الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشرح بتوضيح سند الحديث ودرجة صحته ومعناه، ويبين أن الإسلام يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة. الحديث للإمام النووي ويتناول حسن إسلام المرء بترك ما لا يعنيه.
يتطرق إلى معنى حسن الإسلام ومرتبة الإحسان، حيث يشير إلى أن حسن الإسلام يعني الامتثال الظاهر والباطن لشرائع الإسلام، وأن مرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الإسلام وتتعلق بعبادة الله بإخلاص.
يؤكد على أهمية ترك ما لا يعنيه المرء، سواء كان ذلك في المحرمات أو المكروهات أو المشتبهات أو حتى فضول المباحات، لتحسين إسلام الإنسان وحمايته من الوقوع في المحرمات.
يناقش عواقب التدخل فيما لا يعني المرء، حيث يبين أن ذلك يسيء إلى المرء وإسلامه ويعرضه للحرج والمذمة والمؤاخذة، ويشدد على ضرورة تجنب مثل هذه الأمور.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام يحيى مشرف النووي رحمه الله في كتاب الأربعين نووية: الحديث الثاني عشر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». قال: حديث حسن، رواه الترمذي وغيره. هكذا قال الشارح وفقه الله: هذا الحديث أخرجه الترمذي في الجامع، وابن ماجة في السنن، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مسندا، يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ثم رواه الترمذي من حديث علي عن الحسين رحمه الله، أحد التابعين، مرسلا، وهو المحفوظ في هذا الباب، أي رواية المرسلة. ذكرها الإمام الترمذي، قال: وهذا هو المحفوظ، يعني أن هذا الحديث مرسل، ليس موصولا أو مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والرواية الأولى، حيث أخرجها الترمذي من حديث أبي هريرة، لما ذكره الإمام الترمذي، قال: هذا حديث غريب، لا نعرف إلا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة. والإمام الترمذي إذا قال في حديث: حديث غريب، يعني ضعيف لمعنى أنه ضعيف. قال: فلا يثبت هذا الحديث مسندا، وهو إن كان مضعفا من جهة الرواية، فهو صحيح من جهة الدراية، يعني من جهة المعنى. قال: فهو من جهة نسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواية يكون ضعيفا، أما من جهة معناه فإنه صحيح؛ لأن أصول الشرع وقواعده تدل عليه وتشهد له، يعني لا يلزم من ضعف الحديث ضعف ما دل عليه من معنى، قد يكون الحديث ضعيفا من حيث السند، لكن متن هذا الحديث يكون معناه صحيح، تدل عليه أدل أخرى، إما من الكتاب وإما من السنة. قال: وفي الحديث الإرشاد إلى ما يقع به حسن الإسلام، والإسلام اسم لجميع شرائع الدين كلها، الباطنة والظاهرة، كما مر معنا في الأحاديث السابقة: أن الإسلام يطلق ويراد به الإيمان، ما يتعلق باعتقاد القلب والإيمان بأركان الإيمان، ويطلق ويراد به شرائع الإسلام الظاهرة، كالصلاة والصيام والزكاة والحج. فهنا يعني ذكر أن الإسلام اسم لجميع شرائع الدين تشمل الأعمال الظاهرة والباطنة. قال: وله مرتبتان: الأولى مطلق الإسلام، وهو القدر الذي يثبت به الإسلام، فمتى التزمه العبد صار مسلما، داخلا في جملة أهل القبلة، وحقيقته التزام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. هذا ابتداء يعني إذا مثلا كافر، رجل كافر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، صار بهذا مسلما، صار بهذا مسلما، فيحكم له بالإسلام. ثم بعد ذلك لا بد من الالتزام ببقية الشرائع، لو أن مسلما يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة، أنكر مثلا وجوب الصلاة، قال: ما في صلاة واجبة، ما في صلاة واجبة، فإنه يكفر بذلك، ولا ينفعه أن نطق بالشهادتين. لكن المقصود أن ابتداء من نطق بالشهادتين صار مسلما، وحكم له بالإسلام، لكن لا بد بعد ذلك أن يأتي ببقية الشرائع، وأن لا يقع في ناقض من نواقض الإسلام. قال: والثانية حسن الإسلام، وحقيقتها امتثال شرائع الإسلام ظاهرا وباطنا، باستحضار مشاهدة الله أو مراقبته عبده. وهذه المرتبة هي التحقق بمقام الإحسان المذكور في حديث عمر في قصة جبريل عليه السلام، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فيكون العبد فيها في عبادته بين المشاهدة والمراقبة: أن تعبد الله كأنك تراه، هذه منزلة المشاهدة، كأنك ترى الله بعينيك. فإن لم تكن تراه، وهو الواقع، فتعبده عبادة المراقبة والخوف، تعلم أن الله يراقبك، وأن الله مطلع عليك. فيريد بهذا أن هذه المنزلة هي أعلى مراتب الإحسان في الإسلام، هي مرتبة الإحسان في العبادة، أن تعبد الله عز وجل على هذه المرتبة العظيمة، وهي عبادة المشاهدة أو المراقبة: تعبد الله كأنك تراه، كأنك تراه وتشاهده. فإن لم تكن تراه، فتعبده عبادة المراقبة والاطلاع، تعلم أن الله عز وجل مطلع عليك ومراقب لك، فلا تفرط في واجب، ولا ترتكب محرما. قال: والمذكور في حديث الترجمة يتعلق بالمرتبة الثانية، فمن حسن إسلام العبد أن يترك ما لا يعنيه. ومعنى يعنيه: أي تتعلق به عنايته وتتوجه إليه همته، فيكون مقصوده مطلوبه هذا الشيء الذي يعني الإنسان، الشيء الذي يعنيك، أي الذي تتعلق به عنايتك أنت، تحتاج إلى فعله وتتوجه إليه همتك ونشاطك ورغبتك، ويكون يعني لك مقصدا من فعله. هذا الشيء الذي يعنيك. قال: والذي لا يعني العبد هو ما لا يحتاج إليه في مصالح دينه ودنياه. وأفراده لا تنحصر، يعني أفراد هذه الأشياء التي لا تعني العبد أشياء كثيرة، فعلية وقولية. لكن يقول: لكنها ترجع إلى أربعة أصول. أولها المحرمات، وثانيها المكروهات، وثالثها المشتبهات لمن لا يتبينها، ورابعها فضول المباحات. والمراد بها ما زاد عن حاجة العبد من المباح. فإلى هؤلاء الأصول الأربعة ترجع أفراد ما لا يعني العبد. فإذا كان شيء ما تريد فعله يرجع إلى واحد منها، فاعلم أن عنايتك لا ينبغي أن تتعلق به؛ لأن من حسن الإسلام أن تتركه، يعني الشيء الذي تريد أن تفعله وهو يرجع إلى أحد هذه الأصول الأربعة: شيء محرم، أردت أن تقول قولا محرما، كغيبة أو نميمة أو كذب أو شهادة زور، إلى آخره، إذن هذا شيء مما لا يعنيك، فاتركه حتى يسلم لك إسلامك ويحسن إسلامك، ولا تسيء إلى إسلامك. كذلك فعل، أردت أن تفعل فعلا محرما، كزنا أو لواط أو سرقة، أو أكل رشوة، أخذ رشوة، أو غير ذلك من الأمور المحرمة، ويعني مما لا تعداد له من المحرمات، فإنك تتركه؛ لأن هذا مما لا يعنيك، الذي ينبغي أن تتركه وتجتنبه حتى يحسن لك إسلامك. كذلك المكروهات، المكروهات أشياء، المكروهة ينبغي اجتنابها والابتعاد عنها حتى لا تسيء إلى إسلامك. قد يقول: أليس المكروهات غير محرمة؟ الجواب: نعم، هي غير محرمة، لكن التساهل في المكروهات قد يؤدي إلى الوقوع في المحرمات، قد يؤدي إلى الوقوع في المحرمات. فكون الإنسان يقول: هذا مكروه، يفعله، هذا مكروه يفعله، هذا التساهل سيؤدي به إلى أن يقع في الحرام، يؤدي به إلى أن يقع في الحرام. لكن لو اجتنب المكروهات وصار في منأى منها، فبذلك يسلم من الوقوع في المحرمات. إذا كان هو يعني رب نفسه أن لا يرتكب المكروهات، مع أن فعلها ليس بمحرم، فمن باب أولى أن يكون مجتنبا للحرام. لكن إذا كان تساهل في المكروهات، يعني لا يبالي بفعلها وبارتكابها، هذا سيؤدي به إلى التساهل والوقوع في الحرام. كذلك الأمر الثالث: المشتبهات لمن لا يتبينها، أشياء التي فيها شبهة، فإنه ينبغي أن يجتنبه وأن يتركه. ما يقول: والله الأمر سهل، ماذا منه؟ غير صريح، غير بين في التحريم، فأنا أفعله. فهنا سيسيء إلى إسلامه. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، هو يستبرأ لدينه، يسلم دينه أن يصيبه شيء من النقص والخلل والزلل والإساءة. نعم، فإذا تساهل في فعل المشتبهات، قال: ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام. إذن الأمور المشتبهة التي لم يتضح له فيها حلها ينبغي أن يجتنبها: معاملة من معاملات فيها شبهة، اتركها. أمر من الأمور، شيء يعني من المأكولات فيها شبهة، اتركه. وهكذا أي شيء فيه شبهة لم يتبين حله، فعليك أن تجتنبه حتى يحسن إسلامك. كذلك أيضا فضول المباحات، الشيء الزائد عن حاجة الإنسان من مأكل أو مشرب أو ملبس أو مركب أو غير ذلك، فكذلك هذه الأشياء مما لا يعني الإنسان، ينبغي أن يجتنبه وأن يتركه. كثرة الكلام، وإن كان أصله مباحا، لكن فضول الكلام كذلك يوقع الإنسان في الزلل، فحتى يسلم لك إسلامك ويحسن إسلامك، دع فضول المباحات واجتنبها. إذن تفاصيل ما ينبغي للإنسان أن يتركه مما لا يعنيه ترجع إلى هذه الأصول الأربع، فيحرص المسلم على أن يترك ما لا يعنيه، سواء كان كما قلنا أمرا قوليا أو أمرا فعليا. وجد إنسان مثلا معه شيء، ما يقول: فلان إيش هذا الذي معك؟ ها إنسان معه كيس فيه شيء، هذا شيء لا يعنيك. من حسن إسلام إسلامك ألا تسأله، ألا تسأله فيما معه. أراد أن الإنسان يذهب إلى مكان: يا فلان أين تريد؟ إذا لم يكن هناك يعني ثم مقصد يعني مقصود من السؤال، إنما مجرد الفضول، مجرد الفضول: أين تريد؟ أين تذهب؟ شيء لا يعنيك، فلا تتدخل فيه. وأكذا قص على هذا أشياء كثيرة. إذا يعني طبق المسلم معنى هذا الحديث في أنه لا يتدخل فيما لا يعنيه، حسن إسلامه، حسن إسلامه، وكملت أخلاقه، وكملت أخلاقه. وإذا وقع في مثل هذه الأشياء، لا شك أنه يسيء إلى نفسه وإلى إسلامه، إذا كان يتدخل فيما لا يعنيه، سواء كان أمرا قوليا، أمرا فعليا، فإنه يوقع نفسه في الحرج، وكذلك أيضا يوقع نفسه في المذمة والمؤاخذة. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.