الدرس في التعليق على الجواب الكافي 110، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حقيقة الشرك بأنها تشبه المخلوق بالخالق وتجاوز خصائص الإلهية لله وحده. يبين ابن القيم أن الشرك يكون بتشبيه العاجز الفقير بالقادر الغني.
العبادة هي غاية الحب وغاية الذل لله وحده، وتفاوت الناس في العبادة بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. بعض العبادات القلبية لا تكون إلا لله وحده.
يتناول المقطع خصائص الإلهية مثل السجود والتوكل والتوبة والحلف باسمه، ويبين أن تشبيه المخلوق بالخالق أو العكس يعد شركًا بالله. كليهما يعتبر شركاً ويتطلب فهماً دقيقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى الإمام ابن القيم أن حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق وتشبيه المخلوق به، والشرك لا يخرج عن هذا، ما أعلم، عن ما ذكره رحمه الله. إما الشرك يكون تشبهًا بالخالق، وهو الشرك في الربوبية غالبًا، أو تشبيه المخلوق به، وهو جعل له خصائص من خصائص الإلهية أو من خصائص الربوبية، فيكون قد أشرك بالله عز وجل ذلك العاجز الفقير بالذات. فقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات"، أي وصف الفقير الإنسان، وصفه الفقر، أي أنه محتاج إلى الله، ليس المراد فقر أنه بدون مال، وإنما هو محتاج إلى الله عز وجل. وربنا جل وعلا الغني سبحانه وتعالى بالذات، أي وصفه الغني، غني الذات جل وعلا، فهو الصمد الذي يحتاج إليه ولا يحتاج لأحد، فلهذا فتشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات هذا من أقبح التشبيه. قال رحمه الله: "من خصائص الإلهية معنى التي لا يعتقد فيها إلا لله عز وجل". قال: "من خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب". فهذه العبادة كلها تكون لله عز وجل؛ لأنه سبحانه وتعالى له الكمال المطلق من جميع الوجوه، فأسماؤه حسنة وصفاته عليا، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، بل كلها كمال في كمال سبحانه وتعالى. فهو المستحق لأن يعبد جل وعلا؛ لأنه هو الذي خلق، وهو الذي رزق، وهو الذي سخر، وهو الذي يحيي ويميت سبحانه وتعالى. فلماذا تصرف العبادة لغيره؟ لهذا العاجز الفقير الذي لا يستحق أن يعبد، فيشبه بالخالق جل وعلا؟ فهذا من خصائص الله، وليست من خصائص البشر أو من خصائص المخلوقين. قال: "كل ذلك عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره". فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره تعالى، فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فليس شبيه الله عز وجل، وكفؤ له أحد سبحانه وتعالى، بل هو المتفرد بالألوهية والمتفرد بالربوبية سبحانه وتعالى جل وملكه جل وعز وجل وعز. قالوا: "من خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل". هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. كما قال رحمه الله في نونيته: "وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبٍّ مَعَ ذُلِّ عَابِدٍ هُمَا قُطْبَانِ". فأصل العبادة التي هي فعل العبادة، فهي غاية الحب وغاية الذل، هذا أصل العبادة؛ لأن العبادة مأخوذة من التعبد، وهو التذلل. عبد أي ذل، فالعبادة هي غاية الذل مع غاية الحب؛ لأن العبادة لا تكون إلا بالمحبة. فحقيقة العبادة، وهو فعل العبادة، غاية الحب وغاية الذل. وأما بالنسبة للمفعول، مفعول هذه العبادة، فهي كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنها "إثم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة". فيقول المؤلف رحمه الله: "أن من خصائص الإلهية التي اختص بها الرب جل وعلا العبودية، أنه يعبد وحده لا شريك له، التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الذل وغاية الحب". هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. أنا حتى العبادة فيها تفاوت، فمن كمل حبه لله عز وجل وغاية ذله وخشوعه وخضوعه لله، كان أطوع لله عز وجل من غيره. ولهذا كان الأنبياء هم أسبق الناس في هذا المضمار. ولهذا ذكر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بلفظ العبودية في أعلى المقامات، وصفه بالعبودية في أعلى المقامات، في مقام التوحيد، في مقام العبادة، وفي مقام الدعوة، وغيرها من المقامات العظيمة التي ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم، بل أنبياءه، بالعبادة، أي بغاية الحب وغاية الذل. قال: "فمن أعطى حبه ودله وخضوعه لغير الله، فقد شبهه به في خالص حقه، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع". انظر إلى هذا الكلام العظيم الذي يذكره ابن القيم رحمه الله، وانظر إلى ما يفعله الروافض، وكذلك أتباع القبور من الصوفية وغيرهم، أنهم يخضعون لمخلوقين ويعبدون، وأيضًا كذلك يعطونهم غاية الذل وغاية الحب، وكأنهم آلهة، بل يجعلونهم آلهة من دون الله جل وعلا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾. فهذه كلها الأشياء لا يملكونها، فكيف تكون آلهة؟ قال: "وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل". يعني: يقول من المحال أن تأتي شريعة بأن تجعل للمخلوق هذه العبادة. وأيضًا قبحه، أي الذل للمخلوق والخضوع للمخلوق، وكذلك المحبة مع التعظيم، أنا ما يكون إلا لله، محبة مع ذل، هذا بعيد جدًا تكون للمخلوق. حتى في واقع الناس ما يكون الذل لإنسان غالبًا ما يحبه، غالبًا ما يحبه، لكن يتظاهر له بالمحبة. لكن الله عز وجل فطر قلوب عباده الذين رجعوا إليه، فإنه سبحانه وتعالى استحقوا العبادة؛ لأنه هو الذي المنعم عليهم، فلهذا فهم يدلون له، فالذل لله عز وجل. فمن أراد العزة، فإن العزة لله جميعًا، فهو يعز من ذل له وخضع له سبحانه وتعالى، يعزه في الدنيا والآخرة. ولهذا تجد أهل الإيمان أكثر الناس عزة، لا يستعينون بأحد، أقصد أنهم لا تركن قلوبهم إلى أحد، وإذا سألوا سألوا الله جل وعلا. ولهذا كمال العبادة أن الإنسان لا يسأل أحدًا أمر الدنيا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". قالوا: "لكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم، واجتالتهم عنها". قالوا: "مضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى، فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه مما يوافق فطرهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نورًا على نور، يهدي الله لنوره من يشاء". أنا هناك أناس قد كانت فطرهم خالصة وصافية كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلما جاءتهم الرسالة زادتهم نورًا على نورهم، يهدي الله لنوره من يشاء. قال: "إذا عرف هذا، أو إذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود؛ لأن السجود خضوع وذل لا يكون إلا لله، ولا ينبغي أن يكون إلا لله". فمن سجد لغير الله فقد شبه المخلوق به. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يسجد أحد لأحد، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها». قالوا: "منها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به". فالتوكل عبادة قلبية لا تكون إلا لله. قالوا: "منها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به". والتوبة هنا المراد بها عن الذنوب والمعاصي، فإن العبد لا يتوب إلا لله، لا يتوب للمخلوقين. ولهذا لما قالت عائشة رضي الله عنها: "إني لا أتوب إليه" -أي النبي صلى الله عليه وسلم- "وإنما أتوب إلى الله". فجاء في بعض الحديث أنه قال: «عرف الحق لأهله». لكن الحديث لا يصح، لكن معناه صحيح. إذا كان من المعاصي والذنوب، فإنه لا يتاب إلا لله عز وجل. وأما إن كان الأمر بين بين الشخص وآخر، إما أن يكون من أهله أو من غير أهله، فيراجعه، وأيضًا يطلب العفو منه، فهذا لا شك أنه من الأمور الفاضلة التي تكون بين الناس. أما التوبة من الذنوب والمعاصي، فهي لله عز وجل، فلا يتاب إلى أحد من المخلوقين. فمن جعل التوبة للمشايخ أو للعظماء وغيرهم من هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله، فهو قد أشرك بالله جل وعلا. قالوا: "من الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا، فمن حلف بغيره فقد شبهه به". هذا هو جانب التشبيه، هذا جانب التشبيه، وهو جانب من جوانب الألوهية لله عز وجل. أقصد أنه من شبه الله عز وجل بخلقه أو شبه الخلق بالله، فإنه قد أشرك بالله جل وعلا. وأما جانب التشبه به، فهذا معنى الشرك كما ذكر المؤلف على أمرين: إما أن يشبه المخلوق بالخالق، وإما أن يتشبه بالخالق. فذكر المؤلف أولًا الأمر الأول، وهو أن يشبه المخلوق بالخالق، ثم ذكر الأمر الثاني: أن يتشبه المخلوق بالخالق سبحانه وتعالى. معناه: هناك تشبيه المخلوق بالخالق، وهناك التشبه بالخالق، فكلاهما شرك وحقيقة الشرك بالله جل وعلا. وإن شاء الله تعالى التشبه به سبحانه وتعالى نجعله في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.