المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو أحمد عبدالله بن عفيف، والتي كانت بمسجد الفاروق بمنطقة حباير يوم الأحد 5 شوال 1445هـ الموافق 14 أبريل 2024م ألقاها منوع
يشبه المتحدث طالب العلم الحافظ بمسافر زاده تمر جاهز للأكل، بينما غير الحافظ كمن يحمل دقيقاً يحتاج لعجن وخبز. الحفظ يمكّن العالم من الاستدلال الفوري بالنصوص وأقوال السلف، وهو جوهر العلم الشرعي.
يؤكد المتحدث أن العلم لا ينفع إلا بالعمل به، مستشهداً بآية قرآنية وقصة من الأدب المفرد للبخاري عن رجل أوصى مولاه بابنه. يوصي العالم تلميذه بتقوى الله والصبر وعدم الاستعجال في طلب العلم.
يحكي المقطع قصة طالب علم تلقى وصية من شيخه: «اتق الله، واصبر، ولا تستعجل». عند عودته وجد رجلاً غريباً في غرفة زوجته، فكاد يقتله لولا تذكره الوصية ثلاث مرات، فانكشف أن الرجل قريب لزوجته، فنجا بفضل الصبر والتقوى.
يختتم المتحدث كلامه بتفويض العلم المطلق إلى الله تعالى، والحمد له على تمام النعمة. وهي صيغة ختامية معتادة في المؤلفات والخطابات الإسلامية.
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوالله ما كنت متوقعاً ذلك، فأنا من أهل هذه البلاد، والكلام لضيوفنا، لكن أخونا أبو عبد الله جزاه الله خيراً أبى إلا ولو خمس دقائق، فما عذر الأحبة؟ سمعتم في كلمة أخينا الشيخ عماد حفظه الله وهو يدعونا إلى الجد والاجتهاد، خاصة في حفظ العلوم، فإن الحفظ هو العلم. ولذلك معاشر الأحبة، سمعت أحد مشايخي يضرب لنا مثلاً بطالب العلم الحافظ وغير الحافظ، قال: إن مثلاً طالب العلم الحافظ وغير الحافظ كالمسافر الذي زاده تمر، فهذا هو الحافظ، ومثل الطالب الذي لا يحفظ كالمسافر الذي زاده دقيق. فإذا جاع المسافر الذي زاده تمر، ماذا يصنع؟ أخبروني ماذا يصنع؟ مباشر يضع يده على التمر ويأكل، هذا حافظ العلم وطالب العلم الحافظ. وأما الذي لا يحفظ فكالمسافر الذي زاده دقيق، فإذا جاع قام أولاً وجاء بالدقيق وعجنه وتعب في عجنه، ثم بعد ذلك جعله أقراصاً، ثم أشعل النار ثم خبزه، وإن احترق يموت جوعاً. فالشاهد يا إخوة أن طالب العلم الحافظ كلما جاءت مسألة قال: قال الله، قال رسوله، قال العلامة فلان، قال السلف، هذا هو العلم يا إخوة. العلم: قال الله، قال رسوله، قال الصحابة، وهكذا. معاشر الأحبة، نصيحة من مشفق: أن العلم لا ينفع إلا إذا عملت به. نحن نسمع المواعظ ولكن كما يقال: يدخل من أذن ويخرج من الأخرى. في تلك اللحظة نتأثر ولا نقيد هذه الفوائد، فلا ننتفع يا إخوة، ولا نعمل بهذه المواعظ. ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، ﴿ وَإِذًا لَآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾. أربع ثمرات للذي يعمل بالموعظة، فالعلم ما نفع لا ما جمع. إذا جمعت هذا العلم ينبغي أن ينفعك. عبد الله، أختم معاشر الأحبة بأثر ذكره الإمام البخاري رحمه الله في الأدب المفرد عن الحسن البصري رحمه الله: أن رجلاً كان له ظئام، أي ولد وابن مولى، فلما حضرته الوفاة قال لمولاه وأوصاه بابنه، فقام المولى بالوصية وقام بها خير قيام. فلما كبر الابن زوجه أحد محارمه، قيل ابنته، وقيل أحد محارمه. بعد ذلك قال هذا الغلام لمولى أبيه: أريد أن أذهب لطلب العلم، فزوده وذهب، فالتقى بعالم من العلماء، قال له: أريد منك وصية. قال: إذا أردت أن تعود إلى أهلك فأخبرني. فلما أخذ من العلم ما أخذ أراد أن يعود إلى أهله، فقال لهذا العالم: حضر السفر، أريد أن أسافر فأوصني. فأوصاه بثلاث كلمات، قال له: اتق الله، واصبر، ولا تستعجل. اتق الله، واصبر، ولا تستعجل. كلمات صغيرة، قليلة المبنى، لكنها عظيمة المعنى. فذهب هذا طالب العلم بهذه الفائدة العظيمة: اتق الله، واصبر، ولا تستعجل. فلما وصل إلى بلاده ودخل بيته، فإذا بامرأته نائمة، وفي الغرفة رجل مجافٍ عنها، أي بعيد عنها، لكن في غرفة واحدة. في غرفة واحدة. قال: فلما رأى هذا الموقف قال: هذا ما يصبر عليه رجل، أجنبي ينام عند زوجتي. فماذا صنع؟ خرج إلى ناقته وأخذ سيطه، فلما أخذ السيط تذكر نصيحة شيخه، فقال له: اتق الله، اصبر، ولا تستعجل. فعاد السيط إلى غمده. فلما جاء ووقف، قال: لفحته الغيرة، ما حد يصبر على هذا، رجل ينام عند زوجتي. فرجع إلى سيفه، فتذكر وصية شيخه: اتق الله، واصبر، ولا تستعجل. ثم وقف عليه فاستيقظ، فاستيقظ هذا الرجل، فلما استيقظ قام وعانقه، فإذا هو مولاه، أي خالص قريب لزوجته، إما ابنته أو من أرحامه. فقال له: ماذا صنعت؟ أيش عملت؟ واش استفدت؟ قال: استفدت أمراً، لولا استفادتي لقطعت عنقك. منعني أن أقطع عنقك هذا الذي تعلمته: اتق الله، واصبر، ولا تستعجل. فاجعلوها هذه وصية نصب أعينكم: اتق الله في كل أمر، كما أخبرك أو أمرك نبيك. اتق الله، ونحن لا نحقق التقوى كاملة، فأتبعها بوصية: وأتبع السيئة الحسنة تمحوها. ﴿ اتق الله حيث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحوها وخالق الناس بخلق حسن ﴾. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.