كتاب الأقضية والشهادات 1

الدرس في كتاب الأقضية والشهادات 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في أحكام القضاء

يتحدث عن معنى القضاء في اللغة والشرع وأدلته من القرآن والسنة وحكمه الشرعي. يشمل ذلك تعريف القضاء وأهميته في الإسلام.

شروط وآداب القاضي

يعدد الشروط الواجب توافرها في القاضي مثل الإسلام والعدالة ومعرفة أحكام الشريعة، ويشمل آداب القاضي مثل الجلوس في مكان بارز وتجنب الحجب عن الناس.

تأثير الغضب على أحكام القضاء

يتناول أثر الغضب على القاضي وفكره، ويشدد على ضرورة تجنب القضاء أثناء الغضب حفاظا على صحة الأحكام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال كتاب الأقضية والشهادات: لا يجوز أن يلي القضاء إلا من استكملت فيه خمس عشرة خصلة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والعدالة، ومعرفة أحكام الكتاب والسنة، ومعرفة الإجماع، ومعرفة الاختلاف، ومعرفة طرق الاجتهاد، ومعرفة طرف من لسان العرب، ومعرفة تفسير كتاب الله تعالى، وأن يكون سميعا، وأن يكون بصيرا، وأن يكون كاتبا، وأن يكون مستيقظا. قال: ويسوي بين الخصمين في ثلاثة أشياء: في المجلس، واللفظ، واللحظ. ولا يجوز أن يقبل الهدية من أهل عمله. ويستحب أن يجلس في وسط البلد في موضع بارز للناس، ولا حاجب له. ولا يقعد للقضاء في المسجد. قال: ويسوي بين الخصمين في ثلاثة أشياء: في المجلس، واللفظ، واللحظ. ولا يجوز أن يقبل الهدية من أهل عمله. ويجتنب القضاء في عشرة مواضع: عند الغضب، والجوع، والعطش، وشدة الشهوة، والحزن، والفرح المفرط، وعند المرض، ومدافعة الأخبثين، وعند النعاس، وشدة الحر والبرد. هذا الكتاب كتاب الأقضية والشهادات. والأقضية جمع قضاء، والقضاء له عدة معاني في اللغة، منها الحكم، ومنها الحكم ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ يعني حكمه بذلك. وفي الشرع هو فصل الخصومة بين اثنين فأكثر بحكم الله تعالى. والأصل في مشروعية القضاء أدل منها قول الله جل وعلا: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾، وقوله سبحانه: ﴿ونحكم بينهم بما أنزل الله﴾، وكذا أيضا: ﴿نحكم بينهم بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾. ومن السنة ما روي عن علي رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا، قال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، تبعثني إلى أناس ذوي أسنان -يعني كبار في السن- وأنا حدث السن ولا علم لي بالقضاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك»، قال: فما زلت قاضيا وما شككت في قضاء بعد. والحديث رواه أبو داود وهو صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء. وحكم القضاء أنه فرض كفاية على أهل الخير والصلاح أن يتولى منهم أو أحدهم القضاء ليحكم بين الناس بالعدل. وأما بالنسبة لولي الأمر ففرض عين عليه أن يولي أحدا القضاء. وأما الشهادات فهي جمع شهادة. وفي اللغة الشهادة إخبار الإنسان بشيء شاهده. وفي الشرع الاصطلاحي الشهادة هي إخبار الإنسان بما شاهده أو علمه، قال الله عز وجل: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾. والأصل فيها قول الله عز وجل: ﴿كونوا قوامين لله شهداء بالقسط﴾، وهكذا أيضا: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾. قال: ولا يجوز أن يلي القضاء -يعني أن يتولى القضاء بين الناس ويحكم بينهم- إلا من استكملت فيه خمس عشرة خصلة. قال: الإسلام، فلا يتولى القضاء كافر. فالكافر ليس أهلا للقضاء حتى لو كان قاضيا بين الكفار وهو في دار الإسلام. لا يجوز أن يتولى القضاء كافر، بل الذي يقضي بين الناس هو المسلم. قال: والبلوغ والعقل والحرية، لابد أن يكون القاضي بالغا عاقلا حرا. لأن عدم توفر هذه الصفات نقص في أهليته لذلك، فالصبي والمجنون والمملوك ليس بأهل للقضاء بين الناس لوجود النقص. قال: والذكورية، كذلك أن يكون ذكرا، فلا تتولى القضاء امرأة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». قال: والعدالة، فلا يتولى الحكم فاسق. فالفاسق ليس أهل لأن يكون قاضيا بين الناس، ولأنه لا يثق بحكمه لعدم عدالته. قال: ومعرفة أحكام الكتاب والسنة، يعني يكون عنده اطلاع بأحكام الشرع. معرفة أحكام الكتاب والسنة يعني معرفة العام والخاص والمطلق والمقيد والواجب والمحرم إلى آخر ذلك من الأحكام. قال: ومعرفة الإجماع حتى لا يقضي بشيء خلاف الإجماع، ومعرفة الاختلاف حتى لا ينقل الإجماع في مسألة مختلفة فيها، فيعرف مواضع الإجماع ومواضع الاختلاف. قال: ومعرفة طرق الاجتهاد، يعني كيف يستنبط الأدلة ويكون عنده أهلية الاجتهاد. وهذا كما يستطيع أن نقول يكون عنده شيء من أدوات وآلات الاجتهاد، عنده أهلية الاجتهاد واستنباط الأحكام من أدلتها الشرعية بنفسه كما هو مقرر في كتب أصول الفقه. قال: ومعرفة طرف من لسان العرب، يعني عنده معرفة باللغة العربية، ما يكون جاهلا باللغة العربية. لأن اللغة العربية لغة الكتاب والسنة، فلا بد أن يكون عنده شيء من معرفة اللغة العربية. قال: ومعرفة تفسير كتاب الله، وليس المقصود أن يكون مطلعا على جميع تفسير الآيات، لكن في إطار المسألة التي سيقضي فيها يكون عنده معرفة واطلاع بتفسير الآيات المتعلقة بها. قال: وأن يكون سميعا، وأن يكون بصيرا، وأن يكون كاتبا، وأن يكون مستيقظا. أن يكون سميعا، يعني لا يكون أصم حتى يسمع دعوة الخصمين. وأن يكون بصيرا، لا يكون أعمى حتى يعرف من المدعي والمدعى عليه. قال أهل العلم: سدلوا على هذه الشروط -يعني أهلية الاجتهاد واستنباط الأحكام إلى آخره- بحديث ورد في السنن، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار». فقال عليه الصلاة والسلام: «فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على الجهل فهو في النار». فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يكون أهلا للقضاء هو الذي عنده معرفة بالحق وبأحكام الشريعة، يقضي وهو عارف بالحق، هذا الذي يكون أهلا للقضاء. قال: ويستحب أن يجلس في وسط البلد في موضع بارز للناس، يعني لا يحتجب. ولا حاجب له، يعني يكون قريبا من الناس حتى يستطيع من أراد أن يقضي بينه وبين خصمه فيذهب إلى القاضي ويقضي بينهما. قال: ولا يقعد للقضاء في المسجد، يعني يجعل محلا للقضاء خارج المسجد. لماذا؟ حتى يسلم المسجد من اللغو الذي قد يحصل بين الخصماء من لغو وصياح. قال: ويسوي بين الخصمين في ثلاثة أشياء: في المجلس، واللفظ، واللحظ. يعني إذا أجلس الخصمين فيسوي بينهما، لا يفضل أحدهما على الآخر. قال: ولا يجوز أن يقبل الهدية من أهل عمله، يعني لا يقبل القاضي الهدية ممن يأتي يتخاصم إليه. لأنها ستكون ذريعة إلى التنازل مع هذا الذي أهداه حتى يستحي منه ويقضي له على خصمه، فتكون بمنزلة الرشوة. قال: ويجتنب القضاء في عشرة مواضع: عند الغضب، والجوع، والعطش، وشدة الشهوة، والحزن، والفرح المفرط، وعند المرض، ومدافعة الأخبثين، وعند النعاس، وشدة الحر والبرد. والدليل هو ما جاء في الصحيحين في حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقضي حكما بين اثنين وهو غضبان». النص جاء بالنهي عن الحكم في حال غضب. قال أهل العلم: والعلل في ذلك هو تشوش الفكر، لما يكون غضبان يكون منفعلا غير مطمئن، فلا يصيب الحق في الحكم، فمنع من القضاء في هذه الحال. فألحق أهل العلم كل ما كان بمعنى الغضب مما يشوش الفكر، فيمتنع حينئذ من القضاء في هذه الحال. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.