التعليق على نظم الورقات 12

الدرس في التعليق على نظم الورقات 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم العلم إلى ضروري ونظري وتوضيح مفهوم العلم الضروري

يناقش تقسيم العلم إلى ضروري ونظري، ويُعرَّف العلم الضروري بأنه ما يحصل بدون نظر أو استدلال. يُوضح أن العلم الضروري يستوي فيه الخاص والعام.

طرق تحصيل العلم الضروري وبيان أهميتها

يشرح طرق تحصيل العلم الضروري، وهي العلم الحضوري، العلم البديهي، العلم بواسطة الحواس الخمس، والعلم بالأخبار المتواترة. يُبين أن هذه الطرق تؤدي إلى تحصيل العلم الضروري دون تكلف.

تأثير الحواس الخمس في الإدراك وعقيدة أهل السنة

يُفصّل في كون الحواس الخمس إحدى طرق تحصيل العلم الضروري، ويبين عقيدة أهل السنة في تأثير الأسباب في الإدراك. يُعارض مذهب الأشاعرة في نفي تأثير الأسباب.

ذكر الحواس الخمس واكتفاء الشرح

يشير إلى ذكر الحواس الخمس ويتم الإشارة إلى الاكتفاء بذلك بإذن الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. قال الناظم رحمه الله: «والعلم إما باضطرار يحصل أو باكتساب حاصل». فالأول، قسم فيه المؤلف أو الناظم على الأصل أن العلم باعتبار الطريق الموصل إليه، أن العلم له تقسيمان مشهوران عند الأصوليين، وهو من كلام المناطقة. أنا يقول لهم: العلم ينقسم إلى التصور وتصديق. وهذا ذكرنا العلم الذي ينقسم إلى تصور وتصديق. أنا إدراك الفرد وإدراك الجماعة، أو أقصد إدراك المفرد وإدراك الجملة. وكما هو معلوم هنا، العلم بمعنى الإدراك. والعلم ينقسم هنا، ذكر المؤلف إلى ضروري ونظري. أنا الآن قلنا: هناك العلم ينقسم إلى تصور وتصديق، وهنا ينقسم إلى نظري وضروري. ما هي الفرق؟ الفرق أن انقسامه إلى تصور وتصديق هذا بالنسبة، أو باعتبار المدرك، ما يتعلق به الإدراك. فإذا أدركت مفردًا فهو تصور، وإن أدركت جملة فهو تصديق. فهذا التقسيم بالنسبة باعتبار المدرك وما يتعلق به الإدراك. لكن هنا التقسيم الثاني، وهو تقسيم العلم إلى ضروري ونظري، بالنسبة إلى الطرق الموصلة إليه، الطرق الموصلة إلى العلم. أنا من أين أخذنا هذا العلم؟ فإما أن يكون بطريق متواتر، قطعي مجمع عليه، أو بطريق النظر والتأمل والفكر. فهذا التقسيم يعتبر باعتبار الطريق الموصلة إلى هذا العلم. فهذا ينقسم إلى قسمين: علم اضطراري وعلم نظري. فقال: «والعلم إما باضطرار يحصل»، يقول العلماء: هو الشيء الذي لا يستطاع دفعه. ومنهم من يعرفه أن الاضطرار هو الذي تدركه الأذهان بمجرد التوجه إليه، أو الانتباه له. وهو كما قلنا أيضًا على القول الأول: لا يمكن دفعه عن نفسه بحال. وبعضهم بسط العبارة فقال: العلم الاضطراري ما لم يقع عن نظر واستدلال. لأن العلم إما أن يقع عن نظر واستدلال وتأمل، وإما أن ينتج العلم على يقين. والاضطرار لهذا يقولون: أن العلم الضروري هو الذي لا يستطيع المرء دفعه عن نفسه. معنى شيء خلاص، كما قلنا: مثلا لو قلنا «صنعاء»، قد يكون بعضنا ما رأى صنعاء ولا أعرفها، لكن عنده يقين أن هناك منطقة اسمها صنعاء، هذا ما يستطيع دفعه. مثلا ما يستطيع يشك حتى فيه، يقول: «لا، قد يكون ما فيه صنعاء»، هذا شيء بعيد جدًا. وهكذا في الأشياء الضرورية التي يحصل العلم بها بالاضطرار، ما يستطيع الإنسان دفعه عن نفسه. وأما العلم النظري، فهو معروف. قيل له نظري لأنه يحتاج إلى نظر واستدلال. ولهذا يسمى كما في كلام المؤلف: علمًا مكتسبًا. مكتسبًا يكتسب من النظر والاستدلال. مثلا: تكبيرات الانتقال، أيش حكمها؟ هذا علم نظري، أو علم ضروري؟ نظري، لأنه يحتاج إلى استدلال وتأمل. ومعنا ننظر في الأدلة، أيش الذي دلت عليه الأدلة؟ هل تكبيرات الانتقال واجبة أو مستحبة؟ فهذا يعتبر من الاستدلال النظري. وأما كما قلنا: الأشياء المجمع عليها، مثلا تحريم الزنا، تحريم الخمر، هذا أصبح شيء علمي ضروري. أصبح بالنسبة للمسلمين علم ضروري. معناه: مثلا حرمة الزنا لا يحتاج إلى أن يبحث عنه، هل الزنا حرام أو ليس بحرام؟ شرب الخمر لا يحتاج إلى بحث، فهو مقرر وصار من العلم الضروري عند المسلمين. وجوب الحج، وجوب الصوم، وجوب الزكاة، وجوب الصلاة، وغيرها من هذه الأشياء، هذه أصبحت ضرورية. علمت من الدين بالضرورة، أيضًا مثلا: الفجر ركعتين، صلاة الفجر ركعتين، صلاة الظهر أربع، هذا أيضًا من العلم الضروري. فهذا العلم الضروري الذي لا يحتاج إلى بحث، ويستوي فيه الخاص والعام. وقول المؤلف: «والعلم إما بالضرار يحصل أو»، هنا جاءت «أو» في مقابلة «إما»، إما بالضرار أو باكتساب. كما قال الله عز وجل: «كونوا هودًا أو نصارى»، أو هنا جاءت للاحتمال أو للتفصيل. فقال: «والعلم إما بالضرار يحصل أو باكتساب حاصل». قال: «اكتساب» من الكسب، من كسب واكتسب، وهو طلب الرزق. واكتسب أيضًا بمعنى تصرف واجتهد. فقول هنا «اكتسب» عن هذا شيء، فيه شيء من الاكتساب، العقل في شيء من النظر والتأمل. كما قال الله عز وجل: «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ما كسبت وعليها ما اكتسبت». فقوله أيضًا: «فالأول»، هذه تسمى «الفاء» الفصيحة. «الفاء» الفصيحة، وهنا قوله «الأول» إشارة إلى ما يحصل باضطرار، الذي هو العلم الضروري. «الأول» هو العلم الضروري. ومثل له هنا المؤلف بمثال، وهو ما يحصل أو هو المستفاد من الحواس الخمس. المستفاد من الحواس الخمس. وهذا ليس متفق عليه بين الأصوليين على أن ما يحصل بالحواس الخمس يكون ضروريًا. أن هناك من يخالف في هذا. وتجد كثيرًا من الأصوليين والمناطقة يذكرون أن طرق أو الطرق التي تحصل بها العلم الضروري هي أربع طرق. الطرق التي تحصل بها العلم الضروري هي أربع طرق. فالأول: ما يعلمه الإنسان من حال نفسه. وهذا ما يسميه المناطقة بالعلم الحضوري. بمعنى شيء حاضر. أنا في نفسك، أنا الآن في المسجد، تعلم حضورك في المسجد، هذا شيء ضروري. والنوع الثاني أو الطريقة الثانية: ما يعلمه كل إنسان على البداهة، من غير تكلف، على من غير أن يتكلف في مقدمات أو غيره. ويمثلون: مثل علم، مثلا أن الواحد نصف الاثنين. الواحد نصف الاثنين، هذا علم بديهي. فهذه طريقة ثانية، لا يحتاج إلى جدل ولا إلى اكتساب ولا غيره. والنوع الثالث: أنا من أنواع الضرورة، هذا الذي ذكره المؤلف: ما يعلم بواسطة الحواس الخمس. أنا كعلم مثلا الرطوبة في الجو، كعلم النعومة في الثياب، كذا الخشونة، علم مثلا الحرارة، حر، برد. هذه كلها الإنسان يعلمها بالضرورة بالحواس. فهذا قالوا: إنه يعتبر من العلم الضروري الذي يعلم بالحواس الخمس. والطريقة الرابعة التي يعلم بها الضرورة: ما يعلمه الإنسان من الأخبار المتواترة. أنا مثل كما قلنا: وجود هذه المنطقة «صنعاء»، وجود إندونوسيا، وجود كذا. فهذا شيء متواتر، لا يستطيع دفعه. بعضهم يضرب مثل من القرآن، مثلا أمثلة كثيرة. لكن بعضهم أراد أن يقرب المسألة، فضرب مثلًا في القرآن، مثل قول الله عز وجل: «ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟» هل النبي صلى الله عليه وسلم أدرك أصحاب الفيل لما عذبهم الله؟ قد يكون أدرك، وقد يكون لم يدرك. وإن أدرك فهو أدرك وهو صغير، لأن العلماء اختلفوا: أهل السير، هل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم هل ولد النبي صلى الله عليه وسلم في نفس العام الذي حصلت فيه هذه؟ معنى ولد قبل الحادثة، حتى وإن ولد قبل الحادثة فهو صغير، معنى ابن سنة أو أقل. فلهذا فالغالب أنه لم يدرك هذه الحادثة. لكن كيف يقول الله عز وجل: «ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟» يخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام. قالوا: لأن الله عز وجل أعلمه، فصار يقينًا متواترًا عنده. وكأنما أدركه، كأنه أدركه. فهذا قال: «لم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل»، فقد تكون هذه الرؤية بصرية، وقد تكون المراد بهذا الرؤية هنا من باب الفكر. فإعلام الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام والناس بهذا الحادثة، يعتبر أمر متواتر، كأنه ينزل منزلة المشاهدة بالعين. فالذي يراه الإنسان بالعين يعتبر شيء ضروري، معنى شيء علم يقين. والذي أيضًا يخبر به من الله عز وجل، فهذا يعتبر علم ضروري كذلك. لهذا يقولون: معنى متفق بين العلماء أن القرآن كله يقين، معنى ثبوته وأخباره كلها يقين، لم يختلفوا في ذلك. وإنما اختلفوا فقط في الاستدلال. فهنا قول الله عز وجل: «لم تر كيف يفعل ربك بأصحاب الفيل»، معنى عبر بالرؤية، فنزل المتواتر منزلة المشاهد القطعي. نزل المتواتر الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم كمنزلة المتواتر القطعي أو المشاهد، أقصد القطعي الذي يشاهده الإنسان. فالمهم أن هذه الطرق الأربع عن ما يعلمه الإنسان من حال نفسه، وما يعلمه في البديهة، وما يعلمه بالحواس، وهذا الرابع ما يعلم أو ما يستفاد بالضرورة أو بالتواتر. فلهذا هنا مثل المؤلف بنوع واحد من هذه الطرق الموصلة إلى الضرورة، فقال: «فالأول كالمستفاد بالحواس الخمسة». الكاف تمثيلية، وسواء قيل حرفًا أو اسمًا، فهي بمعنى مثل. معنى مثل «كالمستفاد»، أنا هنا قوله «كالمستفاد»، ما هو المستفاد؟ أنا هنا تقدير شيء محذوف، أنا كالعلم المستفاد، وهو الحاصل بالنفس أو حاصل للنفس بالحواس الخمس. وهنا قوله «بالحواس الخمس» المراد ولو بحاسة واحدة، ولو بحاسة واحدة. وهذا مما يعبر عنه بالجنس، جنس هذا الشيء، معنى يصدق بالواحد. ومعنى يذكر خمس حواس، لكن يصدق بالواحد. وهذا معروف في لغة العرب، يعني يحصل هذا العلم بأحدى هذه الحواس الخمس. فمعنى ذلك الآن أن هذا من الأنواع أو من الطرق التي يحصل بها العلم الضروري. «كالمستفاد بالحواس الخمس»، يعني بأحدى الحواس الخمس الظاهرة. والحواس كما هو معروف: شعور، حاسة بمعنى القوة الحاسة، وهي سبب الإدراك. وهي سبب الإدراك، فالبصر سبب للإبصار، وسمع سبب للسماع. وهذا يدل أيضًا على عقيدة أهل السنة أن الإبصار له تأثير في الإدراك، ولا نقول كما تقول الشاعرة: أن الإدراك عند الإبصار، الإدراك عند الإبصار. بل الإبصار له تأثير في الإدراك، والأسباب لها تأثيرها المستقل. فلهذا نقول: أن السيارة حرقتها النار، أو الحطب حرقه النار، عن تأثير السبب له، وهو الإحراق. وأما الأشعري يقولون: لا، هذا ما يجوز، لأنه جعل إرادة للنار، جعل إرادة للنار، خالف العقل وخالف الفطرة وخالف الواقع. الناس من زمان يطلقون هذه، وهذا ما في شيء، معنى «أصبعي حرقت بالنار»، حرقت بالنار، معنى حرقتها النار، فهذا النار سبب، كالتأثير. لكن هؤلاء لا يقولون، معنى تقول: «ليش حرقت أصبعي عند النار؟» لأجل أنك ما تجعل للنار إرادة، الإرادة تكون لله عز وجل. وهذا كلام باطل، تقول مثلا: «انكسر الحجر عند الزجاج»، أنا أهل السنة عادي يقولون: «انكسر كسر الحجر الزجاج». لكن هم يرون: لا ما يجوز هذا، لأنك لو قلت: «كسر الحجر الزجاج»، أنا جعلت للزجاج إرادة، والإرادة ما يثبتونها إلا لله. وأما الأجسام والناس ليست لهم إرادات، أن الله عز وجل قال: «ليش في الجدار يريد أن ينقض؟» وأما الجدار أو قال: «يريد أن ينقض فأقامه». فجعل له إرادة، معنى الجدار، ما بالك بالإنسان الذي جعل الله عز وجل له مشيئة؟ أيش هدفهم هذا؟ أن الإنسان ليست له مشيئة وليست له إرادة، وإنما الإرادة لله، والإنسان مسير، وهذا مذهب الجبرية. لهذا الأشاعرة يقولون بهذا المذهب، فلهذا ما يقولون مثلا: أن الحجر كسر الزجاج، لا يقولون: «الحجر أو الزجاج انكسر عند الحجر والله». كلام باطل، حتى في اللغة ما يأتم به. لكن لأجل مذهبهم قاموا يتصورون مثل هذا الشيء. ولكن كما قلنا: هؤلاء بسبب هذه المسألة جعلوا هذا. فالمهم قول المؤلف هنا: «كالمستفاد بالحواس الخمس»، يعني بسبب هذه الحواس. والفاء هنا معناها السببية. وثم ذكر هذه الحواس، فذكر أولًا بالشم، هذا بدل من الحواس. وهذا كما قلنا هو أحدى الطرق التي توصل إلى العلم الضروري. ثم ذكر كما قلنا الحواس الخمس، معنى التي يحصل بها الاستدلال، وهو كما قلنا طريقة واحدة. والطرق الأخرى التي ذكرناها، معنى التي يوصل إليها إلى العلم الضروري: حال الإنسان أو حالة الإنسان في نفسه، وأيضًا حالة البداهة، الأشياء البديهية، وكذلك ما يعلم بالحواس، وما يعلم بالتواتر. طيب ثم ذكر هذه الحواس الخمس، وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى.