الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 414، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول شرح حديث أبي سعيد الخدري الذي يبين أهمية قراءة الفاتحة في الصلاة، مع التركيز على سند الحديث ورواته. يُبرز المقطع الدقة في نقل الحديث وتفسيره.
يستعرض اختلاف العلماء حول حكم قراءة سورة بعد الفاتحة، حيث يرى الحنفية وجوبها بينما يعتبرها الجمهور مستحبة، مع مناقشة الأدلة والردود على الاستدلالات المختلفة.
يتناول الأحكام المتعلقة بقراءة المأموم خلف الإمام، حيث يُنصح بقراءة الفاتحة مع الإمام، مع تفصيل في كيفية التعامل في الصلوات السرية والجهرية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الصمد، وهو ابن عبد الوارث بن سعيد التنوري البصري، قال: حدثنا همام، وهو ابن يحيى العودي، أبو بكر البصري العزدي. وهمام كان من حفاظ البصرة، إلا أنه اعتمد على حفظه في بداية الأمر، فكان أحيانا يزيد في الأسانيد ويغلط. ثم إنه مرة نبهه عفان، فقال له: يا همام، الناس يرون كذا، فذهب إلى كتابه فرأى أنه أخطأ، فقال: يا عفان، قد كنا نخطئ كثيرا. ونعترف أنه كان يخطئ من حفظه، ثم لازم كتابه، ثم لازم بعد ذلك كتابه. ولهذا يقال: إن هماما حديثه القديم معنى حديثه الجديد، أو الذي رواه في آخره أفضل من الذي رواه في أوله. معنى حديث غالبا الناس بالعكس يكون حديثهم الأول أقوى لشدة نشاطهم في العلم، وكذلك شبابهم، لكن هماما بالعكس حديثه الجديد والمتأخر أفضل من المتقدم. حديثه المتأخر أفضل من المتقدم؛ لأنه في آخره كان يعتمد على كتابه. ولهذا كان يحيى بن سعيد ينكر أحاديث همام، ويقول: كان يزيد في الأسانيد ويخطئ، حتى جاء عفان. فقال: كان هماما لا يخطئ. فلما جاء معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، رأى كتابه عن قتادة، رأى كتابه عن أبيه عن قتادة، ورأى كتاب همام مع عفان، فرآه ما سواء. فرآه ما سواء، معناه أن هماما قل في الخطأ. لكن هذا كما قلنا بعد أن كان يخطئ. قال: حدثنا قتادة، وهو ابن دعامة بن خطاب السدوسي، عن أبي نظرة، وهو المنذر بن مالك بن قطعة، وهو بصري كذلك. أو نظرة البصري. وهذا الحديث ذكره الإمام الحاكم أبو عبد الله فيما تفرد به البصريون. أنا كان يذكر بعض التفردات لأهل البلدان، فذكر هذا الحديث فيما تفرد به أهل البصرة. وسيأتي معنى أن الأسانيد كلها التي ذكرت كلهم من أهل البصرة. قال: عن أبي سعيد. وأبو سعيد هو مدني، لكنه جلس فترة في البصرة. قال: عن أبي سعيد: «أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح. قالوا: الحديث أخرجه أحمد أيضا، فقال: حدثنا بهز وعفان. بهز بن أسد أيضا كذلك، أبو بكر البصري، وهو حافظ من حفاظ البصرة. وعفان أيضا. وكان الإمام أحمد يقول: إليهم المنتهى في التثبت، بهز وعفان، ومعهم حبان بن أبي جبل. كان يقول الإمام أحمد: إليهم المنتهى في التثبت؛ لأنهم كانوا يضبطون كتبهم، حتى إن عفانا كان إذا شك في حرف ترك الحديث كله. إذا شك في كلمة أو في حرف من الكلمة، فإنه يترك الحديث كله. وهذا لورعه رحمه الله، وشدة تثبته. وكان الإمام أحمد يسميهم أهل الشكل والنقط، أي يسمي هؤلاء الثلاثة: بهز بن أسد، وعفان بن مسلم الصفار، أبو عثمان البصري، وكذلك حبان بن هلال، وهو بصري كذلك. قال: حدثنا همام به، أي بنفس الإسناد. قال أبو داود: قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، وهو الشاب العبقري الطيالسي البصري. وكان كما قال الإمام أبو حاتم: فقيه ثبت، فقيه. قال: أخبرنا همام عن قتادة عن أبي نظرة عن أبي سعيد، قال: «قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر». قال: ورواه عبد بن حميد في المنتخب. فهذا الحديث قول أبي سعيد: «أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر». هذا الحديث بعض العلماء أعله كالإمام البخاري في جزء القراءة، أعله بحنانة قتادة. ومنهم من أعله بأنه موقوف؛ لأن هذا الحديث قد رواه أبو المتوكل الناجي، فرواه عن أبي سعيد من كلامه: أنه كان يقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر، أي من فعل أبي سعيد، وليس من أمر النبي عليه الصلاة والسلام لهم. ومعلوم أن القراءة بعد الفاتحة قد اتفق عليها العلماء أنها مشروعة، أنها مشروعة عن النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الفجر، وفي الركعتين الأوليين من الظهر والعصر والمغرب والعشاء. هذا باتفاق العلماء وعمل المسلمين عليه، أنهم يقرؤون سورة بعد الفاتحة أو ما تيسر من القرآن، وهذا مشروع كما قلنا. وأيضا جاء في حديث أبي قتادة الذي في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يقرأ في الركعتين الأخريتين من صلاتي العشي - على صلاة الظهر والعصر - أحيانا يزيد فيها، يقرأ ببعض الآيات في الركعتين الأخريتين. وأما الأوليتان فهذا باتفاق أهل العلم أنها مشروعة، لكن اختلفوا: هل هي مستحبة أو واجبة؟ وعنها اتفقوا على مشروعيتها، لكن الخلاف: هل هي مستحب أو واجب؟ أي القراءة بعد الفاتحة: هل هي واجبة أم أنها مستحبة؟ لا شك أنهم اتفقوا على أن الفاتحة ركن، إلا الحنفية، فإنهم يرون القراءة ركنا، ولا يرون الفاتحة ركنا. الحنفية عندهم يرون أن القراءة ركن، وأما الفاتحة فما يرونها ركنا، بخلاف جمهور العلماء، يرون أن الفاتحة ركن، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين، رواه الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فتبين من هذا أن قراءة الفاتحة لابد منها. وجاء في حديث الذي لم يحسن صلاته، قال له النبي عليه الصلاة والسلام - بعدما بين له القراءة والأركان - قال: «افعل ذلك في صلاتك كلها، افعل ذلك في صلاتك كلها». ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن الفاتحة تجب في كل ركعة. وأما الحنفية لا يرون ذلك، وكذلك رواية عن مالك: أنه يكتفى ولو بركعتين. وصحيح هو قول جمهور أهل العلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «افعل ذلك في صلاتك كلها». فلهذا فالفاتحة تقرأ في كل ركعة من الركعات. لكن اختلفوا في قراءة السورة: هل هي واجبة أم مستحبة؟ فهناك الحنفية يقولون: أنها واجبة، وهي رواية عن أحمد، يقولون: أن القراءة بعد الفاتحة واجبة، واستدلوا بمثل هذا الحديث: هذا الحديث «أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما يتيسر». وجاء كذلك في رواية الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت، في رواية سفيان بن عيينة، واختلف فيه أو اختلف عليه في هذه الزيادة، وهو: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا». «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا»، زيادة «فصاعدا» زادها سفيان بن عيينة في بعض طرقه، لكن أكثر الرواة - حتى ذكر بعضهم أنهم أكثر من أربعين رجلا من الرواة الذين رووا عن ابن عيينة - لم يذكروا هذه الزيادة. ولهذا فهي زيادة غير صحيحة، وإن كان الذي ذكرها ثقة. لكن ذكرها أبو داود عن قتيبة بن سعيد عن سفيان بن عيينة، لكنها زيادة غير صحيحة. وكذلك أيضا جاءت في حديث قتادة عن أبي نظرة عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، قال: «قال: أمر أو في حديث ذاك في قوله عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا قرأ فأنصتوا». أما هذه فجاءت في حديث عبادة، وقلنا أنها شاذة، كما صرح بذلك الإمام البخاري، وكذلك الإمام أبو حاتم، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم من أئمة الإسلام وأئمة الحديث. فاستدلوا بهذا ومثل هذا أيضا: «وما تيسر» فاستدلوا بها على وجوب ما يقرأ بعد الفاتحة. وأما الجمهور فاستدلوا بحديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وأيضا جاء في بعض الأحاديث: أنه قال: «من كان قارئا فليقرأ بأم الكتاب». وأيضا كذلك جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قرأ بفاتحة الكتاب فقد أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل». وفي لفظ: «من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج - غير تام - خداج - غير تام - خداج - غير تمام». فكل هذه الأحاديث يتبين منها أن المراد بالواجب هو قراءة الفاتحة، وأما ما تيسر من السور فلم يوجبه النبي عليه الصلاة والسلام. كيف ردوا على هذه الأحاديث؟ الإمام البخاري رحمه الله في جزء القراءة رد على هذا الحديث، وعلى أيضا زيادة «فصاعدا»، فقال رحمه الله: إن هذا ليس المراد أن الإنسان يقرأ بفاتحة الكتاب وكذلك ما يتيسر، وإنما المراد أنه إن اكتفى بفاتحة الكتاب فبها، وإن زاد فهو من التمام. مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: قوله: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا»، «إلا في ربع دينار فصاعدا». وهكذا أيضا أجاب الإمام النووي وغيره. هذا الحديث «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا»، كلهم اتفقوا على أنه إذا كان هذا الذي سرقه ربع دينار - معنى يساوي ربع دينار - فهو تقطع يده، وأما قوله «فصاعدا» أي فما زاد. وهكذا هنا فإنه أراد أن يبين أنه يقرأ فاتحة الكتاب، وما تيسر: إن قرأ بفاتحة الكتاب يكفي، وإن زاد فهو من باب التمام، وإن زاد فهو من باب التمام. فلهذا «أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر»، فلو اكتفى بفاتحة الكتاب يكفي. فهذا معنى تفسير هذا حتى يكون ضمن الحديث التي أو يوافق الحديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب قراءة الفاتحة فاتحة. وأما ما جاء ما ذكره بعض الفقهاء كالقرطبي وغيره: أن هذا القول جاء عن جماعة من السلف، جاء عن أبي سعيد وعن عمران بن حصين وعن عبادة بن الصامت وغيرهم، فهذا كله لم يصح، عليه عنهم إلا عن أبي سعيد، فإنه صحيح عن أبي سعيد: أنه كان يقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر، وليس أنه يأمر بذلك. ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب. فلهذا لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه يوجب هذا الأمر: أن الإنسان يقرأ بسورة مع الفاتحة. فخلاصة المسألة أن يقال: إن قراءة السور في صلاة الفجر والركعتين الأوليين من الصلوات الأخرى هي أمر مستحب، هي أمر مستحب. فلو اكتفى الإنسان بقراءة الفاتحة صلاته صحيحة، لو اكتفى الإنسان بقراءة الفاتحة فصلاته صحيحة، لكن السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه يقرأ أيضا ما تيسر من القرآن مع فاتحة الكتاب. فهذا معناه المراد به الإمام والمأموم، المراد به الإمام والمنفرد. الإمام والمنفرد. أما المأموم فإن كان في الجهرية فإن كثيرا من أهل العلم ومن السلف أجاز له أن لا يقرأ، بل الذي عليه أكثر العلماء وأكثر الأئمة: أنه لا يقرأ إلا الفاتحة، لا يقرأ إلا الفاتحة عند الشافعي رحمه الله. وأما عند أحمد فلا يقرأ حتى الفاتحة، لا يقرأ حتى الفاتحة. وأما إذا كان في السرية فجمهور العلماء يقولون له: أن يقرأ الفاتحة وكذلك السورة. وعند الحنفية: أنه لا يقرأ لا فاتحة ولا سورة، عندهم يرون أن المأموم إذا كان مع الإمام لا يقرأ. واستدلوا بحديث جابر: «قراءة المأموم من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». والصحيح أنه مرسل، لا يصح. فلهذا فقول الجمهور هو الصحيح: أنه إذا كان مع إمام فالأحوط له أن يقرأ الفاتحة، وإذا كان في الجهرية يقرأ الفاتحة فقط، وإن كان في السرية فيقرأ الفاتحة وما تيسر له من القرآن حتى يركع الإمام. هذا خلاصة ما يذكر في هذه المسائل، والله تعالى أعلم.