الدرس في التعليق على نظم الورقات 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تعريف الاستدلال وحدوده في تحصيل العلم، موضحًا أن العلم إما ضروري أو مكتسب. الاستدلال هو البحث عن دليل صحيح يرشد إلى المطلوب.
يشرح تقسيمات الاستدلال في أصول الفقه، مميزًا بين العلم والظن والشك والوهم. الظن يمكن أن يكون راجحًا أو مرجوحًا، والشك حالة تساوي الأمران.
يتناول تعريف الشك والظن في الصلاة وأحكامهما عند الحنابلة والشافعية. الحنابلة يرون أن للإمام ظن وليس شك، بينما الشافعية يبنون على اليقين عند الشك.
يعلن المدرس عن احتمال انتهاء الدروس الحالية ويشير إلى استئنافها بعد العيد بإذن الله، مما يعطي إشارة لنهاية المرحلة الحالية من الدروس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. فيبدأنا قول المؤلف رحمه الله: العلم إما بالطرار يحصله أو باكتساب الحاصل. فالأول كالمستفاد بالحواس الخمس: بالشم أو بالذوق أو باللمس والسمع والإبصار. ثم التالي ما كان موقوفا على استدلاله. أخذنا طرق تحصيل العلم الاضطراري، فذكر المؤلف طريقة واحدة وأنه مستفاد من الحواس الخمس. وهذه طريقة من الطرق، وإن كان كما ذكرنا قبل أن هذه الطريقة ليست مضطردة؛ أي ممكن أن الإنسان يأتي بالحواس الخمس، يصل بالحواس الخمس علم الطراري، وممكن لا يكون كذلك؛ لأن الإنسان مثلا حينًا ينظر إلى الشيء فيراه على غير حقيقته، فهذا ليس علمًا طراريًا. أو مثلا يمس شيئًا فيمسه أيضًا ويخطئ فيه، فهذا أيضًا ليس علمًا طراريًا. فلهذا، لكن هي طريقة موصلة إلى العلم الطراري بالحواس الخمس، لكن قد يخطئ الذي يأتي بهذا العلم بحاسة من الحواس. الحمد لله، وذكرنا هناك أربع طرق يتوصل إليها إلى العلم الضروري: علم الإنسان من حال نفسه، وما يعلم بداهة، وكذلك ما يعلم بالحواس الخمس، وما يعلم أيضًا بالتواتر. هذه أربع طرق يتوصل إليها إلى العلم الضروري. ثم قال: «والسمع والإبصار ثم التالي ما كان موقوفًا على الاستدلال». يعني تكون بالحواس الخمس. قال: «ثم التالي»، التالي هنا أي الذي يحصل باكتساب الحاصل بالاكتساب. فهذا نوع آخر، فالتالي المراد به العلم المكتسب أو العلم النظري، وهو الذي يحتاج إلى استدلال ونظر. والذي يحتاج إلى استدلال ونظر أو يسمى علمًا مكتسبًا؛ لأنه يستدل له، وأيضًا يؤتى به بالنظر. وكثير من المسائل الشرعية تحتاج إلى استدلال ونظر، ليست كل المسائل ضرورية أو اضطرارية، وإنما هناك مسائل كثيرة، بل قد يكون أكثر علم الكتاب والسنة استدلاليًا ونظريًا؛ يعني يحتاج إلى استدلال وبحث ونظر، وخاصة في مسائل المعاملات. فكان في العبادات أو في المعاملات أو في الأخلاق، كلها تحتاج كثير من المسائل إلى نظر واستدلال. فلهذا، فالعلم في العلم الشرعي إما أن يحصل بالاضطرار وإما أن يحصل بالنظري والاستدلال. ثم قال المؤلف: «وحد الاستدلال يقول ما يجتلب لنا دليلا مرشدا لما طلب». فوحد الاستدلال أن الدليل هو الاستدلال، والاستدلال هو فعل المستدل؛ أي الذي يستدل بالدليل. وقد يكون هذا الاستدلال صحيحًا، وقد يكون غير صحيح؛ أي لا يلزم أن يكون هذا الاستدلال صحيحًا دائمًا. وقد يستدل الإنسان بآية والآية لا تدل على هذا الذي استدل به، كذلك يستدل بالحديث والحديث لا يدل على ما استدل به. وهذا كثير في كلام حتى أهل العلم؛ أي تجد يستدل بآية وهذه الآية لا تدل على ما يقوله، وحينًا يختلفون في تفسير الآية. وهنا عرف الاستدلال، فقال: «وحد الاستدلال يقول ما يجتلب لنا دليلا مرشدا لما طلب». فعلًا أن الاستدلال يجلب دليلًا مرشدًا للمطلوب. فعلًا يأتي بشيء يجلب لهم دليلًا، هذا الدليل يرشدهم على المطلوب. مثلا يسأل: هل من ترك تكبيرة الإحرام في الصلاة هل صلاته صحيحة؟ قالوا: لا. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحريمها التكبير». إذا ترك سجودًا أو الجلوس بين السجدتين، الجلوس بين السجدتين في الصلاة هل صلاته صحيحة؟ قالوا: لا، ليست الصلاة صحيحة. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء أو للذي لم يحسن صلاته: «ثم سجد فاطمئن ساجدًا، ثم اجلس ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا». فدل على أنه ركن من أركان الصلاة. وهكذا. فهذا يجترب له دليلًا مرشدًا لما طلب. وهذا العلم الاكتسابي أنه يأتي بالدليل، والاستدلال هو أن يطلب الدليل، يطلب دليلًا مرشدًا يرشد إلى هذا الأمر الذي أراده. ولكن ينبغي أن يقال: إنه لا بد الذي يستدل أن يعرف الاستدلال. ليس كل من استدل يقال: هذا دليل مرشد. حينًا أهل البدع أنهم يخلطون بين الاستدلال، حتى قالوا للرجل -قالوا له من أهل البدع-: ما الدليل على المولد؟ قال: «قل هو الله أحد». ما الدليل للمولد؟ «قل هو الله أحد». فهذا بعيد جدًا. حينًا استدلالات تكون بعيدة، خاصة استدلالات أهل البدع؛ لأنهم يلوون على عنق النصوص حتى توافقه. فلهذا يكون استدلالهم بعيدًا. فلابد أن يكون المستدل أهلًا لهذا الاستدلال. فهذا الآن العلم المكتسب. أخذنا أمس العلم الضروري، واليوم أخذنا العلم المكتسب. ثم قال رحمه الله -حتى ننتهي من المقدمة المنطقية-: «والظن تجوز أمرين: مرجحًا لأحد الأمرين والراجح المذكور ظنًا يسمى، والطرف المرجوح يسمى وهما والشك تحرير بلا رجحان لواحد حيث استوى الأمران». الآن أيضًا ذكر تقاسيم الاستدلال، ذكر تقاسيم الاستدلال، وهو ما يقابل العلم. إما يستدل الإنسان فيستدل بشيء يكتسبه علمًا، واستدلال صحيح، فهذا يسمى علمًا. هذا في أصول الفقه، وإلا قد يكون مثلا الظن أيضًا علمًا، لكن هم يرون أن العلم ما يقال علم إلا إذا كان استدلال صحيح ومكتسب من أدلة صحيحة، واستدلال صحيح فيقولون علم. أما يصحبه أي شيء اليقين، لكن قلنا أن العلماء قالوا: ليس كل علم لابد أن يكون يقينيًا، بل هناك ما يكون ظنًا أو غلبة ظن تكون علمًا. وهذا كثير في الكتاب والسنة وفي المسائل العلمية. لكن لأن بعض أهل البدع لا يرون الاستدلال بأحاديث الأحاديث -كما يقولون- وأنها ظنية، فقالوا: «والظن لا يستدل به في العقائد». وهذا كلام باطل. ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام يعمل به، وإن كان احتفت به مثلا إن كان أحد احتفت به قرائن، فهو يقطع به. وكل ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام يعمل به، سواء كان في العقائد أو في المسائل الفقهية أو في غيرها، ما دام أنه صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر المؤلف رحمه الله ما يقابل العلم، وهو الظن والوهم والشك. الظن والوهم والشك. فقال: «والظن تجوز أمرين: مرجحًا لأحد الأمرين». هذا الظن. الظن عندنا اختلاف في الاستدلال وفي الدليل. فالظن هو الاستدلال الراجح، العمر الراجح هو الظن، والعمر المرجوح هو الوهم. وإذا استوى فهو الشك؛ أي لم يستطع أن يرجح. إذا استوى فهو الشك. فالراجح الظن، والمرجوح الوهم، وإذا استوى فهو شك. والشك تحرير بلا رجحان لواحد حيث استوى الأمران. لكن هذا في استعمال من؟ استعمال الأصوليين. لأن حتى تفرق بين هذه المسألة ومسألة استعمال فقهاء الشك. فاستعمال فقهاء الشك يجعلونه مقابل اليقين؛ الشك مقابل اليقين. فلهذا عندهم القاعدة الفقهية: أن اليقين لا يزول بالشك، أو الشك لا يزيل اليقين. فهذه قاعدة فقهية وليست أصولية. فالشك هنا يدخل فيه الظن والشك والوهم على كلام الأصوليين. معنا الشك الآن عند الفقهاء يدخل فيه الظن -الظن الذي ليس ظنًا أغلبي- ويدخل فيه أيضًا الشك، ويدخل فيه الوهم. معنا يشمل الثلاثة. فلهذا يقولون مثلا: من تيقن شيئًا وشك في شيء آخر، مثلا تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو العكس: تيقن الحدث وشك في الطهارة، فيبقى على يقين أنه أحدث يتوضأ. وإن كان تيقن الطهارة وشك في الحدث ليكون طاهرًا، وليس له أن يتوضأ. وهكذا. الصلاة إذا شك يبني على اليقين. قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد: «إذا شك أحدكم في الصلاة فلم يدري أصلى ركعتين أم ثلاثًا أو ثلاثًا أم أربعًا، فليبني على اليقين». فليبني على اليقين. معنا أنه يصلي الأقل؛ اليقين هو الأقل؛ لأن هذا يقين، أما الزائد فهو مشكوك فيه. فهذا فيه عند الفقهاء. لكن الأصوليون هنا أرادوا شيء آخر. فالظن عندهم والشك وأيضًا الوهم، كل شيء له أمر. فما ترجح من الأمرين فهو ظن. ما ترجح من الأمرين فهو ظن. هذه تستعمل أيضًا في الفقه في متى؟ عند الشك. عن الشك أيضًا ليس كل شيء شك، بل هناك عندهم شك وظن ووهم، حتى الفقهاء. لكن مثلا استعملوا في بعض المواضع، مثلا عندنا في سجود السهو. سجود السهو هناك الظن وشك على مذهب الحنابلة والشافعية. يعتبرون هناك ظنًا ويعتبرون شكًا، وهو كلاهما شك، لكن شك يؤول إلى ظن، وشك يؤول إلى عدم الظن، وهو الشك نفسه. مثلا إنسان ما يدري صلى ثلاثًا أم أربعًا، الأصل أنه يبني، لكن أحيانًا يغلب على ظنه أنها ثلاثًا. يغلب على ظنه عنده مثلا استدل ببعض الأشياء التي تظن أنها ثلاثًا، وهنا يجعلها ثلاثًا. لا يجعلها معنا أقصد يجعلها أربعًا إذا كان ظن أنها أربع، يجعلها أربعًا ثم يسجد بعد السلام. وهذا ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين: «إذا شك أحدكم في صلاة فليتحر الصواب ثم ليبني عليه». فليتحر الصواب ثم ليبني عليه. وهناك في حديث أبي سعيد قال: «فليبني على ما استيقن». فدل على أنه إذا شك ولم يرجح فإنه يبني على اليقين. وإذا شك ورجح -إذا شك ورجح- فهنا يبني على ترجيحه. يبني على ترجيحه. ولهذا جعل الحنابلة الإمام ليس عنده شك وإنما ظن؛ لأنه خلفه المؤتمين، فجعلوا كلام المؤتمين يعتبر ظنًا من الأمور التي يرجح بها الشك. وأما الشافعية فلا عندهم أن الإمام إذا شك في أمر فإنه يبني على اليقين. فغالبًا من فقه الشافعية أنهم يغلبون الأخذ باليقين على الأخذ بالترجيح. والحنابلة العكس يغلبون الترجيح على الأخذ باليقين. فالمهم أن في مسألة الأصول هنا حتى لا يختلط على الناس أحيانًا بعض هذه المسائل تختلط على الشخص. فعندنا في الأصول أن مقابل العلم ثلاث أشياء: الظن والشك والوهم. الظن والشك والوهم. لكن كما قلنا: الصحيح أن الظن علم، وخاصة غلبة الظن. غلبة الظن علم. وكذلك هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قرر هذه المسألة في المسودة تقريرًا واضحًا على أن غلبة الظن يعتبر علمًا. وهذا أيضًا نفس الخلاف الموجود في اختلاف العلماء في مسائل الشك نفسها موجودة هنا. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليتحر الصواب». فجعل النبي صلى الله عليه وسلم تحري الصواب علمًا يبني عليه. فالآن هم على قولهم أن العلم لابد أن يكون يقينًا. يكون يقينًا. طيب هذا هنا عندنا الآن بنى على ما ترجح له أو غلبة ظنه. «فليتحر الصواب». فإذا بنى على غلبة ظنه فمعنى ذلك أنه علم؛ أنه بنى على علم. فلهذا قرر شيخ الإسلام -وهو كما قلنا قول للحنابلة- على أن غلبة الظن تعتبر علمًا، ليس فقط اليقين. وهذا ليس في الصلاة فقط، في أي شيء من العبادات. مثلا إنسان لم يدر هل طلع الفجر أو لم يطلع؟ فإن تحرى وغلب ظنه أنه طلع فلا يأكل، وإن تحرى وغلب على ظنه أنه لم يطلع فيأكل. وهنا بنى على غلبة الظن. بنى على غلبة الظن. والعصر بقاء الليل. العصر بقاء الليل. لكن غلبة الظن هنا لها أثر؛ غلبة الظن لها أثر؛ لأن غلبة الظن غالبًا تأتي من القرائن. وخلاصة ما يذكر في هذا الباب أو في هذه المقدمة المنطقية هنا ما ذكره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله. ملخص ما يذكر في هذه المقدمة آخر شيء قال: إذا تبين أن العلم إدراك الشيء على ما هو عليه، وأنه ينقسم إلى قسمين: ضروري ونظري. وأن الجهل على القول الصحيح هو عدم إدراك الشيء. أنه فقد العلم، وأن الجهل على القول الصحيح هو عدم إدراك الشيء، وأنه ينقسم إلى قسمين: بسيط ومركب. فالبسيط عدم العلم مطلقًا، والمركب هو إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه. وتبين لنا أن الإدراكات تنقسم إلى يقين وظن ووهم وشك. وهذا عند الأصوليين. أما عند الفقهاء فيقولون: إما يقين وإما شك، ويدخلون الظن والوهم في الشك. بعد ذلك انتقل المؤلف إلى تعريف أصول فقه. طيب. فهذا خلاصة المقدمة المنطقية. هذا خلاصة المقدمة المنطقية التي ذكرها المؤلف صاحب الورقات في هذا الباب. وإن شاء الله تعالى هذا آخر درس، إن شاء الله نكمل بعد العيد إن شاء الله بإذن الله جل وعلا.