الدرس في كتاب الصلاة 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
صلاة الكسوف آكد صلاة التطوع، وهي سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، وتُصلى عند كسوف الشمس أو خسوف القمر. يُخوف الله بها العباد، وليس لها علاقة بموت أو حياة أحد كما كان يعتقد أهل الجاهلية.
صلاة الكسوف سنة مؤكدة تصلى ركعتين في كل ركعة ركوعان، ويجهر فيها بالقراءة، ويستحب الإطالة فيها. الإمام يخطب بعدها ويحث على الطاعات ويذكر الناس بأهمية الدعاء والاستغفار والصدقة.
صلاة الوتر سنة مؤكدة، وأقلها ركعة واحدة، وأكثرها إحدى عشرة ركعة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها في الحضر والسفر، ويجوز الزيادة عليها.
وقت صلاة الوتر يمتد من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ويستحب أن يكون آخر صلاة الليل. يجوز قضاؤها نهارًا إذا فاتت شفعًا، كما يجوز الصلاة بعد الوتر شفعًا دون إعادة الوتر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، والآله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال ابن سعد رحمه الله في كتابه "منهج السالكين": "باب صلاة التطوع". قال: "صلاة الكسوف آكدها صلاة الكسوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها، وتصلى على صفة حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف في قراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات، متفق عليه". هذا الباب جعله رحمه الله في ذكر صلاة التطوع، والمراد بصلاة التطوع: أي ما كان دون الفريضة من نوافل الصلاة التي تطوع الإنسان بفعلها حتى يؤجر ويثاب. وصلاة التطوع والنافلة لها فوائد، منها: أنها تجبر النقص الذي قد يحصل في الفريضة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن كان فيها نقص، قيل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل من تقص به من فريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك". وكذلك أيضا: أن صلاة التطوع سبب لنيل محبة الله سبحانه وتعالى، كما في حديث أبي هريرة في البخاري: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، الحديث". وكذلك أيضا: أن صلاة التطوع تهيئ النفس لأداء الفريضة على أكمل وجهها، كلما يأتي الإنسان بالتطوع -يعني النوافل- القبلية بالفريضة، فتتروض النفس على فعل الطاعة والعبادة، فلا يدخل الفريضة إلا وهو على أكمل أحواله، قد تهيأت النفس وتروضت على فعل هذه الطاعة، فيكون فيها تهيئة للنفس على أداء الفريضة على أكمل وجهها. وصلاة التطوع تنقسم إلى قسمين: منها ما هي صلاة مطلقة، ومنها ما هي صلاة مقيدة. الصلوات المطلقة كصلاة الضحى، تصلى في الصباح منذ أن تطلع الشمس أو منذ طلوع الشمس قدر رمح إلى قبل الزوال، هذا التطوع مطلق يصلي الإنسان ما شاء. وهكذا بين الظهر والعصر، هذا وقت للتطوع المطلق، يصلي الإنسان من الصلوات ما شاء. كذلك أيضا بين المغرب والعشاء، وهكذا بعد صلاة العشاء إلى الفجر. وهناك نفل مقيد كالرواتب، رواتب الفرائض القبلية والبعدية. نعم، وهكذا أيضا تحية المسجد لها سبب، ودخول المسجد ركعتين، والوضوء يكون بعد الوضوء. وهكذا أيضا صلاة الاستخارة تكون عند الحاجة، إذا احتاج الإنسان يستخير في عمل من الأعمال. طيب، هذه كلها صلوات لها أسباب، فهي نوافل مقيدة لأسبابها. وذكر المؤلف هنا في أول هذا الباب صلاة الكسوف. وصلاة الكسوف المراد بالكسوف: أي كسوف الشمس أو القمر. كسوف الشمس أو القمر قد يطلق الكسوف على الشمس والقمر، وقد يطلق الكسوف على الشمس والخسوف على القمر، يقال: كسفت الشمس وخسف القمر. كسفت الشمس وخسف القمر، وهذا هو الأكثر في الاستعمال أن يقال: كسفت الشمس، ويقال في القمر: انخسف القمر أو خسف القمر. والكسوف والخسوف هو ذهاب ضوء الشمس والقمر، ذهاب ضوء الشمس والقمر جزئيا أو كليا؛ لأن الكسوف والخسوف قد يكون جزئيا، كأن يكون شيء يسير منه قد يكون ثلثه قد يكون نصفه، وقد يكون كليا بأن يخسف -يعني ضوء الشمس أو القمر- بالكلية. وسبب ذلك ما ذكر أهل الفلك، بالنسبة لخسوف القمر، بالنسبة لخسوف الشمس يكون السبب هو كون القمر بين الشمس والأرض، كون القمر بين الشمس والأرض فيحصل كسوف الشمس. وأما خسوف القمر فهو إذا توسطت الأرض بين الشمس والقمر، إذا توسطت الأرض بين الشمس والقمر فيحصل خسوف القمر. والكسوف والخسوف هي وإن يعني يعلم بتتبع السريان أو جريان الكواكب، ويخبر بذلك أهل الفلك، لكن هي في الأصل تحصل بأمر الله سبحانه وتعالى وبإرادة الله عز وجل. ولهذا كانت الكسوف والخسوف آية من آيات الله جل وعلا، آية من آيات الله يخوف الله سبحانه وتعالى بها العباد، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم لما حصل الكسوف في عهده، وخطب الناس عليه الصلاة والسلام، أخبرهم بأن الكسوف آية من آيات الله يخوف الله جل وعلا بهما العباد. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾. وليس حصول الكسوف والخسوف لأجل حياة عظيم أو موت عظيم، كما كان يعتقد أهل الجاهلية. وحصل الكسوف في عهد النبي عليه الصلاة والسلام مرة واحدة، وكان ذلك يوم أن مات ابنه إبراهيم، ابن النبي عليه الصلاة والسلام، إبراهيم كسفت الشمس، فقال بعض الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم. وهذا على اعتقاد أهل الجاهلية الذين كانوا يعتقدون أن حدوث حركات الفلك لها أثر في الوقائع الأرضية، الحركات الفلكية لها أثر في الحوادث الأرضية من موت عظيم أو حياة عظيم إلى آخر ذلك. فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام بطلان هذا الاعتقاد، وأن الكسوف لا يحصل لموت أحد أو لحياة أحد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما يخوف الله بهما عباده». فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن لا تعلق بحياة أحد أو موت أحد في الكسوف والخسوف. قال: "وآكدها صلاة الكسوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها". نعم، النبي صلى الله عليه وسلم فعلها -أي صلى صلاة الكسوف- في حديث عائشة، وفي حديث ابن عباس، وفي حديث أبي مسعود، وفي حديث جابر، نعم، عدة أحاديث ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف، وأمر بها في عدة أحاديث. قال: "إذا رأيتم ذلك فصلوا"، في رواية: "فافزعوا إلى الصلاة". وفي رواية: "فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره". فجمهور العلماء على أن صلاة الكسوف مستحبة استحبابا مؤكدا، وصرفوا هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ لحديث الحسن بن عبيد الله، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم له: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: "هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع". قال: "فهذا يدل على أن هذا الأمر -أو هذه الأوامر- للاستحباب وليست للوجوب". وهذا قول جمهور أهل العلم. قول جمهور أهل العلم: أن صلاة الكسوف مستحبة استحبابا مؤكدا. وبعض العلماء يذهب إلى الوجوب، كالظاهرية. وبعض العلماء ذهبوا إلى الوجوب على ظواهر هذه الأحاديث التي فيها الأمر بصلاة الكسوف. يعني لو أخذنا بظواهر هذه الأحاديث التي فيها الأمر، "فافزعوا إلى ذكر الله وإلى دعائه واستغفاره"، "إذا رأيتم ذلك فصلوا" حتى ينكشف ما بكم، الأصل في الأمر أنه الوجوب، الأصل في الأمر أنه الوجوب. ولا تنافي بين أمر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف، وبين قوله في حديث الحسن بن عبيد الله: "إلا أن تطوع". فيكون المراد: ليس عليك صلاة واجبة -يعني غير هذه الفرائض التي يجب عليك فعلها في كل يوم وليلة خمس مرات- ولا ينافي ذلك أن تجب صلاة -يعني في النادر أو أحيانا- إذا وجد سببها، كصلاة الكسوف، فهي تجب إذا وجد سببها، وهو كسوف الشمس أو خسوف القمر. وهذه صلاة لها سبب، وهي نادرة -يعني لا يحصل الكسوف والخسوف دائما- إلا أحيانا. فحينئذ نقول: بأنها واجبة على أصل هذه الأوامر التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "وآكدها صلاة الكسوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها". نعم، النبي صلى الله عليه وسلم فعلها -أي صلى صلاة الكسوف- وأمر بها. قال: "وتصلى على صفة حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف في قراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات، متفق عليه". صلاة الكسوف الأحاديث التي وردت فيها فيها شيء من الاختلاف، فبعضها كان في حديث عائشة، وحديث أبي مسعود، وحديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى أربع ركعات في ركعتين -يعني كل ركعة فيها ركوعان- وأربع سجدات -يعني كل ركعة فيها ركوعان وفيها سجدتان. وجاء في بعض الروايات الأخرى في حديث جابر: أنه صلى ست ركعات، كل ركعة فيها ثلاث ركوعات. وجاء نحو حديث علي رضي الله عنه. وفي بعضها أربع ركعات في كل ركعة ركوعان. واختلف أهل العلم -يعني هل تصلى صلاة الكسوف على ما ورد في هذه الروايات- يعني إن شاء صلى ركعتين بكل ركعة ركوعان، وإن شاء صلى ركعتين بكل ركعة ثلاث ركوعات، وإن شاء صلى ركعتين بكل ركعة أربع ركوعات. أو أن هناك ترجيح بين هذه الروايات، وأن منها ما هو راجح ومنها ما هو مرجوح. من أهل العلم من قال: بل يعني يعمل بهذه الروايات، ويكون الإنسان فيها مخيرا، إن شاء هذه الكيفية وإن شاء هذه الكيفية وإن شاء تلك الكيفية. وهذا ذهب إليه إسحاق بن راهويه، والإمام المزني. نعم، وكذلك أيضا الإمام الخطابي قال: "فتصلى صلاة الكسوف على حسن ما ورد في هذه الروايات". والقول الآخر قالوا: لا، هناك راجح ومرجوح في هذه الروايات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كسفت الشمس في زمنه مرة واحدة، وصلىها النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، فلا يمكن أن تكون هذه الروايات كلها ثابتة، فلابد من أن ترجح بعض هذه الروايات على الأخرى. وعلى هذا فقالوا: الرواية الراجحة هي ما جاء في حديث عائشة، وحديث ابن عباس، وحديث أبي مسعود: أن تصلى ركعتان في كل ركعة ركوعان. وهذا مذهب الإمام الشافعي، وأحمد، وجمهور المحدثين. جمهور أهل الحديث على أن هذه الرواية هي الراجحة، وما سواها فهو شاذ. قال: "أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف". إذن، صلاة الكسوف يجهر فيها بالقراءة، سواء كانت في النهار -كسوف الشمس- أو كانت في الليل -كسوف القمر- فإنه يجهر فيها بالقراءة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جهر، وسمعه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فتصلى صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان. يعني: يكبر، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة طويلة. المستحب في صلاة الكسوف الإطالة، في حديث ابن عباس في مسلم قال: "قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى نحو سورة البقرة". نحو سورة البقرة. قال: "ثم ركع، ثم رفع، ثم قرأ دون -يعني قراءة طويلة- دون الركعة الأولى -يعني أقل منها- ثم ركع، ثم رفع، ثم سجد سجدتين، ثم قام الركعة الثانية، فقرأ وأطال القراءة دون الركعة التي قبلها، ثم ركع، ثم رفع، ثم سجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم". هذه صفة صلاة الكسوف. نعم، ثم بعد السلام يستحب أن يخطب الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فرغ من صلاة الكسوف قام وخطب الناس، ويبين لهم أن كسوف الشمس أو القمر آية من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما آية يخوف الله سبحانه وتعالى بها العباد، فيحذرهم من معصية الله، من فعل الفواحش والمنكرات كالزنا ونحوها، كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. نعم، قال: "عسى صلى الله عليه وسلم أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته". ويعني أمرهم بلزوم الطاعات وترك المعاصي والمحرمات. وتكون خطبة مختصرة أو طويلة. نعم، يذكرهم فيها في هذه الأمور والمسائل. كذلك عند حصول الكسوف مع الصلاة، يكثر من الدعاء والاستغفار والصدقة، وفك الرقاب. جاء في حديث أسماء في البخاري: أمر النبي صلى الله عليه وسلم عند الكسوف بالعتاق -يعني فك الرقاب- نعم. وقال صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم ذلك فصلوا وتصدقوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم». حتى ينكشف ما بكم. وتكون صلاة الكسوف على قدر الكسوف، إذا كان الكسوف كليا فتكون الصلاة طويلة، بحيث أنه ينتهي أو يغلب على الظن مع عودة الشمس على طبيعتها. إذا كان الكسوف جزئي شيء يسير، تكون الصلاة أخف. طيب، ونحو ذلك. وتصلى صلاة الكسوف إذا رؤي الكسوف أو الخسوف، لابد من الرؤية -يعني ما تصلى بإخبار أهل الفلك- لو قال أهل الفلك: سيكون هذه الليلة خسوف القمر، ما نقول: بسم الله، الساعة كم؟ قالوا: الساعة العاشرة ليلا، إذا جاءت الساعة العاشرة بسم الله الله أكبر، لا ننظر هل خسف القمر أو ما خسف. العبرة بالرؤية، حتى ولو أخبروا لا نعمل بقولهم إلا إذا رأينا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى دعائه واستغفاره». فعلق الصلاة بالرؤية، لابد أن نرى، إذا ما رأينا إذن ما نصلي، ليس هناك سبب لهذه الصلاة. فالعبرة بالرؤية. طيب، إذا لم نراه نحن عندنا -مثلا سحب عمت علينا الرؤية- لكن رأى أهل منطقة ثانية، نحن في بلد واحد -يعني مثلا نحن ما رأينا، ورآه أصحاب الدير- قالوا: اتصلنا أو اتصلوا بنا، قالوا: رأيتم؟ قلنا: ما رأينا، عندنا سحب. قالوا: نحن رأينا الخسوف ظاهر -مثلا نصف القمر- فهنا نعمل برؤيتهم، لا نعمل برؤيتهم ونصلي؛ لأن البلد واحد، وإنما الذي منع من الرؤية هو هذه السحب. أما إذا كان في بلد آخر، ونحن لم نر في بلدنا هنا ما نصلي، لا ليس عندنا خسوف، وإنما هذا في بلد أخرى. قال رحمه الله: "صلاة الوتر". قال: "وصلاة الوتر سنة مؤكدة، دوم النبي صلى الله عليه وسلم عليها حضرا وسفرا، وحث الناس عليها، وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة، ووقته من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، والأفضل أن يكون آخر صلاته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا»، متفق عليه. وقال: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل»، رواه مسلم. ذكر رحمه الله هنا من صلوات التطوع صلاة الوتر. والوتر ضد الشفع، الوتر ضد الشفع، فالوتر هو العدد الفرد كالواحد والثلاثة والخمسة والسبعة إلى آخره. وصلاة الوتر تطلق ويراد بها صلاة الليل، يراد بها صلاة الليل، ويقال لها صلاة التهجد، ويقال لها صلاة القيام، ويقال لها صلاة التراويح في رمضان، هذه كلها من صلاة الوتر. وصلاة الليل من أفضل النوافل بعد الفريضة، لحديث أبي هريرة في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل». أفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل. والله عز وجل يقول: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. ويقول سبحانه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث عبد الله بن سلام: «أيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». نعم، وفي حديث أبي سعيد في السنن: «رحم الله قوما قاموا من الليل فأيقظوا امرأة، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء». فصلاة الليل من أفضل النوافل بعد الفريضة. قال: "وصلاة الوتر سنة مؤكدة". صلاة الوتر إذا صلاها الإنسان -يعني صلى مثلا إحدى عشرة ركعة بتشهد واحد- هذه كلها تسمى وترا. تسمى وترا إذا صلى ثلاثا بتشهد واحد، أو خمسا أو سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة، إذا صلىها كلها بتشهد واحد تسمى كلها وترا. وأما إذا فصل بين كل ركعتين -صلى ركعتين وسلم، ثم صلى ركعتين وسلم، وهكذا- ثم صلى ثلاثا -مثلا صلى إحدى عشرة ركعة على هذا الحال- هل كلها تسمى وترا أو تسمى وترا آخر ما صلى من هذه الصلاة؟ هذا في خلاف بين أهل العلم. والأظهر أنه أن الوتر يطلق على آخر ما صلى -آخر ثلاث ركعات تسمى وترا. قال: "وصلاة الوتر سنة مؤكدة". نعم، صلاة الوتر سنة، فليس هو واجبا، ليس صلاة الوتر واجبة، وإنما هي مستحبة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث علي: «ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوتروا يا أهل القرآن». وفي السنن قال: «ليس الوتر حتما كهيئة مكتوبة -يعني ليست بواجب فريضة- ولكن مستحبة». وكذلك أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها على الراحلة في السفر. والنبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي الفرائض على الراحلة، إنما كان يصلي النوافل. فإذا أراد أن يصلي الفريضة خرج فاستقبل القبلة، فدل هذا على أن صلاة الوتر ليست بفريضة، وإنما هي نافلة، لكن سنة مؤكدة؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها -يعني قال: «أوتروا يا أهل القرآن». وقال: «أوتروا قبل أن تصبحوا». نعم، هذه الأحاديث فيها الحث على المحافظة على صلاة الوتر. قال: "داوم النبي صلى الله عليه وسلم عليها حضرا وسفرا". يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة الليل، ويواضب عليها في الحضر وفي السفر، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدع صلاة الليل، لم يكن يدع صلاة الليل حتى لما مرض وضعف عليه الصلاة والسلام، كان يصلي جالسا، كان يصلي جالسا، ولم يترك صلاة الليل. وهذا يدل على أهميتها والاعتناء بها. نعم، في حديث عائشة عند أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل، فإذا مرض أو كسل صلى جالسا، إذا مرض أو كسل صلى جالسا، معناه أنه ما يتركها، يستمر. قال: "وحث الناس عليها". أي على صلاة الليل والوتر، كما سمعنا في الأحاديث: «أوتروا يا أهل القرآن»، «أوتروا قبل أن تصبحوا». نعم، هذه الأحاديث فيها الحث على المحافظة على صلاة الوتر. قال: "أقله ركعة". أقل الوتر ركعة واحدة؛ لحديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة توتر له ما قد صلى». وفي الصحيحين وكذلك أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: «الوتر ركعة من آخر الليل». أيضا لابن عمر: «الوتر ركعة من آخر الليل». لكن اختلف أهل العلم: هل تصلى الوتر ركعة من غير أن يسبقها الشفع -يعني من غير أن يصلي قبلها شيء- أو له أن يصلي ركعة وهو لم يصل قبلها شيء؟ يعني يقوم في الليل فيصلي ركعة واحدة فقط يؤتر بها، أو أنه لا يصلي قبلها شيء، ركعتين أقل شيء، ثم يصلي ركعة. في هذا خلاف، والصحيح: أنه يجوز أن يؤتر بركعة واحدة، وإن لم يصل قبلها شيئا؛ لهذه الأحاديث. قال: "فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة". وهكذا أيضا صلاة الليل، صلاة الوتر ركعة من آخر الليل، ظاهر هذه الأحاديث: أن له أن يؤتر بركعة. وثبت ذلك آثار عن الصحابة رضي الله عنهم: أنهم فعلوا ذلك، كانوا يؤترون بركعة واحدة. قال: "وأكثره إحدى عشرة". أي أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة. وهذا على بيان الأفضل والأحسن، الأفضل والأكمل: أنه يصلي إحدى عشرة ركعة؛ لحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. وجاء أيضا في السنن من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي أربعا وثلاثا، وستا وثلاثا، وثمانيا وثلاثا، وعشرا وثلاثا -يعني أحيانا سبع، وحيانا تسع، وحيانا إحدى عشرة، وحيانا ثلاث عشرة- وفي حديث أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاثة عشرة ركعة، فلما ضعف كان يوتر بسبع. فلما ضعف كان يوتر بسبع -يعني صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوتر بثلاثة عشرة ركعة- في هذه الأحاديث: حديث أم سلمة، وحديث عائشة. نعم، وعائشة أخبرت بما يعني رأت: أنه صلى الله عليه وسلم غالبا يفعله، وهو يصلي إحدى عشرة ركعة. طيب، وهل له أن يزيد؟ هل يجوز الزيادة على إحدى عشرة ركعة؟ الجواب: نعم، يجوز. يجوز أن يصلي عشرين ركعة أو ثلاثين أو ما شاء؛ لحديث ابن عمر: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أوتر بواحدة». مثلا يصلي ما شاء، يصلي ما شاء. هذا قول أكثر أهل العلم: أنه يجوز الزيادة على إحدى عشرة ركعة. لكن من حيث الأفضل: أن يصلي ثلاث عشرة ركعة أو إحدى عشرة ركعة؛ لأن هذا هو الثابت من فعل النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان لا يزيد على عدد هذه الركعات. نعم، وصلاة الإحدى عشرة ركعة له أن يسردها بتشهد واحد -يعني يصلي إحدى عشرة ركعة بتشهد واحد- يصلي ويقوم، يصلي ويقوم، يصلي ويقوم حتى يجلس في آخر ركعة في تشهد ويسلم. أو له أن يصلي تسع ركعات ثم يتشهد، يتشهد في التاسعة، ثم يقوم ويأتي بركعتين ثم يسلم. هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم: يصلي تسع ركعات ثم يتشهد في التاسعة، ثم يقوم ويصلي ركعتين ثم يتشهد ويسلم، فتكون إحدى عشرة ركعة بتشهدين. طيب، فالأمر في هذا واسع. كذلك في صلاة التراويح: الأفضل أن تصلي إحدى عشرة ركعة؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز الزيادة إذا أراد الإنسان يزيد ويصلي أكثر من ذلك، لا بأس. جائز من حيث الجواز، جائز. لكن من حيث الأفضل والأكمل: أنه يصلي إحدى عشرة ركعة. وكون إنسان يصلي صلاة يعني عدد ركعاتها أقل، بتؤدة وتأني وإطالة في القراءة وإطالة في الركوع والسجود، هذا أفضل من كثرة الركعات التي ربما يكون فيها شيء من العجلة وعدم الطمأنينة، كحال كثير من المصلين والأئمة الذين يصلون في رمضان، فيحرص على أن يصلي عشر ركعات، لكن ما تجد فيها طمأنينة ولا انشراح صدر ولا تأني ولا تؤدة، بل عجلة -يعني في القراءة وفي الركوع وفي السجود- في سائر أركانها، ما يجد يعني المصلي راحة وانشراح صدر. فإذا كان الأمر كذلك فلا شك أن صلاة ثلاث ركعات أو إحدى عشرة ركعة مع التؤدة والتأني والخشوع أفضل من صلاة عشرين ركعة. فالعبرة يعني بحسن الصلاة وحسن أدائها، وليس العبرة بكثرة الركعات. وإن كان كثرة الركعات مطلوبة وجائزة -يعني في حديث ربيعة بن كعب الأسلمي- لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «سألك مرافقتك في الجنة»، قال: «غير ذلك؟ قال: هو ذاك يا رسول الله»، قال: «أعني على نفسك بكثرة السجود». والمراد بكثرة السجود: أي كثرة الصلاة، كثرة الصلاة. فكثرة الصلاة مطلوبة، لكن إذا كانت تؤدى على الوجه المطلوب من الخشوع والتأني إلى آخره، فلعم هذا أفضل. لا بأس كما سمعنا. أما إذا كانت يعني بعجلة وعدم طمأنينة إلى آخره، فلا شك أن التقليل مع جودة الصلاة أفضل من الكثرة. قال: "ووقته من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر". أي وقت صلاة الوتر أو الليل من صلاة العشاء -أي إذا صلى صلاة العشاء- إذا صلى صلاة العشاء وذلك بعد دخول وقت العشاء، فهذا لا إشكال أن يصلي الوتر. طيب، إذا صلى صلاة العشاء قبل دخول وقت صلاة العشاء، وليس له عذر، فهذا لا يجوز له أن يصلي الوتر، بل عليه أن يعيد صلاة العشاء ويصليها في وقتها. وإذا صلى صلاة العشاء قبل دخول وقت العشاء لعذر -كما جمع بين الصلاتين المغرب والعشاء، فقدم صلاة العشاء في وقت المغرب- هل له أن يوتر بعد أن يصلي العشاء؟ واضح، إنسان مسافر أو إنسان مريض صلى المغرب في وقت المغرب، ثم صلى بعدها العشاء جمع تقديم، هل له أن يوتر بعد أن صلى العشاء؟ الآن وقت العشاء ما دخل، لكن هو قد صلى صلاة العشاء، هل له أن يوتر؟ الجواب: نعم، فيه خلاف، والصواب أنه يجوز له أن يوتر. وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لأن في حقه قد دخل وقت العشاء، ودخل كذلك وقت الوتر، فله أن يصلي، فله أن يصلي. طيب، قبل أن يصلي العشاء هل له أن يوتر؟ الجواب: لا، قبل صلاة العشاء ليس له أن يوتر، وإنما يوتر بعد صلاة العشاء. قال: "إلى طلوع الفجر". يعني يستمر وقت الوتر إلى طلوع الفجر، إذا طلع الفجر انتهى وقت الوتر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أوتروا قبل أن تصبحوا»، حديث أبي سعيد في مسلم. وفي حديث ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا خشي الصبح صلى واحدة توتر له ما قد صلى». إذا خشي الصبح -خشي طلوعه- معناه إذا طلع الصبح انتهى وقت الوتر. فلهذا يتدارك الوقت بصلاة ركعة واحدة يوتر بها. طيب، إذا فاتته صلاة الوتر -طلع الفجر وهو نائم- إما بسبب نوم أو نسيان أو مرض، فكيف يقضيها؟ يقضيها من النهار، يقضيها من النهار شفعا؛ لحديث عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يصل من الليل لمرض أو نحوه صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة». لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بإحدى عشرة ركعة، فيصليها في النهار اثنتي عشرة ركعة. فإذا كان الإنسان معتاد أن يوتر بثلاث يصليها في النهار أربع ركعات، يصليها أربعا. نعم، قال: "والأفضل أن يكون آخر صلاته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا»، متفق عليه. وقال: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله». طيب، الأفضل أن يكون آخر صلاته -يعني الأفضل أن يجعل الوتر آخر صلاته- فليصل بعده شيء، هذا الأفضل. فقوله عليه الصلاة والسلام: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا»، هذا على سبيل الاستحباب، ليس على سبيل الوجوب. يعني المستحب أن تجعل آخر صلاتك بالليل وترا -أي فردا- هذا الأفضل والأكمل. ويجوز أحيانا أن تصلي بعد الوتر شفعا -صلي ركعتين أو أربع- لكن لا توتر مرة أخرى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وتران في ليلة، الوتر مرة واحدة». لكن يجوز أن تصلي بعد الوتر شفعا؛ لحديث أبي أمامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أوتر صلى ركعتين وهو جالس، قرأ في الأولى بالزلزلة، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون، الحديث صحيح، وفي السنن. وهذا يدل على أنه يجوز أحيانا أن تصلي بعد الوتر شفعا. وفي حديث عائشة في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثمان ركعات فتشهد في الثامنة، ثم صلى التاسعة، ثم تشهد ثم سلم، ثم صلى ركعتين -يعني ختم صلاته بركعتين- والركعتين شفع -يعني ما أوتر- وما جعل آخر صلاته وترا في هذه الحالة، فهذا جائز أحيانا. والأفضل والمستحب: أنه كما سمعنا يجعل صلاته آخر صلاته بالليل وترا. وقد يحتاج الإنسان لهذا: أنه ربما يعني يوتر أول الليل خوفا أن لا يقوم من آخر الليل، ثم ينشط في آخر الليل فيقوم، فلا بأس أن يصلي ركعتين أربع ركعات، لكن لا يوتر كما سمعنا، يكفيه الوتر الأول. قال: "ومن خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله". ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل، رواه مسلم، وهو حديث جابر رضي الله تعالى عنه. هذا الحديث فيه بيان أفضل الوقت الذي تصلى فيه صلاة الوتر: أنه آخر الليل -يعني في وقت السحر قبل الفجر- هذا أفضل وقت لصلاة الوتر؛ لفضيلة ذلك الوقت الذي ينزل فيه الرب جل وعلا -