الدرس في شرح عقيدة الإمام الشافعي 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش التحذير من تعظيم القبور والبدع المرتبطة بها مثل بناء القباب وكتابة الآيات القرآنية عليها. يستشهد بكلام العلماء في هذا السياق ويحذر من اتخاذ القبور أوثانًا.
يتناول كيفية التعامل مع القبور وفق السنة النبوية، ويستدل بفعل الصحابة في التعامل مع قبر النبي صلى الله عليه وسلم لمنع الشرك والغلو. يشير إلى أهمية اتباع نهج الصحابة في هذا الشأن.
يتناول تحذير أئمة المذهب الشافعي من البدع وتعظيم القبور، ويستشهد بأقوالهم في قطع الشجرة التي بويع عندها النبي صلى الله عليه وسلم. يبين حرصهم على حماية التوحيد وإبعاد مظاهر الشرك.
يناقش مذهب الإمام الشافعي في مسألة وصول ثواب القراءة للميت، ويبين عدم ورود ما يدل على جواز ذلك في كلامه. يشير إلى مناقشة كتاب "عقيدة الإمام الشافعي" في ختام الدورة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن الخميس في نقله لبعض كلام الشافعية: «والتنظر أيها القارئ إلى مبلغ احتياط هؤلاء العلماء في حماية جانب التوحيد». أنا بعدما ذكر كلام ابن حجر، قال: «تنظر أيها القارئ إلى مبلغ احتياط هؤلاء العلماء في حماية جانب التوحيد»، حتى أفتى جمع منهم -منهم- بهدم القبة التي على قبر الشافعي رحمه الله، وهو من كبار أئمة أهل السنة، فكيف بمن دونه في العلم والفضل؟ حتى لقد بنيت قباب على قبور أناس غير معروفي العصر، وليسوا من أهل العلم والفضل، وصارت عند كثير منهم أن من بنيت عليه قبة فهو ولي، ولو لم يعرفوا من هذا الولي، فيقولون: إنه رجل اشتهر، كما حدث عند السيد البدوي وغيره ممن لهم قباب معروفة مشهورة. فالبدوي يقال: إنه رجل لا يعرف، ويقال: إنه عرف وأنه كان من المتصوفة، وذكروا في ترجمته أنه كان يجلس في الشمس -أو جلس في الشمس- أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب ولا يصلي. أنا ترك الصلاة وترك الطعام والشراب، وظن أنه في حالة مع الله، والله أعلم بهذا الكلام، لأن هذا الكلام مستحيل، أنا مستحيل أن إنسان يصبر بدون طعام وشراب أربعين يوما، قد يكون هذا شيء من الكذب، ولكن ذكرهم له خطأ، بل كلام لا ينبغي أن يؤتى به مسلم، كيف يجلس رجل أربعين سنة بدون صلاة؟ أنا لا يصلي صلاة واحدة، من الذي عذره؟ إلا أن يكون رجلا مجنونا، إلا أن يكون رجل مجنون، فهذا لا يكتب عليه القلم، أربعين يوما، أربعين سنة، أربعين يوما، يستطيع أصلا أن إنسان يصبر أربعين يوما بدون طعام وشراب، إلا إذا ألف نفسه على ذلك. قال: وليس من أهل العلم والفضل، كما حدث عند السيد البدوي، وهو أيضا ليس معروفا بالعلم، وإنما هو رجل -بمعنى- جاهل، حتى إنه قيل: إنه كيف عرف؟ إنه كيف عرفه الناس؟ جاء وبال في المسجد، أنه هذا الذي شهره وعرفه الناس، بال في المسجد، فهذا كلام باطل، معنى كيف يبول في المسجد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وكيف يكون وليا وهو يبول في المسجد؟ فمثل هذه الأشياء خاوية، معنى يذكرونها، والله أعلم بصحتها، ذكرها الشعراوي وغيره، لكن هؤلاء يذكرون القصص بدون أسانيد، بدون أسانيد، ولا أيضا فقط يأخذون هكذا، والظاهر أنهم يأخذون من الأحلام -معنى- من الرؤى، ويذكرون أشياء غريبة جدا. قالوا: قال البيضاوي -كما في حاشية السيوط على السنن النسائي-، أي أن السيوط ذكر ذلك عن البيضاوي، والبيضاوي يعتبر من أئمة الأشاعرة، لكن هنا أنكر عليهم، قال: «لما كان اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم ويتوجهون إليها تعظيما لشانهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة والدعاء نحوها، واتخذوها أوثانا، لعنهم الله، ومنع المسلمين من مثل ذلك، وأصل الشرك إنما حدث من تعظيم القبر والتوجه إليه». وهذا عجيب من السيوطي والبيضاوي، لأنهم لا يذكرون مثل هذه الأشياء في كتبهم غالبا، وخاصة السيوطي، أحيانا يأتي بكلام طيب جدا، وحيانا يخلط، لكن ليس له شيء مثل تعظيم القبر، لم يؤلف في هذا، فهو الظاهر أنه كان ينكر مثل هذه الطريقة، وإنما ألف في التوسل، وألف كذلك في الموالد، وألف أيضا في أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم أحياء، ومثل هذه الرسائل التي ألفها، وألف أيضا عكسها، أنا ألف في الاتباع وتمسك بالسنة، وألف أيضا في بعض الرسائل فيها شيء من التوحيد. وتجد مثل هؤلاء لما يكثر نقلهم في العلم والاطلاع في العلم، أحيانا تجد أنهم يتذبذبون، مثل ابن الجوزي، ابن الجوزي في كتاب تجده يثبت الصفات، في كتاب آخر من المؤولة، في كتاب آخر من المفوضة. والمهم أنه على حسب الكتاب الذي يكتبه، وكذلك أيضا تجد في «تلبيس إبليس» ينكر على الصوفية أشياء كثيرة، حتى بعض دقائق الأمور ينكر عليهم، وتجد في بعض المؤلفات يؤلف لهم أشياء من القصص في «بحر الدموع»، وكذلك في «موعظة المؤمنين»، وأيضا «منهاج القاصدين»، تجد أنه ذكر أشياء معناها تؤيد مثل هذه المزالق، وهذا يكون من باب التخبط في مثل هذه الأمور، وكثرة الاطلاع أحيانا تجدهم يطلعون مثلا على كتب، فيأتي ويلخصها، فيكون على منهاج هذا الذي يلخص كتابه، الآن الذي يقرأ، الذي يقرأ مثلا «العلل المتناهية»، ويقرأ كتاب مثلا «منهاج القاصدين»، ما يتوقع أن يكون هذا المؤلف واحدا، لأن «العلل المتناهية» يعله أحاديث مشهورة، حتى مثلا كما يقولون، حتى إنه تجاوز الأئمة، تجاوز أئمة العلل، وأنكر أحاديث لم ينكرها أحد من أئمة العلل، وبالمقابل تجد كتبه كثيرة في أحاديث موضوعة، وألف أيضا في الموضوعات، فتجد أن ابن الجوزي فيه تناقض في كتبه، لكنه رجل مطلع، لكن كما قال الإمام الذهبي: «عيبه هذا أنه لم يتلمذ على كثير من المشايخ، اعتمد على نفسه في العلم»، أنا أخذ عن المشايخ، لكن أكثر علمه عن الاطلاع. قالوا: قال السويدي الشافعي: «فتراهم يرفعونها فوق كل رفيع، ويكتبون عليها الآيات القرآنية»، أي في القبر يكتبون الآيات، وهذا لا يجد له، لأنه امتهان للآيات، ومكان لا يصلى فيه، فما دام أن المكان لا يصلى فيه، فمن باب أولى أيضا لا يقرأ فيه القرآن. ولهذا القراءة في المقبرة، جاء الإمام أحمد أنه قال: «بدعة». وأما القصة التي جاءت أنه تراجع عنها، فلم تثبت، فأنا ذكر قصة أنه تراجع عن تبديع القراءة في القبر، والصحيح أنها غير صحيحة، وإن حصلت من بعض الصحابة، حصلت من عمر بن العاص، أنه قال لهم: «اقرأوا علي سورة البقرة»، وهذا اجتهاد منه، وإلا القرآن لا يقرأ في المقابر، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم خبورا وصلوا فيها»، معنى أن المقابر لا يصلى فيها، فلهذا أيضا لا يقرأ فيها القرآن، إلا إذا احتاج الإنسان أن يقرأ، لكن ليس هناك دليل على أنه يقرأ القرآن في المقابر، أي أنه سنة مثلا، أو أنه يؤثر في شيء من الأمور، فهذا لا شيء، أو لم يثبت شيء من هذا. قال: «ويكتبون عليها الآيات القرآنية، ويعملون لها التوابيت من خشب الصندل والعاج، ويضعون فوقها ستور الحرير المحلاب الذهب العقيان والفضة الخالصة، ولم يرضهم ذلك حتى داروا عليها شبابيك من الفضة وغيرها». هذا في القبور التي تعمل في مصر وغيرها، أنا من نظر إلى بعض القبور، أو جاء أنا رآها في الصور، وكذا تجد معنا مثل قبر السيدة زينب كما يقولون، وقبر السيد البدوي، هذه تجد فيها شبابيك، فيها زينة، فيها من الذهب والفضة، وأشياء كثيرة من هذا الباب. وأيضا المقبرة التي في تركيا، مقبرة العثمانيين أيضا، كلها زينة وشبابيك فضة، وكذا قالوا: «علقوا عليها قناتي للذهب، وبنوا عليها قبابا من الذهب أو الزجاج المنقوش، وزخرفوا أبوابها». وكل هذا من جهلهم، وأيضا تظاهرهم للدنيا، أنا كل واحد يريد أن يكون قبره أو قبر سيده أو قبر وليه من أفضل القبور، فيشيده بالذهب. قالوا: «وجعلوا لها الأقفال من الفضة وغيرها خوفا عليها من اللصوص». كل ذلك مخالف لدين الرسل، وعين المحدثة لله ورسوله، أنا كيف توضع هذه الأموال الكثيرة في مثل هذه الأماكن التي لا يحتاج إليها؟ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البناء، إذا كان بجص أو بحجارة أو بغيره، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فكيف يأتي بفضة أو بذهب؟ قال: «فإن كانوا متبعين، فإن ينظرو، كيف كان يفعل بأصحابه الذين هم أفضل للأصحاب». وينظروا إلى قبره الشريف، وما عملت الصحابة فيه. قال: «وقال النووي رحمه الله: إنما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا، خوفا من المبالغة في تعظيمهم والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية». ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها، مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بنوا على القبر حيطانا مرتفعا مستديرا حوله، لألا يظهر في المسجد، ويؤدي إلى المحذور. ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يمكن أحد من استقبال القبر. وهذا كلام النووي رحمه الله، وهو كلام محقق، وكلام رجل اطلع على هدي السلف رحمه الله. ففي عهد عثمان -أو في عهد عمر- لما زاد في المسجد، فإنه لم يزد في المكان الشرقي أو الغربي الذي يكون فيه قبر -غرفة- النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه القبور، وإنما زاد في الجهة الشرقية. ولما جاء عثمان احتاج إلى أن يزيد في غرفة النبي عليه الصلاة والسلام، فوضع جدارين، جدار يفصل عن المسجد والمقبرة، وجدار أيضا يفصل عن جدار المقبرة، وجدار المسجد -معنى- جعل جدارين، ليس جدارا واحدا فقط، بل جعله جدارين. ولهذا الإمام أحمد أخذ بهذا، وقال في مذهبه رحمه الله: «إنه لا يكفي الجدار الواحد»، معنى في مذهب الإمام أحمد: «أن الجدار الواحد لا يكفي»، مثل مثلا في بعض المساجد تجد جدار المسجد، وخلف الجدار قبور، خلف الجدار قبور، معنى عند الإمام أحمد: «أن هذا الجدار لا يكفي». وعند الشافعي: «أنه يكفي»، ما دام أنه حاجز عن القبور، والسجود -سجود المسلمين-، لكن الإمام أحمد رأى أن المسجد كله سجود، فهذه القبور كأن الناس يسجدون إليها، ويدخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تصلوا إليها». فلهذا أخذ الإمام أحمد بما فعله الصحابة، أنهم جعلوا جدارين، جدار للمسجد، وجدار للقبر، جدار للمسجد، وجدار للقبر. وهذا هو الأحوط، وهو الذي رجحه جماعة من العلم، كابن حزم، وكذلك رجحه من المعاصرين أيضا الشيخ الألباني في كتابه «تحذير الساجد». وأيضا الإمام النووي هنا يشير إلى هذا، إلى أن الصحابة جعلوا جدارين. قال: «ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، بنوا قبرين -لم يبنوا قبرا واحدا- وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يمكن أحد من استقبال القبر». ولهذا هذه الآن القبرين -أو الجدارين- موجودة إلى الآن، ما يستطيع أحدا يستقبل القبر ويصلي، لأن المكان الذي بعد القبر جعلوه -معنى- مكان ليس فيه شيء من الصلاة، وإنما مكان مدخل. وهذا المدخل أيضا يحتاج -معنى- بعده أكثر من جدار، معنى جدارين أو ثلاثة بالخشب، فلهذا ما يستطيع الإنسان أن يصلي تجاه القبر، أن يصلي تجاه القبر. ولهذا كأن القبر الآن فصل فصل من المسجد، فجعلوا له -معنى- جدارين أو ثلاثة من الخلف، وهناك أيضا جعلوا له الشبك، وفوق الشبك أيضا خشب، أيضا خشب للمقبرة، وأيضا للغرفة، فلهذا ما يستطيع الإنسان أن يصلي تجاه القبر. وهذا كله لعجل الاحتياط في مثل هذه الأمور، لأن اليهود والنصارى ما وقعهم في الشرك، كل هذا تعظيم الأولياء، والغلو فيهم، تعظيم، والغلو الصالحين. ولهذا قال الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: «من أوسع مداخل الباطل الغلو في الأفاضل، من أوسع مداخل الباطل الغلو في الأفاضل». فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وقالت عائشة رضي الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره»، أي لو كان ظاهرا للناس، لكن خشي أن يتخذ مسجدا، فلم يبرز قبره، مات ودفن في الغرفة، دفن في غرفته. ومن الذي دفنه في غرفته؟ الظاهر أنه بأمر أبي بكر رضي الله عنه، جاء أنه أن أبا بكر قال: «إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما مات نبي إلا قبر حيث مات». لكن هذا الحديث الصحيح أنه لا يصح، وقد بين، قد جاء من حديث سالم بن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه إنما اجتهاد من أبي بكر، فقالوا: «يا صاحب رسول الله، أين ندفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» فقال: «دفنوه في مكانه»، قال: «دفنوه في مكانه»، فدفنوه في مكانه، في غرفته، لأجل أن لا يبرز قبره. ولهذا قال العلماء -أو قال بعضهم-: «إن الصحيح في الحديث حديث عائشة، لما قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره، إلا أنه خشي أن يتخذ مسجدا»، أنه خشي -أي الصحابة رضي الله عنهم- خشوا أن يتخذ مسجدا. قال: «وجاء في «الباعث في إنكار البدع والحوادث» لأبي شام رحمه الله، قال: فانظروا -رحمكم الله- أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها -السدرة: السدرة هي العلب، العلب يسمى سدرة- ولأن الناس يعظمونها لأجل مثلا الظل، وكذلك لأجل حادث حصل، شيء فيعظمون السدرة، مثل الشجرة التي بويع عندها، فقطعها عمر رضي الله عنه، لما رأى الناس يذهبون إلى -معنى- صلى الفجر، فرأى الناس يخرجون من الصلاة، قالوا: إلى أين يذهبون؟ قالوا: إلى الشجرة التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم عليها، فأمر بعد ذلك أن يقطعها، فقال: «إنما أهلك من كان قبلكم اتباعهم آثار أنبيائهم». قال: «شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البراءة والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق -ينوطون: يعلقون-، فهي ذات أنواط، فاقطعوها». وهذه ذات أنواط في كل زمن تجدها، أنا كثير، قد سمعنا مثلا في بعض القبور، وبعض الأشجار، كانوا يعلقون فيها، أو بعض القبور، كانوا أنا بعض في مناطق، كانوا إذا أراد الإنسان أن يحفظ ماله -خشب أو سمنت أو كذا- يأتي ويضعه عند القبر، يضعه عند القبر، خلاص ما في أحد يستطيع أن يأخذ شيئا منهم، لأن الناس يعتقدون في هذه أو في هؤلاء الأموات، وأنه يخاف أنه إذا جاء وأخذ شيء، سيأتي الولي أو كذا، فلهذا يضع الناس أموالهم عند هذا. وهذا عين المحدثة لله عز وجل. قال: «أخيرا شبه وجوابها». قال: «لقد استدل القبورية على جواز بناء المساجد على القبور بقصة أصحاب الكهف، حيث اتخذ قومهم لهم مسجدا». وأجاب عن هذه الشبه الحافظ ابن كثير بجوابين، وقد ذكرنا هذا، يقول الحافظ رحمه الله: «الأول: أن هذا عمل الكفار والمشركين، فليس بحجة». «أن هذا عمل الكفار والمشركين، فليس بحجة». والثاني: «على فرض أن هذا عمل المسلمين، ولكن هم غير محمودين في هذا العمل». وأيضا كذلك كما ذكرنا: «أن الله عز وجل قال: فقال الذين غلبوا على أمرهم -معنى أنهم حكام الأمر من الحكام- حصل، فقالوا: إنهم يبنون عليهم مسجد». قال: «ومن كل ما سبق يتبين حرص أئمة الشافعية -كغيرهم من باقي علماء المذاهب الأخرى- على حماية التوحيد مما يخدشه، وكذلك حرصهم على إبعاد كل مظاهر الشرك وإغلاق أبوابها، فحرموا كل ما يؤدي إليه، فحرموا كل ما يؤدي إليه من تعظيم القبور بأي شكل كان»، يعني إذا كان مشروعا، فإنه أيضا إذا كان يؤدي إلى الحرام فيمنع، ولو كان شيء مشروع، لكن إذا كان يؤدي إلى الحرام، وإن كان مباحا، فهو وسيلة إلى الشرك، لا يجوز، ولو كان مباحا، فكيف إذا كان محرما؟ فكيف إذا كان محرما؟ فإن الشيء المشروع إذا أدى إلى ما هو أعظم منه -بترك واجب مثلا- فهذا يكون محرما عليه، مثلا رجل -كما مثلا- يقوم الليل، ويتعب وينام عن صلاة الفجر، أنا بقي أياما يقوم الليل، يقوم الساعة الثانية عشرة مثلا، ويصلي ويصلي، حتى إذا جاءه النوم نام وترك صلاة الفجر، واليوم الثاني يفعل هذا، فالآن القيام هذا مع أنه عبادة وطاعة لله عز وجل، من أحسن الطاعات، لكنها محرمة، أنا يكون آدم الآن لو كان مثلا قيام الليل يمنعه عن صلاة الفجر، فيكون آثما. فما دام أن المشروع إذا أدى إلى حرام، يكون هذا المشروع غير مشروع، فما بالك إذا كان هذا الشيء قد حرم؟ فمثلا في القبور حرم النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذ القبور مساجد، وحرم النبي صلى الله عليه وسلم بنائها، وحرم أيضا تجصيصها، وحرم الصلاة إليها، وحرم الصلاة عندها، كل هذه الأشياء موجودة في الأحاديث، وحرم الجلوس فيها، وكذلك أيضا غيرها من الأمور التي أيضا زيارة القبور كانت محرمة، ثم أجازها النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث بريدة: «كنتم نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة، فإنها تذكركم الآخرة». قال: «فحرموا كل ما يؤدي إليه من تعظيم القبور بأي شكل كان، والحلف بغير الله ونحو ذلك». «فالعجب ممن ينتسب إلى الشافعي -من أدعياء من أدعياء العلم أو غيرهم- ثم يفعل مثل هذه المنكرات، ويدعو إليها، ويزينها للناس، ويبيحها لهم، فما أجر هؤلاء على مخالفة النصوص، وعلى مخالفة الأئمة الكبار رحمهم الله تعالى؟» وقد ألف بعض المعاصرين -بعض طلبة العلم- مؤلفا طيبا جدا، سماه «مخالفة الشافعية للشافعي»، سماه «مخالفة الشافعية للشافعي»، معنى الذين ينتسبون إلى الشافعية، أو ينتسبون إلى الشافعي، تجد أنهم يخالفون في مسائل كثيرة مذهب الشافعي، يخالفون في أمور كثيرة، وخاصة في جانب البدع، في جانب البدع، هذا ما يفرطون فيه. فمثلا على سبيل المثال: «القراءة على الأموات»، «القراءة على الأموات»، في مذهب الشافعي أنها بدعة، ولا تأثير لها، وقد صرح بذلك الإمام النووي رحمه الله في «شرح مسلم»، وكذلك في «الأذكار»، وصرح بذلك أيضا الحافظ ابن كثير، عند قول الله جل وعلا: «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى»، صرح أن مذهب الشافعي أن القراءة لا تصل إلى الأموات، فهذا التصريح من هؤلاء الأئمة على أن هذا مذهب الشافعي، إلا أنك تجد أن هؤلاء مصرون على أنه يصل، وألفوا مؤلفات لأجل أن القرآن يصل إلى الأموات، وأنه ليس هناك دليل يمنع، وكذا، فهذا كله لو قلت لهم: «مسألة أخرى، هذه مخالفة للأدلة»، لقالوا: «نحن شافعية»، طيب الآن أين شافعيتكم؟ أين أنتم شوافع؟ هذا مذهب الشافعي. فلهذا تجد أنهم يتخذون مذهب الشافعي هو الهوى، لأن كثير من هؤلاء أهل البدع اتفقوا في مسائل البدع، حتى من المذاهب مختلفة، وتجد أنها أدخلوها في المذاهب، مثلا الآن تجد عند الحنفية، وعند الشافعية، وعند المالكية، ممكن المالكية ما تجد شيئا كثيرا عندهم البدع، لأن أصول مالك -في- في هذه البدع، لكن حتى الحنابلة -معنى- متأخر الحنابلة، وقعوا في بعض البدع، بسبب إدخالهم في مثل هذه الأمور، فتجد أنهم يذكرون أشياء في المذهب، وليست من المذهب، يذكرون أشياء من مذهب، يقولون أنها من مذهب الحنابلة، أو يذكرونها في كتب الحنابلة، مثل ما ذكر الفتوحي بعض المسائل التي أيضا التي ليست من مذهب الحنابلة، مثل مثلا «القراءة عند القبور»، يذكرون أنها مستحبة، المتأخرون من الحنابلة والشافعية والحنفية، يذكرون أنها مستحبة، إلا المالكية يذكرون أنها بدعة، مع أن مذهب أحمد أنها بدعة. وأما الشافعي فلم يأت شيء عنه يدل على جواز مثل هذا الأمر، فالمهم بل كلامه يدل على أنه لا يصل القراءة، سواء كان عند القبر أو عند غيره، أن القراءة لا تصل إلى الميت، ولا ينتفع بها الميت. فبهذا إن شاء الله قد انتهينا من هذا الكتاب الطيب، كتاب «عقيدة الإمام الشافعي» رحمه الله، في هذه الدورة المباركة، فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا بالخير، والحمد لله رب العالمين.