الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 363، ألقاها
تناول المقطع حادثة خروج علي بن أبي طالب من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الأخير، واستدلال العباس بن عبد المطلب بوفاة النبي وتوقع انتقال الخلافة. يشير إلى بداية مرحلة جديدة بعد وفاة النبي.
يتناول المقطع آداب الكتابة والرسائل، حيث يشير إلى جواز التوقع والظن في بعض الأمور، ويبين كيفية كتابة الرسائل بشكل صحيح بدءًا ونهاية بالسلام.
يشرح المقطع عناصر الرسالة الإسلامية بدءًا بالبسملة وذكر المرسل والمرسل إليه، ثم السلام والحمد، واستخدام 'أما بعد' للفصل بين المقدمة والموضوع، وختمها بالسلام والدعاء وتاريخ كتابتها.
يتم التأريخ للرسائل بذكر الوقت والزمن الذي كتبت فيه، ويُظهر أهمية ذلك في آخر الرسالة المكتوبة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا إسحاق بن يحيى الكلبي، قال: حدثنا الزهري، وقال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، قال: وكان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تيب عليهم -يعني أن والده، والد عبد الله، كعب بن مالك- أحد الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله جل وعلا عليهم، ومكعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قال: أن ابن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا. قال: فأخذ عباس بن عبد المطلب بيده، فقال: أرأيتك، فأنت والله بعد ثلاث عبد العصى. وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى في مرضه هذا، إني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر، فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله إن سألناه فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده أبدا. وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا. هذا الحديث حديث صحيح، وقد أخرجه البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب المغازي، في باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته. في هذا الحديث أن ابن عباس أخبر عبد الله بن كعب أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه -يعني في مرض موته الذي مرض فيه النبي عليه الصلاة والسلام ولازمه المرض حتى توفي عليه الصلاة والسلام- خرج علي من عنده، فقال الناس: يا أبا الحسن -يعني ينادون عليا رضي الله تعالى عنه- كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا هو وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث، هو قولهم لعلي رضي الله عنه: كيف أصبح رسول الله؟ فدل هذا على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يستعملون هذا الخطاب والسؤال لكيف أصبحت وكيف أمسيت. قال: فقال أصبح بحمد الله باريا، وهذا فيه أن الجواب إذا سئل الإنسان بنحو هذا السؤال أن يجيب بحمد الله: كيف أصبحت؟ الحمد لله، أصبحت بحمد الله باريا. وهذا إذا كان مثلا قد أصابه شيء من المرض، أصبحت بحمد الله سالما، أو أصبحت بحمد الله بخير، أو نحو ذلك من الأجوبة التي يجاب بها عن مثل هذا السؤال بعد حمد الله. قال: فأخذ عباس بن عبد المطلب بيده، فقال: أرأيتك، فأنت والله بعد ثلاث عبد العصى. أرأيتك يعني بمعنى أعتقد، أظن أنت -يعني يخاطب عليا رضي الله عنه- بعد ثلاث يعني بعد ثلاثة أيام عبد العصى. ومعنى عبد العصى أي أنك ستكون تابعا ماذا لغيرك؟ ستكون تابعا لغيرك، وستكون مأمورا لا أميرا. وهذا قاله العباس رضي الله تعالى عنه من قوة فراسته، كما قال الحافظ رحمه الله، إذ أنه تفرس من مرض النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيموت، وإذا مات انتقلت الخلافة وصار الأمر إلى غيره، وحينئذ سيكون عليا تابعا لمن تولى الخلافة والأمر من بعد النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وإني والله لا أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى في مرضه هذا، إني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. هذا قاله العباس رضي الله تعالى عنه من باب التوقع والظن والنظر في ماذا حال المريض، وما وصل إليه من حال وشدة المرض نحو ذلك، قد يتوقع الإنسان أنه سيموت. فإن قال مثل ذلك من باب ماذا الظن؟ وكذلك غلبت الظن، فهذا جائز، مثلا أن يقول: إني أرى فلانا ماذا سيرحل أو سيموت أو نحو ذلك، على ما يرى من قراء الحال التي وصل إليها وشدة المرض الذي وقع به. لكن لا يجزم؛ لأن الأمر بيد الله، الأمر بيد الله. وكان من مريض ربما يمرض ويشتد به المرض، وما تدري إلا وقد عوفي وشفاه الله سبحانه وتعالى وقام من مرضه الذي أصابه. لكن إن قال مثل ذلك من باب التوقع والظن فهذا جائز، لكن ما يأتي بمثل هذا الكلام لأهل المريض -يعني ما يقول لهم مثلا إذا مات أبوكم أخبروني- لا، هذا الكلام لا شك أن فيه شيئا من الأذية، وفي شيء من الأذية لهم وإيقاع الحزن عليهم، فما يأتي مثل هذه العبارات التي تكون فيها شيئا ماذا من الأذية. قال: إني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت -يعني تفرس العباس رضي الله تعالى عنه بالمرض النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي عليه الصلاة والسلام سيموت- قال: فاذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر -يعني أمر الخلافة من سيكون الخليفة بعد النبي عليه الصلاة والسلام- قال: فإن كان فينا علمنا ذلك -يعني إن أوصى لنا وكنا نحن الذين نتولى هذا الأمر بعده علمنا ذلك- وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا -يعني إن أخبر أن هذا الأمر في غيرهم فإننا نكلمه أننا نحن أولى أن يكون الأمر إلينا فأوصى بنا أوصى أن تكون الخلافة إلينا- قال: فقال علي: إنا والله إن سألناه فمنعنا إياها -يعني إن سألناه الإمارة والخلافة فمنعها ولم يعطينا إياها- قال: لا يعطيناها الناس بعده أبدا -يعني لو جئنا وأردنا الخلافة بعد ذلك ما سيعطينا الناس الخلافة، سيقولون: هؤلاء منعهم النبي عليه الصلاة والسلام- سنحرم ماذا أمر الخلافة؟ قال: وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا. وهذا فيه أن عليا رضي الله عنه لم يسأل الخلافة ولا بحث عنها، ولا حريص على سؤال النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالخلافة لعلي، ولا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالخلافة لعلي رضي الله تعالى عنه، فما يدعيه الرافضة والشيعة من أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى بالخلافة لعلي وأن الصحابة كتموا ذلك، كل هذا من الكذب والافتراء على النبي عليه الصلاة والسلام. الشاهد من هذا الأثر هذا الحديث هو قول الناس لعلي: كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا. قلنا: هذا فيه جواز السؤال بقولك كيف أصبحت؟ باب من كتب آخر الكتاب السلام عليكم ورحمة الله، وكتب فلان ابن فلان لعشر بقين من الشهر. قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني أبي -وهو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان- أنه أخذ هذه الرسالة من خارجة بن زيد ومن كبراء آل زيد: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زيد بن ثابت. سلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك تسألني عن ميراث الجد والإخوة، فذكر الرسالة. ونسأل الله الهدى والحفظ والتثبت في أمرنا كله، ونعوذ بالله أن نظل أو نجهل أو نتكلف ما ليس لنا به علم. هكذا عندي، ولعل الصواب العبارة: أو نتكلف ما ليس لنا به علم. قال: والسلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ومغفرته. وكتب أهيب يوم الخميس لثنتي عشرة بقيت من رمضان سنة اثنين وأربعين. هذا الأثر حسن العلامة الألباني رحمه الله، والإمام البخاري رحمه الله ترجم هذا الباب بقوله: باب من كتب آخر الكتاب السلام عليكم ورحمة الله، وكتب فلان ابن فلان لعشر بقين من الشهر -يعني من بدأ كتابه بالسلام وختمه بالسلام- من بدأ كتابه بالسلام وختمه بالسلام، فهذا من الأمور التي ينبغي فيمن كتب الكتاب أو رسالة، كما أنه يبدأها بالسلام، فإنه كذلك ينبغي أن يختمها بالسلام، فيسلم في أوله ويسلم في آخره. ثم بعد ذلك كذلك يذكر التاريخ، يؤرخ هذه الرسالة وهذا الكتاب أنها كتبت في يوم كذا وفي تاريخ كذا وكذا، فيعلم الزمن الذي كتبت فيه هذه الرسالة. وهذا بعد أن يعني يبدأ أولا بالبسملة، كما مر معنا في الآثار الأبواب السابقة، يبدأ بالبسملة، ثم بذكر صاحب الرسالة، ثم المرسل إليه أو العكس، ثم بعد ذلك بالسلام، ثم بعد ذلك بذكر الله أو الحمد لله سبحانه وتعالى، ثم أما بعد، ثم يذكر الموضوع، ثم بعد أن ينتهي يختم بالسلام. وإن ختم بعد ذلك بشيء من الدعاء، كما سيأتي معنا في هذا الأثر، ثم بذكر التاريخ الذي كتبت فيه هذه الرسالة. ذكر هذا الأثر أن أبا الزناد وعبد الله بن ذكوان أخذ هذه الرسالة من خارجة بن زيد ومن كبراء آل زيد، أن فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زيد بن ثابت. سلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله، فإني أحمد الله أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. وقد مر معنا ذكر هذه الرسالة وهذا الأثر مختصرا في الأبواب السابقة. قال: أما بعد، فإنك -وأما بعد كذلك مر الكلام عليها في الأبواب السابقة- وأنها يعني يؤتى بها للفصل بين المقدمة والحمد والثناء، ثم الابتداء في الموضوع، ومعناها: مهما يكون من شيء بعد، فإنك تسألني عن ميراث الجد والإخوة، فذكر الرسالة. وهذا من باب الاختصار، هذا من باب الاختصار، إذا أراد الإنسان أن يختصر الكلام أو يختصر رسالة يريد أن ينبه عليها فيذكر يعني ما يدل على محتوى الرسالة. فقوله: فسألتني عن ميراث الجد والإخوة، علم أن هذه الرسالة عبارة عن سؤال عن ميراث الجد والإخوة، ولم يذكر ماذا بقية السؤال أو الجواب؛ لأن المقصود هو الإشارة فقط إلى محتوى ومضمون الرسالة. ثم قال: أي بعد انتهائه من كتابته لهذه الرسالة -والمقصود كما قلنا هو ذكر وجه الشاهد من هذه الرسالة- قال: ونسأل الله الهدى والحفظ والتثبت في أمرنا كله، ونعوذ بالله أن نظل أو نجهل أو نتكلف ما ليس لنا به علم. وهذا فيه كذلك أيضا أنه من الأمور المستحسنة بعد الانتهاء من الرسالة أن يختمها بالدعاء، أن يختمها بالدعاء، الدعاء له ولصاحب الرسالة: نسأل الله الهدى أن يهدينا إلى ما فيه الحق والصواب، والحفظ والتثبت في أمرنا كله -يعني أن نكون موفقين للتثبت وكذلك إصابة الحق- وهكذا أيضا استعاذة بالله جل وعلا من الضلال والابتعاد عن الحق، أو نجهل -يعني أن نكون ممن يوصف بالجهل والسفه والبعد عن الصواب- قال: أو نتكلف ما ليس لنا به علم، أيضا هذه من الأمور العظيمة أن الإنسان يقول على الله جل وعلا بلا علم، وأن تقول على الله ما لا تعلمون: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، فالإنسان يحذر أن يقول على الله جل وعلا بلا علم أو يتكلف ذلك، يريد أن يجيب عن شيء وهو لا يعلمه فيتكلف ويقول على الله جل وعلا بلا علم، فهذا فيه استعاذة من هذا الأمر، تطلب من الله جل وعلا أن يعصمك وأن يعصمك من الوقوع في مثل ذلك. ثم قال: والسلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فختم الرسالة بالسلام، ختمها بالسلام كما بدأها بالسلام. وقوله: ومغفرته، مر معنا في أبواب سابقة ماذا الاستدلال بهذا الأثر على جواز الزيادة في السلام على قوله: وبركاته؟ وقوله: وكتب أهيب يوم الخميس ثنتي عشرة بقيت من رمضان -يعني أنه أرخ الرسالة بعد أن انتهى من كتابتها- كتب التاريخ واليوم الذي كتبت فيه هذه الرسالة. وهذا كما قلنا فيه ماذا استحباب ذلك؟ أن الإنسان يختم الرسالة بعد الانتهاء من كتابتها، وبعد السلام على صاحب الرسالة يكتب ويؤرخ الوقت الذي كتبت فيه هذه الرسالة واليوم أو السنة كذلك الذي كتبت فيه هذه الرسالة. والشاهد منه هو ما بوب عليه الإمام البخاري رحمه الله: باب من كتب آخر الكتاب -يعني آخر رسالة التي كتبها- السلام عليكم ورحمة الله -أي سلم- ثم يكتب فيها التاريخ الذي كتبت فيه هذه الرسالة. قوله: كتب فلان من فلان لعشر بقين من الشهر -يعني على حسب الوقت والزمن الذي كتبت فيه هذه الرسالة- لعشر بقين أو لخمس أو لست على حسب الوقت والزمن الذي كتبت فيه.