آداب المساجد 1

آداب المساجد 1

الدرس في آداب المساجد 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية المساجد ودولها في الإسلام

المساجد لها دور عظيم في دين المسلمين، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أهميتها ببنائه للمسجد عند قدومه المدينة. عمارة المساجد دلالة على إيمان صاحبها.

عمارة المساجد حسيًا ومعنويًا وتأثيرها

عمارة المساجد تكون بصورتين: الحسية ببنائها وتشييدها، والمعنوية بذكر الله فيها. من بنى مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة.

آداب وسلوكيات المساجد وخاتمة الدرس

يشرح المقطع أهمية التحلي بالآداب والسلوكيات الصحيحة عند دخول المساجد. الدرس ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، اعتدنا في مثل هذه الأوقات في المدارسة والمذاكرة لأهم الآداب التي جاء بها الإسلام. وإنني في هذا المقام، وما سيأتي من المقامات، سنتحدث وإياكم بإذن الله عن أدب من الآداب العظيمة التي ينبغي أن يحرص عليها الرجال والنساء، والصغار والكبار، والفقراء والأغنياء، كلٌّ على حد سواء، ألا وهي آداب المساجد. وقبل الشروع في ذكر هذه الآداب، أود أن أنوه إخواني في الله إلى مقدمة مهمة تفيدنا في بيان أهمية المساجد في الإسلام. فالمساجد لها دور عظيم في دين المسلمين، ولا أدل على أهمية المساجد مما جاء في سنته عليه الصلاة والسلام وسيرته عندما قدم المدينة لأجل بناء دولة الإسلام، وعلى أن يقيم مجتمعًا إسلاميًا، كان من أوائل مهامه بناء المسجد. حتى إن راحلته عندما بركت في محل، قال عليه الصلاة والسلام: «هذا المنزل إن شاء الله»، أي هذا المقام وهذا المكان هو المحل. فعلم أن هذا المحل يعد لغلامين يتيمين، فساومهما نبينا صلى الله عليه وسلم لشرائه فاشتراه. ومنذ أن اشترى المسجد، سار عليه الصلاة والسلام ومن معه لبناء المسجد. وفي ذلك إشارة منه عليه الصلاة والسلام على أن صلاح العباد وصلاح البلدان وصلاح المجتمعات إنما يكون بمدى تعلقها بربها، وذلك يكمن في تعظيمهم لبيوت الله. ومما يدل على أهمية المسجد ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، فعمارة المساجد دلالة وأمارة على إيمان صاحبها. وقد جاء في هذا الباب حديث ضعيف: «من رأيتموه يرتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»، وإن كان سنده ضعيف، لكن المعنى صحيح. فمن كان من طبعه ومن سجيته الذهاب والإياب لبيوت الله جل وعلا، إشارة على كمال إيمانه. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن عمارة المساجد تكون بصورتين اثنتين، وقد جاءت هذه الصور مجموعة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾، أي المساجد، ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، هذه العمارة الأولى، وهي أن ترفع بالبنيان، ويسميها العلماء بالعمارة الحسية. ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، هذه العمارة الثانية، يسميها العلماء بالعمارة المعنوية. فالمساجد تعمر حسيًا وتعمر معنويًا، وكلها من علامات الإيمان. العمارة الحسية مفادها أن يقوم أهل القدرة على بناء وتشييد المساجد. وقد حث شرعنا العظيم على هذه المسألة ولهذا النوع من أنواع العمارة، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتاً في الجنة». الجزاء من جنس العمل، من ساهم بماله ببناء مسجد، فالله جل وعلا يجزيك من جنس فعلك بأن يبني لك بيتًا في الجنة يليق بمقامك. وهنا تنبيه على مسألة الإخوان، فلقد تخفى على بعض الناس في مسألة البناء. المسألة الأولى: يدخل في مسألة بناء المساجد ما يكون من أمر الإصلاح، إصلاح المساجد، ما يكون تجديد المساجد، ترميمها، يدخل ذلك في هذا الأجر. فائدة ثانية في بناء المساجد: لا تظن يا عبد الله أن هذا الأجر يكمن فيمن يبني مسجدًا ضخمًا. لا، يا عبد الله، الأجر معك ولو بنيت مسجدًا صغيرًا مما يحتاج إليه الناس في قرية أو ناحية أو حارة. احتاج الناس إلى مسجد صغير، ابنه، واعلم أن الله سيعطيك هذا الأجر. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في السنن من حديث جابر بن عبد الله: «من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاه بنى الله له بيتا في الجنة». مفحص قطاه: أي عش طائر اسمه قطى، يعمل له عش. لأنك قدرت لك أن تبني مسجدًا بهذا الحجم، فالله عز وجل سيعطيك الأجر. فلا يا عبد الله تستحقر هذا الأمر. ابني إن كانت عندك قدرة على البناء. العلماء على خلاف في تفسير هذا الحديث، هل يتوقع أن إنسانًا يبني مسجدًا بهذا المقدار؟ قال بعضهم: هذا الحديث على ظاهره، ويتصور أن إنسانًا يبني مسجدًا بهذا المقدار. قالوا: هذا يعود إلى مسألتين: التوسعة، أو التعاون في البناء. لو أن مسجدًا احتاج الناس أن يوسعوه، فقام رجل من أهل الخير فوسعه، دخل في الحديث. أو لو أن مجموعة من الناس تعاونوا في بناء مسجد صغير، كل واحد ساهم بما عنده، دخل في الأجر. أما العمارة الثانية، وهي العمارة المعنوية، وهو أن تعمر المساجد بذكر الله جل وعلا. وهذه العمارة أهم وأجل، بل هي حقيقة المساجد. ما هي الفائدة أن تعمر المساجد وهي خالية على عروشها؟ ما هناك أحد يصلي فيها. المساجد لها رسالة ينبغي أن تؤديها. ومن تمعنا في حياته عليه الصلاة والسلام يعلم الدور الحيوي الذي كانت تؤديه المساجد في زمنه عليه الصلاة والسلام. كان المسجد لرسول الله مركز تعليم، ومركز للعبادة، ومأوى للفقراء والمساكين. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الدالة على ضرورة إعمار المساجد بذكر الله. قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط». وقال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومن هؤلاء: ورجل قلبه معلق في المساجد». وقال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة ضامن على الله: رجل خرج غازيًا في سبيل الله، ورجل خرج إلى المسجد، ورجل دخل على أهله فسلم عليهم». فإخواني في الله، والحديث في بيوت الله يطول ويطول في بيان أهميتها. لكن ما ذكر إشارة إلى عظيم هذه المجالس وعظيم هذه المساجد التي أمر الله أن تعمر، إما بالعمارة الحسية أو العمارة المعنوية. ولا شك أن عمارة المساجد تحفها آداب تحفها سلوكيات ينبغي أن يتحلى بها كل داخل من رجل كان أو امرأة، من صغير أو كبير. لابد أن يتحلى بهذه الآداب. وإن شاء الله فيما سيأتي من دروس قادمة سنتحدث وإياكم أهم الآداب التي ينبغي أن يعتني بها رواد المساجد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.