كتاب الزكاة 3

الدرس في كتاب الزكاة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في مصارف الزكاة

يبدأ الحديث عن مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في القرآن الكريم، مع توضيح معاني الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم. يُبين أن الفقير هو المعدم أو من لا يجد ما يكفيه.

تفصيل مصارف الزكاة الثمانية

يتم شرح مصارف الزكاة الثمانية بالتفصيل، مثل المؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل. كما يتناول حكم إعطاء بني هاشم وبني المطلب من الزكاة.

زكاة الفطر وحكمها ومصرفها

تجب زكاة الفطر على كل مسلم صاعا من قوت البلد عن كل فرد، وتخرج قبل صلاة العيد. يُبين أن مصرفها هو مصرف الزكاة، ولا تجب على من لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته.

تفاصيل حول زكاة الفطر وإخراجها

يشرح المقطع تفاصيل زكاة الفطر، مثل مقدارها ومصرفها ووقت إخراجها. يُبين أن الأصل في إخراجها أنها تكون عن كل فرد على نفسه إذا كان قادرا، وإذا لم يجد فيخرجها عنه وليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الإمام الشوكان، رحمه الله: باب مصارف الزكاة. قال: هي ثمانية كما هي في الآية، وتحرم على بني هاشم ومواليهم، وعلى الأغنياء والأقوياء المكتسبين. هذا باب مصارف الزكاة، أي أين تصرف هذه الزكاة أو تعطى لمن؟ فهل لا شك أن الله عز وجل ذكر هؤلاء الذين تعطى لهم الزكاة، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، فهذه المصارف التي ذكرها الله عَبز وجل بنفسه سبحانه وتعالى، وهؤلاء الثمانية الأصناف. قال جمهور العلماء: إنه يكتفى ولو بواحد من هذه الأصناف، ليس المراد أنهم يعطون كلهم، وإنما يكتفى ولو بواحد من هذه الأصناف، إذا أعطاه فإنه أعطى من يستحقها. فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، الفقير هو المعدم أو المعدم الذي لا يجد الشيء أو يجده أحيانا ولا يجده أحيانا، ما عنده طعام، ما عنده لباس إلا لباسه الذي فيه، مثلا أو طعامه أحيانا يجد وأحيانا لا يجد، فهذا هو الفقير. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، فالفقير هو أشد حاجة من المسكين. وأما المسكين فهو الذي لا يجد غنى فيغنيه، ولا يتفطن عليه فيتصدق عليه، الغنى هو المسكين، هو الذي يجد الشيء لكن هناك أشياء ضرورية لا يجدها، معنى يجد أحيانا، معنى مثلا يجد طعامه أو يجد غداءه مثلا ولا يجد عشاءه، أو أنه عنده لكن هناك أشياء ضرورية لا توجد عنده، مثلا عنده أرز لكن ما عنده لبن لأولاده، عنده أطفال ما عندهم لبن، فهو يحتاج إلى اللبن ضروري، عنده مثلا بعض الأشياء. قال بعض المعاصرين: إن بعض الأشياء التي افترضها الواقع هذه قد تكون من الضروريات، مثلا على سبيل المثال الثلاجة الآن أصبحت معنى ضرورية في كل بيت يحفظ طعامه، يحفظ ما يأتيه من لحوم من صيد من كذا، وإلا سيذهب عليه. كان الناس قديما عندهم طرق يحفظون اللحم، يحفظون الصيد، لكن الآن ذهبت هذه الطرق، فما يحفظونه إلا في الثلاجة، فأصبحت الثلاجة ضرورية. كذلك طالب العلم، طالب العلم يحتاج إلى كتب للعلم، فهي تعتبر ضرورية له، خاصة الكتب التي يدرس فيها والكتب التي يراجع فيها، ليس الكتب مثلا التي قد لا يحتاجها إلا أحيانا، لكن الكتب التي يحتاجها وتكون ضرورة في دراسته في طلب العلم، فهذا أيضا يعتبر من الأمر الضروري. لهذا بعض العلماء يدخل طالب العلم المساكين لأجل أن هذه تعتبر ضرورة له، وهكذا غيرها من هذه الأمور التي تكون ضرورة لبعض الناس، وقد لا تكون ضرورة لبعضهم. فالمسكين يجد لكنه لا يجد بعض الضرورات أو الضروريات، بعض الضروريات لا يجدها. ولهذا في قول الله عز وجل في سورة الكهف: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، وقال في سورة الكهف أيضا: ﴿وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، سماهم مساكين، مع أنهم يعملون وعندهم سفينة، لكن هناك أشياء ضرورية لا يجدونها. فالمسكين أقل حاجة من الفقير، والفقير أشد حاجة من المسكين، لكن أحيانا يدخل هذا في هذا، وهذا من الأمور التي قال العلماء فيها: إذا انفرد أحدهما شمل الآخر. إذا ذكر المسكين يدخل فيه الفقير، وإذا ذكر الفقير يدخل فيه المسكين، لكن إذا قيل: الفقير هو المعدم، والمسكين الذي عنده لكن لا يجد الأشياء الضرورية، أو معنى تعدم عنده بعض الأشياء الضرورية. فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، العامل عليها هو الذي يوكلهم الحاكم بجمع الصدقة أو بكتابتها، معنى يكون هذا العامل يعمل لهذه، معنى لجمع الصدقة وكتابتها وإحصائها وتوزيعها، فهؤلاء الذين وكلهم الحاكم. ليس من تبرع الآن، الناس يغلطون في هذا، تجد بعضهم يتبرع، مثلا يأتي إلى التجار يقول لهم: هاتوا صدقاتكم وأنا أوزع، هذا متبرع، يعتبر ما يعتبر عاملا لأنه ما في حد وكله أن يعمل فيفعلون هذا، ثم يأخذون العاملين عليها ويأخذون العشر أو يأخذون كذا، هذا خطأ. لأن الآن إذا جاء إلى الأغنياء بنفسه وقال: هاتوا صدقاتكم وأوزعها لكم، فهذا متبرع، فعندما يعطونه الصدقة يوزع الصدقة مثل ما أعطوه، فهو وكيل، ممكن يكون وكيل، ممكن يكون متبرع، معناه هم يوكلونه وتوزع الصدقة، إن كان معهم أجراء يعطونه أجرة من عندهم، أما يأخذ من الصدقات فهذا خطأ، فهو ليس عاملا. العمال هم الذين يضعهم الحاكم لجمع الصدقة، وأما المتبرع فهو ليس عاملا. والآن حصل خلط بهذا الأمر، حتى جعل كثير من الناس إذا أراد عملا عمل له جمعية وجمع أموالا، أنه صار عاملا، ويتحصل على العشر، يتحصل على كذا من الأموال التي تأتي للجمعية، فهذا فيه أخذ لأموال الناس بالباطل. يعني من أين يحق له أنه يأخذ هو، ما دام أنت متبرع فلا، لا شيء لك من هذه الصدقة، إلا إن كان هو محتاجا، إن كان هو من المحتاجين، مثلا إنسان أعطى آخر قال له: هذه الصدقة وزعها على الفقراء، وهو فقير، لا بأس أنه يأخذ من هذه الصدقة. أما أنه مثلا يجعل نفسه من العاملين وهو عنده ولا يحتاج لهذه الصدقة، وإنما فقط لأنه من العاملين على أساس أن العلماء قالوا: إن العامل يأخذ من الصدقة ولو كان لا يستحقها. العلماء يقولون: إن العامل يأخذ من الصدقة وإن كان لا يستحق الصدقة، معناها ليس من أهلها، ليس من الفقراء أو المساكين، لكنه يستحق بعمله، فهذا يقوم ويفسرها على نفسه، لا. العامل هو من يضعهم الحاكم، أو حتى مثلا يضعهم الناس، أنا ليس هناك حاكم، لكن الناس أو الأغنياء يقولون لهم: خلاص نعطيكم الصدقة وعندكم تعملون فيها، هذا ما في شيء. أما إنسان يذهب ويتبرع ويذهب إلى الأغنياء ويقول لهم: اجمعوا الصدقة عندي وكذا، فهذا يعتبر متبرعا وليس عاملا. ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، المؤلفة قلوبهم هم الذين يتألف قلوبهم بإعطائهم المال، إما أنهم كفار يعطون لأجل مصلحة أهل الإسلام. كيف مصلحة أهل الإسلام؟ مثلا يكونون في حدود العداء، مثلا عندنا بلاد مسلمة وهناك بلاد كافرة وبينهم أيضا بلاد فيها أكفار، لكنهم بينهم وبين المسلمين مودة معنا، مثلا تعامل، وليس ما يعادون الإسلام، معنا يعاملونهم معاملة أي أحد. فمثل هؤلاء ممكن يعطون من المال حتى يحمون ظهر المسلمين، أو يعطون لأجل إسلامي، يعطون لأجل إسلامي، مثلا يكون مثلا قبائل، بعض الأحيان يكون قبائل، تجد أنهم على الكفر، لكنهم جُهّال، معناهم على دين ورثوه من آبائهم، فيدعون إلى الله عز وجل، ولا بأس إذا كانوا مثلا يحتاجون إلى مال، يعطون المال لأجل أن يؤلف قلوبهم للإسلام. وأحيانا المؤلف قلوبهم يكونون من المسلمين، لكن يكون إسلامهم ضعيف، مثل مثلا رؤساء القبائل والناس المهمين عند الناس، فهو لا يعطون حتى إذا حسن إسلامهم، دعوا الناس، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع رؤساء القبائل أهل نجد. فلما جاءت غنائم حنين، أعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مئة من الإبل، وأعطى أبا الخير أعطاه مئة من الإبل، هو رئيس أهل طي، وأعطى كذلك سلمة بن علاقة أو غيره أعطاه مئة من الإبل، حتى جاء مرداس الأسلمي وهو شيخ قبيلة أسلم، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم خمسين، فاعترض على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أجعلت نهبي ونهبي العبيد بين الأقرع وعيينة، فضلت الأقرع وعيينة، قال: أقرع وعيينة عليَّ، ونحن ليس إلا سواء، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مئة من الإبل. فهؤلاء كانوا رؤوس القبائل، وخاصة قبائل نجد، القبائل نجد فيها شيء من الغلظة، لكن تألفهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المال، ودعوا قومهم بعد ذلك إلى الإسلام. وحتى أن الناس لما عرفوا الإسلام، لما جاء وفد ثقيف في السنة التاسعة، جاءوا ومسلمين، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نريد ذرارينا وأموالنا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اختاروا أحد الأمرين، اختاروا أحبَّهما إلينا، إما المال وإما الذرية، أما كله لا، فقالوا: نختار الذرية، عن الذرية، النساء والأولاد الصغار، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وأخبر الناس أن ثقيف جاءت، وأخبرهم أنه خيَّرهم فاختاروا الذرية، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فما كان معي ومع بني هاشم فهو لهم، فقال الناس: نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل من كان معنا فهو لهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ابغوني عرفاءكم، معناه: أطلعوا وخلوا عرفاءكم يتكلمون، حتى إنه لا يكون هناك إنسان ليس براض ويعطي حقه وهو ليس براض. فكان عيينة بن حصن الفزاري التميمي رافض يقول: يا رسول الله، نحن ما سنعطيهم، فكان قومه قالوا: والله لا نطيعك، فعن أصحابه الذين كانوا يعظمونه، كانوا كذا، قالوا: والله لا نطيعك ونجعلها لرسول الله، معناه: أعطوا ما كان لهم، قالوا للرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن عيينة كان شيخهم وكبيرهم، لكن لما دخلوا في الإسلام في قلوبهم، فضلوا النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الذي كان كبيرهم. فقالوا: والله لا نطيعك ونعطيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء المؤلفة قلوبهم، إما يكونوا كفارا، وإما يكونوا من أهل الإسلام، لكن القصد هو التأليف للإسلام. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، الرقاب هم العبيد، لكن ما معنى في الرقاب؟ معناه: أنهم يعطون المال لأجل المكاتبة، مثلا يعني العبد أحيانا يكاتب سيده، يقول له: سأعطيك مثلا مبلغ مئة ألف، ثم هذا المبلغ إذا جئت بهذا المبلغ فأنت حر. فمثل هذا يعطى من الزكاة، فهذا يعطى من الزكاة أيضا، كذلك يعطى من الزكاة من أراد اعتاقه، مثلا يعتق لأجل أن يعتق، يعطى سيده من الزكاة لأجل اعتاقه، هذا ما في شيء. ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، الغارمون هم أهل الديون الذين لا يجدون السداد، الغارم هو المدين الذي لا يجد السداد، أن عليه دين ولا يجد شيء يسدده، فيسمى غارما. وهؤلاء يعطون من مال الزكاة حتى يسددوا ديونهم، يعطون من مال الزكاة حتى يسددوا ديونهم. ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، في سبيل الله هم أهل الجهاد، هذا باتفاق العلماء، في سبيل الله معنى أهل الجهاد الذين يجاهدون في سبيل الله، والمرابطين وأهل الثغور، كل هؤلاء. فكل من شارك في الجهاد فيعطى لأجل جهاده، إما يعطى أعطيات عامة للمجاهدين، أو يعطون مثلا لأجل شرائهم السلاح، أو لغيرهم من الأغراض التي يكون فيها الجهاد، فهذا معنى في سبيل الله. وأدخل بعض العلماء في سبيل الله من كان مثلا يريد الحج، لأنه جاء في سنة بداود وعند أحمد وغيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الحج من سبيل الله». هل يقصد النبي صلى الله عليه وسلم من سبيل الله أنه ممن يعطى الصدقة؟ أو أنه من سبيل الله أي أنه من أعمال الخير التي يفدي العبد نفسه لأجل الله، أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فهذا الذي يذهب إلى ذلك المكان الشاق البعيد، فهو قد اشترى نفسه لله وماله لله. فمن أهل العلم من قال كذلك، وقل الجمهور على أنه لا يدخل إلا المجاهدون، والظاهر أن الآية أيضا أعم من هذا، بل يدخل كما ذكر الإمام ابن قيم وغيره، شيخ الإسلام، أنه يدخل أيضا المدافعون عن الدين، العلماء الذين معنى جعلوا أنفسهم للدفاع عن دين الله ونشر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيضا لا بأس أن يدخلوا في هذا النضمار، لأنهم في سبيل الله، فهم أحيانا يكونون أولى من المجاهدين الذين يجاهدون بالسلاح. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، ابن السبيل هو المسافر الذي يمر إلى منطقة ولا يجد عنده المال الذي يوصله إلى بلده، أن يأتي إلى منطقة وينتهي ماله، أو يسرق أو مثلا يضيع عليه المال، ما يجد شيء من المال، فهنا مثل هذا يعطى ما يوصله إلى بلده، يعطى ما يوصله إلى بلده، فهذا يسمى ابن السبيل. فقال الله عز وجل: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، هذه الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله عز وجل، فسواء كان أعطوا كلهم أو أعطي واحدا منهم، فكله جائز. قال رحمه الله: وتحرم على بني هاشم، أي تحرم الصدقة على بني هاشم ومواليهم. النبي عليه الصلاة والسلام جاءت عنه أحاديث كثيرة أنه قال: «إنها لا تحل لنا الصدقة»، وجاء أيضا عند أحمد وأبي داود أنها قال عليه الصلاة والسلام: «ومولى القوم من أنفسهم»، وجاء في حديث: «أن الصدقة لا تحل لنا ولا لموالينا»، وقال: «وأن موالي القوم من أنفسهم»، وقال: «إنما هي من أوساخ الناس». ولا خلاف بين أهل العلم كما ذكر ابن قدامة وغيره: أن الصدقة لا تحل لبني هاشم، لكن اختلفوا في بني المطلب، اختلفوا في بني المطلب، هل بني المطلب لا تحل لهم الصدقة؟ لأنهم يعطون الخمس معنا، بنو هاشم لماذا لا تحل لهم الصدقة؟ لأنهم يعطون الخمس. لكن ليس هذه العلة، العلة النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما هي من أوساخ الناس». طيب، لكن هل يعطون الخمس؟ وبنو المطلب أيضا يعطون الخمس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لهم، وقال: «بني هاشم وبني المطلب شيء واحد»، فهل يعطون من الزكاة؟ نعم، الصحيح أنهم يعطون، هذا قول جمهور أهل العلم. وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: إن بني المطلب مثل بني هاشم، مع أنه مطلبي، مع أنه رحمه الله مطلبي، لكن كان يقول: إن بني المطلب مثل بني هاشم، لا يعطون الصدقة، وهذا هو العُذْر في الحكم أنهم لا يعطون الصدقة. لكن ذكر العلماء مثلا: أنهم إذا لم يعطوا الخمس، أنهم إذا لم يعطوا الخمس، هل يعطون الصدقة؟ فأكثر أهل العلم تمسكوا بالظاهر وقالوا: لا يعطون، لأن الصدقة هي محرمة عليهم. وهناك رواية عن أحمد، واختار شيخ الإسلام وجماعة: أنهم قالوا: إذا كانوا معدمين، ما عندهم شيء، فإعطاؤهم الصدقة خير لهم من أن يسألوا، يعني كيف نجعلهم يسألون وهم آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإجازة الصدقة لهم أفضل من أنهم يتكففون الناس ويسألون. فكيف سيكون السؤال لهم جائز، والصدقة عليهم حرام؟ هذا غير صحيح. فلهذا بدل أن يسألوا الناس، فإنهم يعطون من الصدقة، هذا إذا منع الخمس، أما إذا كانوا يعطون الخمس، خلاص ما في عليهم صدقة. طيب، قالوا: أما وتحرم على بني هاشم ومواليهم، وعلى الأغنياء، الأغنياء أيضا لا يجوز أن يعطوا لهم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه رجلان يطلبان الصدقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئتما أعطيتكما، وما وإنها لا حظ فيها لغني، ولا لذي مرة مكتسب»، وجاء فيه: «ولا لذي مرة مكتسب»، قال: «لا حظ فيها لغني، ولا لذي مرة مكتسب»، لأن الصدقة إنما للفقراء والمساكين، أما الأغنياء فليست لهم الصدقة. وجاءه في الصحيحين في حديث أبي هريرة: في ذلك الرجل من بني إسرائيل أراد أن يخرج صدقته، فأخرج صدقته في يد غني، فأصبح الناس يتحدثون: سبحان الله غني، معنى ما وجد إلا أن يعطي غنيا، فأوحى الله عز وجل إلى نبي ذلك الزمان: أعطاها بعد ذلك لزانية، ثم لسارق، فأوحى الله عز وجل لنبي ذلك الزمان، فقال له: أما أعطاها للغني فلعله يعطي صدقته، معنى يرق قلبه، وأما أعطاها للزانية فلعلها تستعف عن زناها، وأما أعطاها سارق فلعله يمتنع عن السرقة، معنى الحديث: أن الله عز وجل عذر وقبل صدقته، وقبل صدقته. استدل به العلماء على أن من مثلا أعطى رجلا غنيا وهو لا يعرف أنه غني، فأعطاه صدقة، فهذه الصدقة مقبولة، لأنه لا يعرف أنه غني، ظنه فقيرا، فأعطاه هذه الصدقة، فهذه الصدقة مقبولة. لكن إذا علم أنه غني، إذا علم أنه غني، هل خلاص يكتفي بما أعطاه؟ أم أنه يخرج الصدقة؟ فهذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يخرج، معنى من باب الأولى يخرج، إذا كان معه، وإلا اكتفى بما قد أعطى، فإنه لم يعطها متعمدا. لكن لو أعطاه متعمدا، يعرف أنه غني ويعطيه لأجل المحاباة، بعضهم يفعل هذا، مثلا تعود أنه يعطي إنسانا من أقاربه، فيأتي الزمان وهذا القريب الذي له يعوضه الله عز وجل بمال وكذا، فيصبح غنيا، فيقوم ذاك على معتاد يعطيه الصدقة كل سنة، مثل ما يفعل الآن كثير من الناس، خلاص كل سنة عنده ناس عنده كشف، بعضهم يعرفهم، يعرف أحوالهم، لكن عنده الكشف، خلاص يمشي عليه سنوات، إذا جاء وقت الزكاة أعطى هؤلاء، وزع لهم، هذا لا يجوز، لأنه يعرف أنه غني. فالصدقة للغني لا تقبل إذا كانت زكاة، لا تقبل إذا كان يعرف أنه غني، أما إذا كان ما يعرف، وعطاها على ظنه أنه فقير، فهذا لا بأس. طيب، وأما قوله هنا: وعلى الأغنياء والأقوياء المكتسبين، الأصل أن القوي المكتسب لا يعطى، لا يعطى إلا إذا كان مثلا توكد أنه لم يجد عملا، وإلا فإنه واجب عليه أن يعمل، إذا كان قويا مكتسبا. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبلا فيأتي بحطب فيبيعه خير له من أن يسأل الناس، منعوه أو أعطوه»، فالأصل أن القوي المكتسب الذي يستطيع الاكتساب لا تجب عليه، لا يستحق الصدقة، بل تحرم عليه. لكن إذا كان مثلا قويا، لكنه لم يستطع الاكتساب، لم يجد عملا يعمل فيه، فهذا لا بأس أن يعطى الصدقة أحيانا، لكثرة الناس وكثرة معنى الأعمال مثلا محجوزة، وكثرة العاملين، فقد لا يجد الإنسان عملا، قد لا يجد الإنسان عملا، فمثل هذا لا بأس أن يعطى. طيب، نأخذ صدقة الفطر. قال: باب صدقة الفطر. قال: هو صاع من القوت المعتاد عن كل فرد، والوجوب على سيد العبد ومنفق الصغير ونحوه، ويكون إخراجها قبل صلاة العيد، ومن لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه، ومصرفها مصرف الزكاة. باب صدقة الفطر، صدقة الفطر هو ما يعطى بعد رمضان، أنا في العيد صدقة لعجل فطره من رمضان. قال: هو صاع من القوت المعتاد عن كل فرد، أنا يخرج صاعا عن كل فرد من أفراد أسرته، فيجب على كل من حضر رمضان ولو شيئا يسيرا، معنا لو ولدت المرأة قبل غروب الشمس بلحظة، فإنه يجب أن يخرج عنه زكاة الفطر، لو ولدت بعد رمضان، معنا بعد ما غربت الشمس ليلة العيد ولدت، هذا ما عليه شيء، إلا يخرج من باب الاستحباب فقط، أما الوجوب فليس هناك وجوب، إلا إذا ولدت قبل غروب الشمس من ليلة العيد، من ليلة العيد، إذا ولدت في رمضان ولو في آخر اللحظة، فإنه يجب أن يخرج عنه زكاة، يخرج عنه زكاة. فهذا وقت ما يجب عليه، ويجب عليه إخراج عن كل فرد صاعا من القوت، ويدل على ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين»، فهذا الحديث يبين أنه على كل أحد صاع من شعير أو من غيره. وهناك قول على أن البر عليه، معنى يخرج مدين من البر، وجاء ذلك عن بعض الصحابة، ومنهم معاوية، لكن خالفهم أيضا بعض الصحابة كأبي سعيد وغيره، فيخرج عن كل فرض صاعا من الطعام من قوت البلد. وإنما قلنا من قوت البلد، لما جاء في حديث أبي سعيد في البخاري، قال: «كنا نخرجها أي نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، وصاعا من شعير، وصاعا من تمر، وصاعا من زبيب، وصاعا من أقط»، الأقط هو اللبن المجفف، فقال في رواية في البخاري: «وكان طعامنا»، قال: «كنا نخرجها صاعا من طعام، وكان طعامنا التمر والزبيب والشعير والأقط»، أن هذه كانت طعام الناس، فأخرجها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر بإخراجها من هذا الطعام الذي يطعمونه. فلهذا قال الشافعية، وهو أيضا قول الحنابلة في المشهور عنهم: أنها تخرج من قوت البلد، من يقتاتونه الناس، ليس أنها تحدد هذه الأشياء التي كانت في عادة النبي صلى الله عليه وسلم، لا، وإنما من قوت البلد. مثلا إذا كان مثلا عندنا أكثر ما يقتات الناس الأرز والبر، التمر الآن أصبح شيء كمالي، ليس وجبة ضرورية، لكن أكثر ما يقتاتونه الأرز، وأيضا البر والدقيق، حتى الشعير، الشعير عندنا هنا غالبا ما يقتاتونه الناس، لكن يقتاتون البر. فلهذا يخرج من البر، من الدقيق، من الأرز، لأن لو أعطيت الناس الآن للشعير، سيعطون الأغنام ما سيأكلونه، لأنهم ما تعودوا على أكل الشعير. فلو أعطيتهم مثلا تمرا، التمر ما سيجعلونه وجبة، وإنما سيأكلونه أحيانا، وهكذا. فلهذا يعطى من قوت البلد، ولهذا قال المؤلف هنا: هو صاع من القوت المعتاد الذي اعتاده الناس عن كل فرد. والوجوب على سيد العبد، لكن هؤلاء على من؟ غير العبد، هل على كل فرد لنفسه؟ أم على الرجل الذي ينفق عليهم؟ على ولي الأسرة؟ فهذه أيضا مسألة في خلاف. فبعض العلماء يقول: إن الأصل على كل فرد يخرج زكاة ماله، فإن كان صغيرا وعنده مال، أخرج من ماله، المرأة تخرج من مالها، هذا يقول الأصل. لكن إذا لم يجد، فإنها تجب على صاحب البيت والمنفق عليه، وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطني: أن ابن عمر قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون»، ممن تمونون، أي ممن تنفقون عليه، وهذا الحديث لا يصح، وصحيح أنه موقوف على عبد الله بن عمر. لكن الصحيح قال: إن الأصل أن كل واحد يخرجها عن نفسه، إلا من لم يجد، يخرجها عنه ولي يخرجها عنه ولي، إلا العبد يخرجها عنه الولي، لأن العبد ليس عنده مال، ليس عنده المال، فلهذا يخرجها وليه عنه. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر»، ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر. قال رحمه الله: ومنفق الصغير ونحوه، على الذي ينفق على الصغير هو الذي يخرجها عنه. قال: ويكون إخراجها قبل صلاة العيد، هذا وقتها، على أنها تخرج قبل صلاة العيد، كما جاء في حديث ابن عمر وابن عباس، وجاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تخرج قبل صلاة العيد»، أن تخرج قبل صلاة العيد، أو جاء قبل خروج الناس إلى الصلاة، أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. فلهذا وقتها هو قبل أن يخرج الناس إلى الصلاة، هذا وقتها، لكن لا بأس أنها تقدم قبل العيد بيوم أو يومين، كما جاء عن عبد الله بن عمر: كان يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين. بل إن الإمام الشافعي رحمه الله يرى أنه يجوز أن يخرجها ولو أول يوم من رمضان، ولو أول يوم من رمضان يجوز له أن يخرجها، لماذا؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عباس: «فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين»، طهرة من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فهو طهرة من اللغو والرفث في الصيام، وطعمة للمساكين في العيد. فقال: إذا تحقق أحدهما فالصائم الذي يصوم أول يوم تحقق منه الصيام، فما دام أنه تحقق منه الصيام، فيجوز أن يخرج زكاة الفطر، لأن أحد العلتين تحققت، وهذا اجتهاد منه رحمه الله، وهو له وجه. لكن الأفضل أن الإنسان يخرجها في العيد، يخرجها في العيد أو في ليلة العيد، ما في شيء. قال: ومن لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه، أنا هذا الوجوب يجب على من وجد زيادة على قوته وقوت عياله في ليلة العيد، إذا وجد زيادة فإنه يخرج هذه الزيادة، يخرج هذه الزيادة. فحتى ولو أعطيتها صدقة وزادت هذه الصدقة تكفيه مثلا لثلاثة أيام، فيخرج يجعل حق يوم واحد ويخرج الباقي، معنى يخرج على عدد أسرته، يخرج على عدد أسرته، فما بقي فهو له. قال: وهذا متفق عليه، عن أنه لمن كان عنده قوت يومه وليلته يوم العيد، فهذا لا يخرج، لمن كان عنده زيادة يخرج، فإن كان عنده زيادة صاع واحد يخرجه عن نفسه، إذا كان عنده صاعين يخرجه عن نفسه وعن زوجته، ومنهم من قدم الأب، ومنهم من قدم الإبن، والأمر سهل إن شاء الله. فإن كان عنده ثلاثة يخرج هكذا، أربعة يخرج عن نفسه وأمه وهكذا. طيب، قال: ومصرفها مصرف الزكاة، هذا أيضا مسألة اختلفوا فيها، هل مصرف زكاة الفطر مصرف الزكاة؟ منهم من قال: إنها مصرفها مصرف الزكاة، أي الثمانية الأصناف، يعطون الثمانية الأصناف. لكن جاء في حديث ابن عباس أنه قال: «طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين»، طعمة للمساكين، فلهذا خصها أحمد، وكذلك هو قول شيخ الإسلام وغيره: على أنها تقتصر بالمساكين، يعطى المساكين، ويدخل فيهم من؟ الفقراء، يدخل فيهم الفقراء من باب أولى. فزكاة الفطر تعطى للفقراء والمساكين، ما تعطى للعاملين عليها، ولا أيضا للمؤلفة، ولا في الرقاب، ولا غيرهم ممن ذكرهم الله عز وجل. إن شاء الله وتعالى انتهينا بهذا من كتاب الزكاة.