكم الجمع بين الجلد والرجم، حيث يُعتبر حكم الجلد منسوخًا ويكتفى بالرجم فقط. الحكم النهائي هو الاكتفاء بالرجم دون الجلد.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السيوطي رحمه الله في منظومته في الناسخ والمنسوخ من القرآن: قال والحلف والحبس للزاني، وترك أولي كفروا شهادتهم، والصبر والنفر. قال الشارح -عفو الله عنه- قوله والحلف، قال: يريد قوله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، عن الله شاهد بينكم في تلك العقود والمعاهدات. فهذا معنى الآية، أي: الذين تحالفتم أنتم وإياهم بأيمان مؤكدة، فآتوهم نصيبهم من الميراث، أي: أن هذا التحالف يحصل به التوارث. فهل هذا الحكم ما زال باقيا أو أنه منسوخ؟ يقول: القول الأول أنها منسوخة. قال ابن كثير رحمه الله: كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا، ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة. قال البخاري رحمه الله: حدثنا الصلت بن محمد، قال: حدثنا أبو أمامة إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ قال: ورثه، ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصارية دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم. أي: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كان من أوائل ما قام به من الأعمال الأخوة، أن آخى بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بهذه الأخوة. قال: فلما نزلت ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ نسخت أو نسخت -يعني الآية التي قبلها- ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ نسخت بهذه الآية. ثم قال: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له -يعني نسخ حكم التوارث- ويبقى الوصية، لا بأس أن يوصي له. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ قال: قال: فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، ويقول: ترثني وأرثك. وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل حلف في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة»، ولا عقد ولا حلف في الإسلام، فنسختها هذه الآية: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾. كل حلف في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة -يعني تأييدا- إذا كان هذا الحلف لنصرة الحق، وما كان بمعنى ذلك، فالإسلام يأمر بذلك ويحث على ذلك. وأما ابتداء العقد والحلف على التوارث، فهذا قد نسخ، فلا عقد ولا حلف في الإسلام. قال: ثم قال: وروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والحسن، ومن المسيب، وأبي صالح، وسليمان بن يسار، والشعبي، وعكرمة، والسدي، والضحاك، وقتادة، ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: هم الحلفاء. انتهى كلامه رحمه الله. وحديث ابن عباس رواه مسلم، وأحمد، والنسائي، من حديث جبير بن مطعم، ورواه أحمد أيضا من حديث أم سلمة، وهو حسن في الشواهد. والمراد في الحديث: لم يزده الإسلام إلا شدة، أي: الحلف على الحق والنصرة والأخذ بيد الظالم. والحلف المنفي هو التحالف على الشر وقطيعة الرحم وحصول التوارث به، فلا توارث بالحلف، كما هو قول الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد، في المشهور عنه، خلافا لأبي حنيفة الذي ذهب إلى التوارث بالحلف وبقائه. إذن هذا القول الأول: أن هذا الحكم منسوخ، أن الحلف الذي كانوا يتوارثون به فهو منسوخ، وقد رفع هذا الحكم، فلا توارث بالحلف، وهو قول الجمهور، خلافا لأبي حنيفة. قال: القول الثاني: أن هذه الآية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتى بعضهم بعضا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك دون الميراث. قال به ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ورجحه القرطبي وابن جرير، وجعل الآية محكمة. هذا القول الثاني قالوا: بأن الآية محكمة ليست منسوخة، وأن المراد بها الحلف على النصرة والنصيحة دون الميراث. قال: القول الثالث: أنها نزلت في الذين كانوا يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية، فأمروا في الإسلام أن يوصوا لهم عند الموت وصية. وروي عن سعيد، ومن المسيب، القول الثالث: أن الآية نزلت في من كانوا يتبنون أبناء غيرهم. كان في الجاهلية يتبنى الإنسان ولدا فينسبه إلى نفسه، ومن ذلك تبني النبي عليه الصلاة والسلام لزيد بن حارثة، كان يدعى بزيد بن محمد. كان هذا في الجاهلية منتشرا، ثم جاء الإسلام ونسخ هذا الحكم أو حرم هذا الأمر، وأمر بأن ينسب الأبناء إلى آبائهم، يدعوهم لآبائهم، هو أقصد عند الله. فيقولون: أن الآية نزلت في هؤلاء، في من يتبنى أبناء غيرهم، فأمروا أن يوصوا لهم لأنهم لا يرثون منهم، لا يرثون منهم لأنهم ليسوا بأبناء حقيقة، أبناء نسب، وإنما أبناء تبني، فأمروا أن يوصوا لهم بشيء عند الموت. قال: والصحيح القول الأول: أن الآية منسوخة. وما ذهب إليه ابن جرير من أن الآية إنما دلت على الوفاء بالحلف والعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي محكمة غير منسوخة، ليس بصحيح. قال ابن كثير: فيه نظر. فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث، كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قرابته وذوي رحمه، حتى نسخ ذلك. فكيف يقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة؟ انتهى كلام رحمه الله. أي: كلام ابن كثير. قال: هذا ما رجحه من العرب في أحكام القرآن. وقد يقال: ما كان الحلف على الإرث فهو منسوخ، وما كان على النصرة وغيرها فهو محكم، فيجمع بين القولين، كما يشير إليه كلام ابن كثير. والله أعلم -يعني يمكن أن يجمع بين القولين بهذا- ما كان من الحلف فيه التوارث فهذا منسوخ، وما كان فيه معنى النصرة على الحق ونصرة المظلوم وزجر الظالم فهذا محكم باق، فالإسلام يأمر مثل ذلك بالأخذ على يد الظالم وإعانة المظلوم. قال: قوله والحبس للزاني، قال: يريد قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾. ثم نسخت بآية النور: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة﴾ الآية. فكان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت، فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت أو يجعل الله لها سبيلا. كان هذا الحكم في أول الإسلام، الزانية تحبس تحبس حتى تموت وهي محبوسة، أو يجعل الله عز وجل لها سبيلا. قال: والسبيل الذي جعله الله، والناسخ لذلك -أي الناسخ لهذا الحكم- وهو حبسها في البيت. قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم، بالجلد إن كانت غير محصنة، فإنها تجلد مئة جلدة، وإن كانت محصنة فإنها ترجم بالحجارة حتى الموت. ومعنى محصنة: أنها تزوجت بنكاح صحيح، ووطئت فيه. المحصن في باب الزنا: من تزوج بنكاح صحيح، ووطئ فيه، ثم وقع في الزنا، فهذا حكمه الرجم حتى الموت. وأما إن وقع في الزنا قبل الإحصان، قبل أن يتزوج، فإن حكمه الجلد، أن يجلد مئة جلدة، ويغرب عاما. قال: وكذا روي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخرساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك، أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره -يعني نسخ هذا الحكم- قال: وروى مسلم وأصحاب السنن من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». البكر بالبكر -البكر المراد به الذي لم يتزوج- الذي لم يتزوج ويطأ في هذا الزواج، فهو في حكم البكر. البكر بالبكر يعني إذا زنى البكر بالبكر، فالحكم جلد مئة وتغريب عام، يغرب عن وطنه عاما حتى يحسن حاله، وكذلك يبتعد عن مواطن هذه الفواحش. والثيب بالثيب جلد مئة والرجم، الثيب يعني الذي هو محصن، قد تزوج ووطئ بهذا الزواج، تزوج من نكاح صحيح، وحصل منه الوطء، ثم وقع في الزنا، فإنه يجلد إذا زنى بثيب، فكلاهما يجلد مئة ويرجم. وسيأتي هل هذا الحكم ما زال باقيا، هو الجمع بين الرجم والجلد. قال: مسألة: هل يجمع بين الرجم والجلد في حق الثيب؟ ذهب إلى الجمع جماعة من السلف، منهم ابن عباس، وأبي بن كعب، وأبو ذر، والحسن البصري، وداود الظاهري، وهي رواية عن الإمام أحمد، أخذ بها الخرقي والقاضي وأبو الخطاب. أخذوا بهذا الحديث -يعني في ذكر الجلد والرجم- «والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». قال: وقد جلد ورجم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ولما سأله الشعبي عن وجه الجمع بين الحدين، قال: جلدت بكتاب الله، ورجمت بسنة رسول الله. وذهب جمهور العلماء إلى أن الثيب يرجم فقط من غير جلد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك، فدل على أن الرجم ليس بحتم. فدل على أن الجلد -هذا خطأ هنا مكتوب- فدل على أن الرجم والصواب على أن الجلد ليس بحتم بل هو منسوخ. وهذا ما رجحه ابن كثير وابن القيم كما في الزاد. قال رحمه الله: حديث عبادة كان في أول الأمر عند نزول حد الزان، ثم رجم ماعزا والغامدية، ولم يجلدهما، وهذا كان بعد حديث عبادة بلا شك. انتهى كلام رحمه الله. وهذا هو الراجح: أن الزان المحصن لا يجمع في إقامة الحد عليه بين الرجم والجلد، وإنما يرجم فقط، ولا يجلد، لأن هذا هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم. فيكون الجمع بينهما -أي بين الجلد والرجم- حكم الجلد أنه منسوخ، وإنما يكتفى بالرجم فقط. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.