الدرس في التعليق على نظم الورقات 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تعريف العلم ومدى ارتباطه بالفقه، حيث يشمل العلم كل العلوم الشرعية والدنيوية. يوضح أن الفقه جزء من العلم ويعرف بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية.
يشرح معنى العلم اللغوي والاصطلاحي، ويبين أن العلم والمعرفة مترادفان بمعنى الإدراك. يفسر العلم بإدراك الشيء على حقيقته ويفرق بين التصديق والتصور.
يناقش شروط العلم بأن يكون إدراكًا جازمًا ومطابقًا للواقع، ويوضح أنواع الإدراكات الأخرى مثل الظن والشك والوهم. يشير إلى أهمية دقة الفهم في العلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الناظم رحمه الله تعالى: وعلمنا معرفة المعلوم إن طابقت لوصفه المحتوم والجهل قل تصور الشيء على خلاف وصفه الذي به على. فهذا دخل الآن المؤلف رحمه الله تبعًا للأصل بعد الحكم الشرعي وأقسامه، وقسم أنه سبعة على رأيه، وبين ضابط كل واحد من هذه السبعة. الشرع هنا في بعض المصطلحات التي يمكن أن يكون لها ارتباط بالحد السابق في لفظ أصول الفقه، وأيضًا بين العلاقة والنسبة بين العلم والفقه، وما حقيقة العلم، وما حقيقة ضد العلم، وهو الجهل ونقيض العلم والجهل أيضًا بيّن أقسامها. ثم الإدراكات غير الجازمة: الظن والوهم والشك. ثم ختم هذا الباب بما بدأ به الباب: باب أصول الفقه. فهنا قال: فهنا العلم لا فضل العموم لم يخص، فالعلم لفظ للعموم. معنى لفظ العلم عام، والعام -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- هو ما استغرق أفرادًا لا حصر لها. العام هو ما استغرق أفرادًا لا حصر لها. فقوله: "العلم لفظ للعموم" أي: يصدق على تفسير أنه علم، كل شيء يدخل في هذا المعنى، فيصدق مثلًا على التفسير أنه علم، فيصدق على الحديث أنه علم، ويصدق على النحو أنه علم، ويصدق على البلاغة، الهندسة، وكل هذه، والطب. فهذه كلها علوم تدخل تحت هذا اللفظ. فالعلم له أفراد، وهذه الأفراد ممكن تكون علوم شرعية، وممكن تكون علوم دنيوية. فلهذا فالعلاقة بين الفقه وبين العلم، فالفقه -بمعنى الشرعي السابق- العلاقة بينهما العموم والخصوص. فالفقه هو فرض من أفراد العلم، فرض من أفراد العلم. فكل فقه علم، ولا عكس. فهو فرض من أفراده. والمراد بالفقه هنا المعنى الشرعي، المعنى الشرعي الذي عرفه المصنف بقوله: "والفقه علم كل حكم شرعي جاء اجتهادًا دون حكم قطعي" كما عرفه في السابق. وبعضهم يعرف -كما تقدم- معنى أنه العلم بالاحكام الشرعية العملية بادلتها التفصيلية. وبعضهم يقول: المكتسب من الادلة الشرعية. لكن المكتسب هنا غالبًا وضعوه احترازًا عن القطع. وصحيح أنه لا يؤتى بهذه الكلمة، وإنما يقال: العلم بالاحكام الشرعية العملية من ادلتها التفصيلية؛ لأن الادلة منها ما هو قطعي، ومنها ما هو ظني. أما أنه جعل الادلة كلها ظنية مكتسبة، فهذا ليس بصحيح. فلهذا في العلم هنا جعله عموم، فعَلاقة الفقه بالعلم علاقة عموم وخصوص، إن اجتمعا في مادة، وينفرد احدهما عن الآخر في مادة أخرى. فهذه العلاقة بين الفقه والعلم. قال: "وعلمنا معرفة المعلوم إن طابقت لوصفه المحتوم". "وعلمنا" إضافة الألف واللام دل على المتكلم: أنا. لما أضفنا "علمنا" دل على المتكلم ومعه غيره. وهذا استفاد منه أنه أراد أن يبين الناظم العلم الذي يوصف بكونه علمًا معنى الذي يوصف بكونه علمًا حادثًا. وأراد أن يخرج العلم الأزلي، العلم الأزلي الذي يكون صفة للرب جل وعلا، أنه من الصفات الذاتية، فيكون علم الله عز وجل الأزلي. فأراد أن يبين أن هذا العلم "وعلمنا" علمنا البشر، نحن البشر علمنا. قال: "وعلمنا معرفة المعلومة". إن هذا الحد يختص بالعلم البشري، بالعلم البشري، علم المخلوق. "علمنا معرفة المعلومة". فالعلم له معنى لغوي، وله معنى اصطلاحي. واختلف في معرفة العلم ما هو العلم؟ فقيل: إنه المعرفة، أو ما تعرف به الأشياء. "وعلم آدم الأسماء كلها" أي: أعرفه بهذه الأشياء. وهو ضد الجهل، وهو ضد الجهل. والمشهور عند أكثر الأصوليين أن المعرفة أخص من العلم، أن المعرفة أخص من العلم. ويقولون: إن المعرفة والعلم متغايران. لكن الصحيح عند أهل اللغة، وذكره أيضًا كثير من أهل العلم -كشيخ الإسلام ابن القيم- أن العلم والمعرفة مترادفان. العلم والمعرفة مترادفان، ويجمعهما أنهما بمعنى الإدراك. العلم بمعنى الإدراك، والمعرفة بمعنى الإدراك. والإدراك يعرفه المناطقة، أهل المنطق، أنه: وصول النفس إلى المعنى بتمامه. وصول النفس إلى المعنى بتمامه، أنه إذا وصلت النفس التي بها العقل والإدراك إلى معنى اللفظ بتمامه، من غير شك فيه، يسمى إدراكًا. فلهذا يقال: العلم إدراك، ويقال للمعرفة إدراك. وهكذا فكل معرفة في أي علم من العلوم يعتبر إدراكًا. إذا علمها حق العلم. وقد خلط كثير من الأصوليين بين هذه المعاني. وصحيح -كما قلنا- أن العلم يفسر بالإدراك. فلهذا فأحسن ما فسر به العلم أنه إدراك الشيء على حقيقته. وهذا الإدراك إما أن يكون مفردًا، وإما أن يكون جملة. فإن كان مفردًا سمي تصورًا. وإن كان جملة -سواء كان جملة اسمية أو فعلية- سمي تصديقًا. فخلاصة الكلام أن يقال: إن العلم -علمنا الذي يعلمه الإنسان- هو إدراك الأحكام الشرعية. "وعلمنا معرفة المعلوم إن طابقت لوصفه المحدود". وهذا نقيدان: معرفة المعلوم، ثم في هذا الإدراك. وبعضها العلم ينتقد؛ لأن عندما تسمي العلم معرفة، يقولون: طيب أي شيء العلم؟ يقولون: معرفة المعلوم. وإيش المعرفة؟ هي العلم. هذا يسمونه دور. سيدور هذا. لكن نقول: إن المعرفة والعلم بمعنى واحد، وهو الإدراك، وهو إدراك الشيء على حقيقته. فالمعلوم ما هو المعلوم؟ هو المتصف بالعلم، والمتصف بالعلم. وما هو العلم؟ هو معرفة المعلوم على ما هو عليه. فمعنى هذا يكون فيه دور. لكن نقول: إن العلم والمعرفة هي الإدراك. أو بعضهم يقول: العلم هو الإدراك الجازم المتعلق من شأنه أن يعلم. الإدراك الجازم بما من شأنه أن يعلم. وقول هنا: "إن طابقت لوصفه المحتوم". إن هذه تعتبر شرطية هنا. والمقصود أنه ليس كل معرفة، فعندنا هذه المعرفة مقيدة. أنا ليس كل معرفة علم، لكن العلم هو المعرفة بشرط المطابقة. بشرط المطابقة معنى للواقع. فحينئذ معرفة المعلوم الإدراك قد يكون مطابقًا للواقع، وقد يكون غير مطابق للواقع. مثلًا نحن اليوم مثلًا يوم الإثنين. لو قلنا مثلًا: نحن اليوم في يوم الإثنين. هذا معرفة، وهو إدراك؛ لأنه انطبق على الواقع، وجزمت به، نجزم به على أنه يوم الإثنين. فهنا طابق الواقع أنه يوم الإثنين، فسمي علمًا. وهذه الأشياء التي يذكرها هنا المؤلف، هذا يسميها العلماء أو الأصوليون المقدمة المنطقية. أن هذه مثل مقدمة، لكن مقدمة منطقية تعرف بعض الأمور في المنطق. ولهذا لعلنا دخلنا قليلًا في أشياء من المنطق؛ لأجل أن تفهم هذه الأشياء. فلهذا فلابد أن يكون هذا المعلوم مطابقًا للواقع. فإن طابق الواقع فهو علم، وإن لم يطابق الواقع فهو ليس بعلم. مطابقًا فهو لابد -كما اشترط هنا- "إن طابقت لوصفه". وصفه المحتوم، والحتم معنى قيد جعله في المعرفة، وهو كونها إدراكًا جازمًا. وكما ذكرنا قد يكون الإدراك جازمًا، وقد يكون إدراكًا ليس بجازم. فإذا كان ليس بجازم يأتي بعد ذلك هناك أنواع: الظن، الشك، الوهم. هذه إدراكات غير جازمة. لكن العلم يكون إدراكًا جازمًا في معرفة المعلوم. وقد يكون أيضًا العلم ظنًا -كما قرر شيخ الإسلام المتنبي وغيرهم من العلماء- سيأتي إن شاء الله تعالى. لكن كثير من المناطقة جروا على أن الإدراك بمعنى أو بمعنى العلم، العلم بمعنى الإدراك الجازم. ويجعلون ما عداه من سائر الإدراكات التي هي غير جازمة. وهذا ليس بصحيح على إطلاقه. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على هذا. فالآن خلاصة كلام المؤلف يريد أن يبين أن العلم هو معرفة المعلوم، أو يقال: إدراك المعلوم على ما هو به في الواقع. وهذا معنى قوله هذا البيت: "وعلمنا معرفة المعلوم". فمعرفته بشرط أن يكون على وصفه المحتوم.