الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر فضل السعي على الأرملة والمساكين، ويوضح تعريف اليتيم والأرملة والمسكين والفقير. السعي على الأرملة والمساكين له أجر عظيم عند الله.
يُبين أهمية الإحسان إلى اليتامى وجزاء المحسنين إليهم، حيث يُعد كفالة اليتيم والإحسان إليه من الأعمال التي تُدخل صاحبها الجنة. الإحسان إلى البنات اليتيمات له أجر عظيم.
يُبين الحديث النبوي فضل كفالة اليتيم والإحسان إليه، وقرب منزلة كافله من النبي في الجنة. كما أُوردت أمثلة على تطبيق الصحابة لهذا الفضل.
حديث "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" ضعيف باستثناء جزء "أنا وكافل اليتيم" فهو صحيح، ويشير إلى فضل كفالة اليتيم.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب فضل من يعود يتيما. قال حدثنا إسماعيل، قال حدثنا مالك. رمانس، إمام دار الهجرة، كان يقول: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام. وكان يقول: من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد اتهم محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه خان الرسالة، كأن الله يقول: ﴿اليوم أتممت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا. قال عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه فضل من يعود يتيما. واليتيم هو من مات أبوه وهو صغير قبل أن يحتلم، فإذا بلغ الحلم رفع عنه لقب اليتم. فاليتم خاص بموت الأب، أما من ماتت أمُّه فلا يقال له يتيم. وقد ورد في معنى ذلك حديث في السنن العلي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يتم بعد احتلام». والحديث ضعيف، وإن كان معناه صحيح. يعني أن من بلغ رفع عنه وصف اليتم. وأما معاملته فإن ينظر فيها، فإن كان في وقت بلوغه صار رشيدا وأحسن التصرف، دفع له ما كان يستحقه من أموال ونحو ذلك. وأما إن بلغ وما زال سيئ التصرف ولم يبلغ رشده في التعامل، فإنه يبقى على حكم اليتم، يعني يحجر عليه، يبقى محجورا عليه حتى يحسن التصرف. هذا الحديث في أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الساعي على الأرملة والمساكين»، الساعي يعني ليسعى في جلب الخير والقيام على هؤلاء اليتامى والأرامل لتحصيل المنافع لهم. والأرملة هي التي لا زوج لها. والمساكين جمع مسكين، والمسكين هو الذي ليس عنده نفقة سنة كاملة. الذي ليس عنده نفقة سنة كاملة فهو مسكين. ويقول الأئمة: إنه إذا ملك نصف النفقة فأكثر، فليس عنده نفقة كاملة لمدة السنة فهو مسكين، وإن كان عنده أقل من النصف فهو الفقير. فالفقير أشد حاجة من المسكين، والمسكين أحسن حالا من الفقير. هذا الذي اجتمع، وإذا افترق دخل المسكين بمعنى الفقير، ودخل الفقير بمعنى المسكين. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام الساعي على الأرملة والمساكين الذي يقوم عليهم ويحسن إليهم وينفق عليهم ويقضي حوائجهم كالمجاهد في سبيل الله، يعني منزلته كمنزلة المجاهد في سبيل الله عز وجل. وهذا يدل على عظم فضل القيام على كفالة ورعاية اليتامى والمساكين. قال: «وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل»، لأن هذه منزلة المجاهد، وهذا جاهد في سبيل الله. أما رجل قال: يا رسول الله، أخبرني عن عمل يعادل الجهاد في سبيل الله. قال: «لا أجده». قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟» يعني هذا الذي يوازي الجهاد في سبيل الله صيام النهار وقيام الليل. ولهذا قال: «أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل»، فجعل عليه الصلاة والسلام القيام بهذا الأمر من باب الجهاد في سبيل الله. وهذا يدل على عظم فضل هذا الأمر. قال: فهذا بفضل عظيم يدل عليه، يعني يقرب له من أقاربه ومن أحب الناس إليه. قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري. ومحمد بن مسلم ويقال لهم الشعاب، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي إلا ثمرة واحدة، فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته، فقال: «من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار». الحديث في الصحيحين. وقد مر معنا في الأبواب السابقة حديث في فضل الإحسان إلى البنات. والشاهد منه هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار»، يعني من كان عنده بنات فأحسن إليهن وقام بتربيتهن والقيام عليهن ونفق عليهن والإحسان إليهن، كن له سترا من النار. وتطبيق هذا الحديث هو أن هذه المرأة جاءت تسأل عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا يدل على أنها ليس لها زوج وليس لهن أب، بمعنى أن أباهن توفي وهن أيتام. فلهذا ثبت بهذا التطبيق فضل من يعول يتيما. فأولادها أيتام، وهي تعولهم. فكان من إحسانها إليهم أنها أعطت التمر لهم، وأعطت هذا التمر اليتيمتين وشقتها بينهما، ولم تأخذ منه شيئا. فلما حدث النبي عليه الصلاة والسلام بما فعلت، قال: «من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار». قال: باب فضل من يعود يتيما من أبويه. قال: حدثني عبد الله بن محمد، قال: حدثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: حدثتني مجهولة، وهي لا تعرف. كما قال الحافظ في التقريب: عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن مرجانة الفهري، وهذه مقبولة عن أبيها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين أو كهذه وهذه»، شك سفيان في الوسطى والتي تلي الإبهام. والحديث في هذه السنن الضعيفة لأنه في الشواهد، وسيأتي من طريق سهل بن سعد ما يؤيده، وهو في البخاري. قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا مشايخنا، قال: أخبرنا منصور، عن الحسن، أن يتيما كان يحضر طعام عمرو بن دينار، فجاع بطعام ذات يوم، فطلب يتيمه فلم يجده، فجاء بعدما أكل عمرو. فجاء بسويق وعسل، فقال: دونك هذا. فوالله ما غبنت. يقول الحسن: وابن عمر والله ما غبنّا. وهذا إسناد ضعيف، فالحسن مدلس. قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، قال: سمعت سلمة بن الأكوع يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى، يعني قرن بينهما. «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا». والحديث في البخاري، وفيه كذلك بيان فضل كفالة اليتيم، وأن من قام بهذا الأمر لكفالة اليتيم والإحسان إليه سبب في دخول الجنة، بل سبب في القرن بالنبي عليه الصلاة والسلام في الجنة. فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل أنه وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وقرن بإصبعيه السبابة والوسطى. وهذا يدل على عظم منزلة كافل اليتيم، وأنه سبب في دخول الجنة، وأن هذا ينال ما أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام من المنزلة العالية في الجنة. كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «من سمع النداء فليقل: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتي محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته». فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل الله أن يأتيه بالوسيلة، حلت له شفاعتي. وهذا لا ينافي قرب كافل اليتيم للنبي عليه الصلاة والسلام، فإن المراد بذلك هو علو المنزلة التي ينالها كافل اليتيم. وكذلك صلاة الوتر تقرب إلى الجنة. قال المبطال رحمه الله: بهذا الحديث، وحق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به حتى يكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. أي نستطيع أن يقوم بكفالة اليتيم والإحسان إليه، فهو أمر ينبغي المسارعة به حتى يكون رفيق النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة. والصحابة قيل سعد بذلك؛ لأنه يسبق الشيطان، كما ذكر الحافظ رحمه الله في الفتح. وهكذا يوم جاء في رواية الصحابة، قال: لأنه يسبح بها في الصلاة ويشار بها. قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا العلاء بن خالد المخزومي المورّد، قال: حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، أن عبد الله يعني ابن عمر كان لا يأكل طعاما إلا وعنده يتيم يأكل معه. وهذا إسناد صحيح، وصححه شيخ العلامة الألباني رحمه الله. والمراد بالقوم أي على المائدة، مائدة الطعام. كان عبد الله بن عمر لا يأكل طعاما إلا وقرب عنده بعض الأيتام يأكل معه. وهذا من عمله رضي الله تعالى بما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام من ذكر فضل كفالة اليتيم. قال: باب خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه. قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا سعيد بن أبي أيوب، أن يحيى بن أبي سليمان، أن يحيى بن عقبة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم محسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه». «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»، يشير بإصبعيه. وهذا الحديث ضعيف، إلا قوله: «أنا وكافل اليتيم» فهي صحيحة، كما قال شيخ الألباني رحمه الله.