التعليق على نظم الورقات 54

الدرس في التعليق على نظم الورقات 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التقليد وضوابطه في الشريعة

يناقش تعريف التقليد وآراء الفقهاء حوله، ويبين جوازه عند الحاجة إلى سؤال العلماء الموثوقين مع التشديد على اتباع الدليل.

حكم كلام النبي واجتهاده

يناقش مسألة كون كلام النبي وحياً أو اجتهاداً، ويشرح كيفية التمييز بين الوحي والاجتهاد في أقواله وأفعاله.

الاجتهاد ومسألة تصويب المخطئين

يناقش مفهوم الاجتهاد ومدى صحة القول بأن كل مجتهد مصيب، ويبين عدم صحة هذا القول في أصول الدين والعقائد.

شرح مقدمة الورقات لإمام الحرمين وتاريخها

شرح لمقدمة الورقات لإمام الحرمين وتناول موضوع الاجتهاد والتقليد ومسائل أصول الدين وتاريخ نظم المقدمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: تقليدنا قبول قول القائل من غير ذكر حجة لسائل. على هذا تعريف التقليد قبول قول القائل من غير ذكر الحجة، وهناك تعريفات أخرى للتقليد وهي في هذا المضمار أو في نفس المعنى. ومن أحسنها قول ابن الهمام الحنفي: أن التقليد هو قبول قول من ليس بحجة بدون حجة، هو قبول قول من ليس بحجة بدون حجة. وهذا أولى من هذا، أن قول القائل من غير ذكر الحجة فهذا عام في قول كل قائل، لكن لا شك أن هناك قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم حجة، وكذلك إجماع السلف، وبعضها العلم يقول: قول الصحابي الذي لم يخالف فلهذا فقوله قبول قول من ليس بحجة بدون حجة هذا أولى. وكان شيخنا مقبل يرجح هذا ويشيد بهذا التعريف. قال رحمه الله: وقيل بل قبولنا مقاله مع جهلنا من أين ذاك؟ قاله عن الفرق أن في ذاك المسألة الأولى أنه يعرف العالم يعرف حجته، لكن السائل لم يسأله عن الحجة. وفي الثاني أخذ بقوله وهو لا يعلم هل عنده حجة أو أن العالم قد يكون لا يعلم حجته، أو يقال أن السائل لا يدري هل هو عالم أو جاهل. أنا سأل إنسان مثل ما يكون أحيانا بعض الناس يقع في شيء فيتوسم في إنسان فيه لحية فيه كذا قميص فيقوم ويسأله ويريد أن يتخلص، يعني يريد من يسأله عن هذا الشيء، فيسأل من يرى أنه من طلبة العلم أو كذا، ولا يدري لكنه توسم فيه فقط. ومثل هذا أيضا إذا لم يأتي له بحجة ويعتبر أيضا تقليدا وهو داخل في التعريف الأول لذكرنا قبول من ليس بحجة بدون حجة. وهل يلزم أن يذكر له الحجة في المجلس؟ قلنا أنه لا يلزم، لكن إذا كان هذا السائل يعلم أن هذا العالم يمشي على الدليل، يعني ما يقول بقول إلا له حجة، فيسأله لأجل هذا، فإذا أفتاه لم يسأله عن الحجة لأنه قد لا يعرف الحجة، أنا لا يفهمها، لكن ثقته بهذا العالم هي التي جعلته يتبع. أما مثلا لو جاءه قول هذا العالم وجاءته الحجة في خلافه، وقال: أنا ما سأتبة إلا هذا العالم، فهذا مقلد ومتعصب في التقليد، مثل ما يفعل أصحاب المذاهب، تأتي الحجة على خلاف ما هم عليه، بل يعلمون أن الحديث يخالف ما هم عليه ويخالفونه عمدا، يقولون: حتى لا نخرج على المذهب. وهذا كلام باطل وتعصب دميم. هو الواجب على المسلم أنه يتبع ما أنزل الله: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ قليلا ما تذكرون. فالواجب على المسلم أنه يتبع الكتاب والسنة. ولهذا كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: إذا رأيتم قولي يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فارموا بقولي عرض الحائط، أنا لا تبالي به. فإذا كان قول هذا الإمام يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم. إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، إذا جاء ما جاء من كتاب السنة يبطل كل قول. والإنسان مهما بلغ من العلم ما سيحوي العلم، كل ما حوى العلم جميع ما حوى العلم، أحد لا، ولو مارسه ألف سنة، أن لو كان إنسان مارس العلم على التقدير ألف سنة ما يستطيع أن يجمع العلم كله. فلهذا فالأصل أنه لا يجوز قبول من ليس بحجة بدون حجة، خاصة إذا علم أن الدليل في خلافه، فهذا لا يجوز تقليده، وهذا تعصب دميم. لكن التقليد وسؤال العلماء الموثوقين، سواء سميناه معنى سؤال العلماء الموثوقين، سواء سميناه تقليدا أو اتباعا، فهو جائز عند الحاجة إلى السؤال. والغالب كما قلنا أن الإنسان إذا كان يثق بهذا العالم، وعلى أنه متبع للكتاب والسنة، ليس متعصبا لأحد، فإن قوله يعتبر اتباعا، وإن لم يأته بالدليل، لأن الله عز وجل يقول: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. فقال هنا الشيخ: فالتقليد يجوز عند الضرورة، لكن متى يقال أن هذا التقليد تقليد أعمى وهو لا يجوز أن يعارض به الدليل من الكتاب والسنة؟ إذا عارض به الدليل من الكتاب والسنة، فهذا يعتبر متعصبا وتقليدا مذموما. تقليدا مذموما يقول: أنا ما أأخذ إلا قول فلان، وأما غيرهم فلا أأخذ بأقوالهم، هذا تعصب، لأن الشريعة لم تأت في قول فلان فقط، بل قول فلان وغيره. لكن إنسان سيسأل عنده مسألة سيسأل: هل العلم ما في شيء يأخذ الجواب؟ لكن أنه يقول: لا أأخذ إلا بقول فلان، أو عمليا أنه لا يأخذ إلا قول فلان أو مذهب فلان، فهذا تقليد أعمى. وكذلك أيضا هنا نبه الشيخ على مسألة يقع فيها كثير من المفتين من العلماء، فيأتي إنسان مثلا عنده فيقول: ما هو مذهب فلان في هذه المسألة؟ إيش مذهب الشافعي في هذه المسألة؟ إيش مذهب أحمد في هذه المسألة؟ فهل هنا يجيبه في المذهب فقط، وهو يعلم أنه خلاف الدليل، أنا يعلم أن هذه المسألة أخطأ فيها الشافعي أو أحمد وخالف فيها الدليل؟ فهل يفتيه بما قال أم يبين له الصواب؟ هنا واجب أن يبين له الصواب. يقول له: صحيح أن فلان قال كذا وكذا، لكن هذا يخالف الدليل الصحيح، أن الدليل جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كذا وكذا. ثم إن أخذ بقولك وإن لم يأخذ، فهن تخرجه عن التقليد. قال المؤلف رحمه الله: ففي قبول قول طاها المصطفى بالحكم تقليد له بلا خفا. وقيل لا، لأن ما قد قاله جميعه بالوحي قد أتى له. وهنا كما تقدم قبل قوله طاها هذا خطأ، ليست من أسماء النبي عليه الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم، إنما هي حروف رجائية طا وها. هنا يقول: ففي قبول قول طاها المصطفى بالحكم تقليد له بلا خفا، هذا يسمى تقليدا أو اتباعا، في القرآن سماه اتباعا. وهذا على تعريفه سماه تقليدا، على تعريفه أنه قول القائل من غير ذكر الحجة، لكن كما قلنا هذا التعريف غير صحيح. والتعريف الصحيح قبول من ليس بحجة بدون حجة، حتى يخرج كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان حجة في إجماع الصحابة وغيره. فلهذا فقبول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر اتباعا: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ وليس تقليدا. بعض الناس مثلا لما يقول: لابد من دليل، ولابد من كذا، فيظن أنه معنى لابد أن يأتي للإنسان كل إنسان بدليل، حتى أنه ضره بعض طلبة العلم عن الذي ليس هو طلب العلم صحيحا، كان يقول: نحن نطلب الدليل من أي حال، حتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا كلام باطل. كيف من رسول الله يأتي الدليل؟ هو الدليل أصلا، كيف نطالبه بدليل؟ أي شيء الدليل هذا الذي نطالبه به؟ فكلامه عليه الصلاة والسلام دليل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر: أكتب، والذي نفسي بيده لا يخرج مني إلا حقا. وقد قال الله عز وجل زكاه الله عز وجل في قوله بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. وسأذكر هنا المؤلف هذه المسألة، قال: لا، هنا في قوله: وقيل لا، لأن ما قد قاله جميعه بالوحي قد أتى له. طيب، فهذا أيضا مسألة أخرى وهي هل أن ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام يعتبر كله وحيا أم هناك ما يكون فيه اجتهاد؟ قد تكون عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه المسألة مختلف فيها بين أهل العلم، هل كلام النبي عليه الصلاة والسلام كله وحي؟ فلا أصل أننا نقول أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وحي إلا إذا علمنا أنه اجتهد، إذا علمنا أنه اجتهد هذا متى نعلم؟ إذا أخبر بذلك نعلم ذلك، إذا أخبر به عليه الصلاة والسلام. وإلا الأصل فإن قوله يؤخذ حجة ودليل وحي، لأن الله عز وجل قال: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقال عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر: أكتب، والذي نفسي بيده لا يخرج مني إلا حقا. ولهذا ما ذكره أنه اجتهاد يعتبر اجتهاد منه عليه الصلاة والسلام يصوبه الله عز وجل، إن أخطأ في اجتهاده فهو مأجور، ولو أخطأ، لكن متى نعلم أن هذا اجتهاد؟ إذا بين أنه اجتهاد، لأن الأصل هو الوحي، مثل ما قالت بريرة للنبي عليه الصلاة والسلام: أأمر يا رسول الله أم أنك تشفع؟ قال: لا بل أشفع. فقالت: لا حاجة لي. لما شفع أن ترجع لزوجها، فهنا بينت بريرة إن كان هذا أمر أي من الله عز وجل وحي، فهذا ستعتد به، لكن إن كان إلا هذا شفع من عنده اجتهاد، معنى شفع من عنده، فهذا لها اختيارها أيضا. كذلك لما مر النبي عليه الصلاة والسلام على بعضها المدينة وهم يؤبرون النخل، يعني يعبرون يلقيحونها، يأتون بفخيط من الذكر وفخيط من الأنثى ويلقيحونها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما أرى هذا ينفعهم. فترك الناس هذا اللقاح، أنا أظن أن هذا وحي من الله، فلما علم النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا، إنما شيء قلته من نفسي، وأنتم أعلموا بأمور دنياكم. هنا تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد وقال: وأنتم أعلموا بأمور دنياكم. ثم جاءت الأحكام بعد ذلك باعتماد هذا التأبير، لهذا جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: من اشترى نخلا قد أبرت، من اشترى نخلا قد أبرت فثمرتها للبايع، إلا أن يشترط الممتع. فهنا قال: قد أبرت، جعل له أحكام أنه إذا أبرها ولقحها تكون الثمرة للبايع، إلا أن يشترط الممتع أن الثمرة له هذا جائز، وإلا الأصل أنها للبايع، لكن إذا كان اشتراها قبل أن تأبر فالثمرة تكون للمشتري، تكون للمشتري. فجعل التأبير حكما يفرق بين الحق، فهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه في هذا الباب، وإلا كان قبل ما عنده شيء. فلهذا قال: ما أظن أن هذا ينفعهم. فلهذا نقول أن الأصل في كلام النبي عليه الصلاة والسلام أنه وحي، إلا إذا تبين أنه اجتهاد منه عليه الصلاة والسلام. وغالبا إذا اجتهد يأتي الوحي إن أخطأ يأتي الوحي ويصوبه، مثل ما حصل في قوله جل وعلا: ﴿عبس وتولى﴾. فهو النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصا على أن يدعو كفار قريش ووجهاءهم، لأن إذا أسلم الوجهاء هؤلاء فإنه يسلم بعدهم كثير. فلهذا حرص على أنه يسألهم، ولما جاءه عبد الله المكتوم يسأله الإسلام وأن يعلمه فلم يلتفت إليه، فصوبه الله عز وجل أو عاتبه الله سبحانه وتعالى. لكن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف كان مجتهدا، وهو أيضا بين الأجر والأجرين، أن له أجر اجتهاده عليه الصلاة والسلام. فهو اجتهد في هذا الأمر على أن هذا مهم وهو دعوة هؤلاء الكفار، لكن صوب الله عز وجل هذه الفتنة التي خطاها عليه الصلاة والسلام، وأنه ما ينبغي حتى ولو كان كذلك لا ينبغي له أنه يعبس في وجه من أتى يريد الحق، وهو أولى من ذاك الذي هو معرض أصلا. قال رحمه الله: وحده أن يبدل الذي اجتهد مجهوده في نيل أمر قد قصد. والاجتهاد هنا حد الاجتهاد، يقول: أن يبدل الذي اجتهد مجهوده في نيل أمر قد قصد، وهو استخراج الأحكام الشرعية، وهو استخراج الأحكام الشرعية. لكن المؤلف هنا لم يذكر حقيقة الأمر، وكأنه جعله تعريفا لغويا، فقال: وحده أن يبدل الذي اجتهد مجهوده في نيل أمر قد قصد. ما هذا الأمر الذي قد قصده؟ فلابد أن يبينه في التعريف، لأن التعريف والحد يعتبر بيان. ولهذا لا بد أن يدخل أنه يبدل الجهد لاستخراج حكم شرعي، يبدل الجهد لاستخراج حكم شرعي أو لإدراك حكم شرعي. وعما الاجتهاد في غير استخراج أو إدراك أمر شرعي، كإدراك صناعة أو إدراك بناء أو كذا، فهذا لا يسمى اجتهادا في الاصطلاح، ممكن يسمى في اللغة اجتهادا. فالاجتهاد هو بذل الجهد لاستخراج أو لإدراك حكم شرعي. قال: وَلْيَنْقَسِمْ إِلَى صَوَابٍ وَخَطَأٍ وَقِيلَ فِي الْفُرُوعِ يُمْنَعُ خَطَأٌ. أن يكون هذا الاجتهاد قد يكون صوابا وقد يكون خطأ، لكنه يكون هذا المجتهد بين الأجر والأجرين، إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر عن أجر اجتهاده، فلهذا فهو دائر بين الأجر والأجرين، إذا كان اجتهادا يريد الحق. أما إذا كان يجتهد لأجل أن ينصر قول فلان وقول فلان، فهذا خطأ، الإنسان لا ينتصر لقول فلان وقول فلان، وإنما ينتصر للحق. ولهذا من جند نفسه لأن يدافع عن قول فلان، فهذا ما أصاب في اجتهاداته، ولو أصاب، لأنه ما كان يريد الحق في بذل الجهد، وإنما يريد أن ينصر قول فلان أو قوله في المناظرات وفي كذا. حيان الإنسان يقول قولا فيجتهد في البحث والمطالعة لماذا؟ ليس لأجل أن يصل إلى الحق، وإنما يريد أن يصل إلى قوله، يريد أن يصل إلى قوله. هنا بعض طلبة العلم يقول قولا عن استعجال، يقول قولا في مسألة من مسائل دعوية وكذا عن استعجال، ثم يذهب يبحث عن الدليل الذي يدل على هذه المسألة التي قالها، هو ما يبحث عن الحق، ما يبحث مثلا في أقوال أهل العلم عن الحق في هذه المسألة، لا يبحث حتى إذا وجد إذا وجد ما يضاد قوله وما يخالف قوله، تجد أنه يصفح عنه ولا يبالي به، إنما يريد أن يؤيد قوله فقط. وهذا خفية من الخفايا التي تكون في قلوب طلبة العلم، وهي ليست جيدة، لأنها تبعد الشخص عن الإخلاص، تبعد الشخص عن الإخلاص. والواجب على طالب العلم أن يخلص لله، لا ينتصر لقوله ولا لقول فلان، وإنما ينتصر للحق، ينتصر للحق. فإذا تبين له الحق فإنه يخضع إليه، كما قال الإمام الشافعي: لا يحل لأحد تبينت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعها لقول أحد كائنا من كان، من كان كائنا من كان. هذا ولو كان من الصحابة العظام كأبي بكر وعمر وغيره، فإنه لا ينبغي أن يترك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأجل قول أبي بكر أو قول عمر. لهذا قال ابن عباس: ما أرى الله إلا سيعدبكم، أرى أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم، تقولون قال أبو بكر وقال عمر. صحيح قولهم له أهمية، لكن لا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم، فقول النبي صلى الله عليه وسلم هو المقدم. فهنا يقول: ولينقسم إلى صواب وخطأ، وقيل في الفروع يمنع الخطأ. أولا هذا الاجتهاد ينقسم إلى قسمين، قسم صواب وقسم خطأ. والخطأ هذا حاصل، الخطأ حاصل من أي أحد يجتهد من العلماء، من من ليس بحجة أصلا. وقد يكون أيضا هذا الخطأ يأتي مثلا لعجل أسباب، مثل ما ذكر الشيخنا: نقص العلم، قصور الفهم، سوء النية والقصد، المعاصي. المعاصي أنا قد لا يوفق العبد لا يوفق المجتهد في هذا لأجل أنه رجل عنده أشياء ومعاصي ومعاصي. ولهذا حيانا يضل للإنسان بسبب ذنوبه، أنا ينحرف عن القول الصحيح، تخذله ذنوبه كيف تخذله ذنوبه؟ معنى لا يوفقه الله، لماذا؟ لأجل هذه الذنوب التي عنده التي يجاهر الله عز وجل بها. فكم من إنسان خذلته ذنوبه في مواقف عظيمة، فتجد أنه لا يوفق للحق ولا يوفق للطريق الصحيح بسبب هذه الذنوب. فلهذا قد يكون كما قلنا له أسباب، وقد يكون ليست له أسباب على المسألة قوية جدا، فيجتهد فيها العالم بقدر جهده، ويأتي بالدليل من هنا وهنا، ويستنبط من الدلالة ما استطاع، لكنه يخونه مثلا بعض أنه لم يلتفت إلى بعض الأدلة أو لم ينتبه لها، وفيها الدليل. وهذه مسائل كثيرة، ومن درس الفقه عرف كثير من هذه المسائل. فذكر الشيخنا أربعة موانع تمنع من إصابة الحق، لكن ليس معنى ذلك أن من لم يصب الحق أنه فيه شيء من هذه الأمور، لا، ممكن الإنسان يجتهد ويخطئ أو لا. علماء كبار اجتهدوا فأخطئوا، لا يقال أنهم لأجل نقص علمهم أو قصور فهمهم، لكن هذه الأشياء أيضا مما معنى مما تمنع من إصابة الحق، هذه الأسباب مما تمنع من إصابة الحق. لكن الأصل أن الإنسان إذا اجتهد وفقه الله وهو مخلص لله عز وجل يوفق للحق، ولكن قد لا يوفق للحق، لكن له العذر باجتهاده. قال: وقيل في الفروع يمنع الخطأ. وقيل هنا صيغة تضعيف، وهذه المسألة غير صحيحة، مثل ما يقولون: أن كل مجتهد مصيب، كل مجتهد مصيب. وهذه العبارة خطأ، هذه العبارة خطأ، ليس كل مجتهد مصيب. لكن يقال: كل مجتهد معذور، يقال: كل مجتهد معذور. معنى إذا كان أهلا للاجتهاد فكان أهلا للاجتهاد في هذه المسائل، لا يأتي مثلا إنسان يجتهد في مسائل ضخمة، مسائل الأمة وهو ليس بذاك العلم، يقوم يجتهد في مسائل كبيرة، يقول: أنا مجتهد، لا، أنت لست أهلا لذلك، حتى لو أصاب، لو أصاب فهو مقلد لأنه تدخل في شيء ليس من شأنه. ولهذا قال الشيخ الإسلام ابن تيمين رحمه الله: طال يفسد العالم أربعة، وذكر منهم نصف العالم، نصف العالم هذا يفسد، لماذا؟ لأنه يظن أنه عالم فيجتهد في أمور ليست له وليست من حقه أن يتكلم فيها لأنه ليس أهلا لهذه المسائل، فيأتي بالفساد، كما قال النبي عليه صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، حتى لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا». فلهذا فقولهم: أن كل مجتهد مصيب خطأ، كيف يكون كل مجتهد مصيبا؟ معنا الصواب واحد، ما يتعدد الصواب في الأمور المتضادة، إلا إذا كان في فهم شيء، هذا فهمه كذا وهذا فهمه كذا، وممكن أن يكون الفهم للقول يحتمل هذا وهذا معا، ممكن هذا. أما قول ورأي متضاد دان، يقال مثلا: كلهم مصيب، لا. مثلا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يصلي أحدكم العصر إلا في بني قريضة»، ففهم منه بعضهم أنه أراد الصلاة أنه لا يصلي إلا في بني قريضة، وفهم بعضهم أنه أراد السرعة أنهم يسرعون، لكن إذا حضرت الصلاة يصلون الصلاة، فهذا فهم هذا الفهم، وهذا الفهم يحتمل في الدليل يحتمل في الكلام. فبعض كما قلنا الأقوال محتملة، فلهذا قال العلماء: هناك ظاهر وهناك معول، وهناك نص، النص الذي لا يحتمل وجه واحد، وهذا قد أخذناه. طيب، قال: وفي أصول الدين ذا الوجه امتنع، إذ فيه تصويب لأرباب البدع. أن أصول الدين يريد العقائد وغيرها، لكن في الفروع ممكن أن يكون الإنسان يقال: كل مجتهد مصيب، لكن كما قلنا أن هذه القاعدة غير صحيحة، هذا الكلام غير صحيح، بل يقال: كل مجتهد معذور. ممكن الذي هو أهلا للاجتهاد. ثم قال: وفي أصول الدين ذا الوجه امتنع، إذ فيه تصويب لأرباب البدع. معنى لو قلنا أنه حتى في أصول الدين كل مجتهد مصيب، لما كان هناك مبتدع وصوبنا أقوالها البدع، وهذا ليس صحيح. وكما قلنا الأمر في الأصول وفي الفروع كله واحد، لكن في العقائد لا شك أنه أعظم الخلاف في العقائد أعظم. قال: فيه تصويب لأرباب البدع، أنا سيتصوب طريقة البدع، إذا قلنا أنهم مصيبون. قال: من النصارى حيث كفروا ثلثوا، والزاعمين أنهم لم يبعثوا، أنا حتى سيدخل في هذا الحكم الكفار النصارى، يقال أنهم اجتهدوا أنا حتى قد يتجرى بهذا يقال أنهم اجتهدوا فأخطئوا أو يقال أنهم اجتهدوا فلهم، فقد يكونون مصيبين. وهذا كلام باطل، لأن الله عز وجل أنكر هذا القول: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ وقال أيضا الله عز وجل لعيسى بن مريم: ﴿أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾. ثم قال رحمه الله: والزاعمين أنهم لم يبعثوا، المراد بهم الذين ينكرون البعث، ينكرون يوم القيامة، فهؤلاء هل معنى أننا نصوبهم؟ أنا يقول الآن إذا قلنا أن هذا الكلام حتى في أمور الدين وفي أصول الدين، فمعنى ذلك أننا قد نصوب النصارى، وقد نصوب هؤلاء الذين ينكرون البعث، وصارت المسائل كلها فيها هذا الأمر، وهذا بعيد جدا. قال: أو لا يرون ربهم بالعين كذا مجوس في الدعاء الأصلين. أو لا يرون ربهم بالعين كذا مجوس في الدعاء الأصلين. والظاهر أن هذا ليس من الجهمية، وإنما هذا من الناظم نفسه زاد هذه الأبيات، لأن الجهمية من لا شبهة عندهم مثل ورقات، لو ها ما هو مل يه مل. فهنا هذا قولهم: لا يرون ربهم بالعين، أن ينكرون الرؤية، أولا هم لا شبهة، وكذلك المعتزلة والجهمية، فهذا أيضا ليس اجتهادا صحيحا، لأنه اجتهاد في وجود النص. وأيضا كما تقدم معنا أن الاجتهاد ما يكون إلا عند عدم النص، أما إذا كان النص موجود فلا اجتهاد، أنا ما يجوز للإنسان أن يجتهد والنص عنده ظاهر لا خفاء فيه. ولهذا بعض أصحاب المذاهب يجتهد فيه النص عنده موجود، لكن يجتهد فيه كيف يحرف هذا النص إلى مذهبه، أنا كيف يجعل هذا النص يؤيد مذهبه، وهذا أمر عظيم. قال: كذا المجوس في الدعاء الأصلين، الأصلان عند المجوس هما النور والظلمة، فالنور يقولون هو إله الخير والظلمة إله الشر، بيجعلون أصلين يقولون: الله إله الخير والشيطان إله الشر، وهذا كلام باطل. وكما قال المتنبي: وكم لظلام الليل من يد تحدث أن المانوية تتكذب. المانوية هم قوم من المجوس يقولون: الظلمة لا تأتي إلا بالشر لا تأتي بخير. فقال المتنبي: وكم لظلام الليل من يد تدل على أن المانوية أو تحدث أن المانوية تتكذب. فالمقصود بالأصلين أي أنهم يقولون بإله الخير وإله الشر. قال: ومن أصاب في الفروع أعطى أجرين، واجعل نصفه من الخطأ واجعل نصفه من أخطأ. وهنا يقول: أن من أصاب في الفروع اجتهد فأصاب في الفروع، لأن الاجتهاد يكون في الفروع، أما الأصول فيكون على ما كان عليه السلف وأهل الإيمان، وهذا ليس من التقليد وإنما هو من الاتباع. وكذلك أيضا معرفة أقوال العلماء، معرفة أقوال أهل الجرح والتعديل، ليأخذ أقوالهم، فمن كان أهلا في شيء وهو متخصص فيه ويعرف، فالذي لا يعرف يأخذ كلامه، يأخذ كلامه، وهذا ليس من التقليد، وإن قلنا أنه تقليد، لكنه تقليد صحيح يكون للضرورة، لكن من كان يعرف هذه الطريقة فإنه لا ينبغي له أن يقلد، بل ينظر في أقوال الرجال. فهنا يقول: من أصاب في الفروع يعطى أجرين، واجعل نصفه من أخطأ له أجر واحد، المخطئ له أجر واحد. قال: لما رووا عن النبي الهادي في ذاك في من تقسيم الاجتهادي. عن قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحين: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ أو فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». إذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد. قال: وتم نظم هذه المقدمة أبياتها في العدي ذر أبياتها في العدي ذر محكمة. أنا هذه المقدمة أنا مقدمة الورقات، أنا جعلتها كالمقدمة لأنها اختصرها إمام الحرمين لأجل أن تكون مثل المقدمة في العلم يبتدي بها الطالب. قال: وقوله رحمه الله أبياتها من العدي در محكمة، أنا معنى أنك إذا أردت أن تعرف كم عدد أبياتها فإنها در، معنى در محكمة. وهذا من باب ما يسمونه أبجد هوز، أنا اللغة الأبجدية أو الحروف الأبجدية، أنا هنا در يقول: الراء مئتان والدال أربعة، إذن عدد أبياتها مئتان وأربعة. وهنا ذكر الشيخ العثيمين الحروف الأبجدية، قال: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ. أنا هذا الأحرف الأبجدية يستدلون بها على الأعداد. قال رحمه الله: في عام طائن ثم ضائن ثم فاء. ثاني ربيع شهر وضع المصطفى. معنى قال: أنه تم نظم هذه المقدمة في عام طائن ثم ضائن ثم فاء، أنا على الحرف الأبجدية، فالطاء بتسعة والضاد بتسعمائة والفاء بثمانين، فيكون قد نظمها في عام تسعة وثمانين وتسعمائة. أنا هنا ذكر الشيخ عن شيخه عبد الرحمن السعدي رحمه الله أنه قال: جد بالرضى وعط المنى فانشاركوا في ذا البنى، أو في ذا البنى تاريخ حين انتهى. قول المنيبي: اغفر لنا، أنا جعل تاريخه: اغفر لنا. والشهر في شوال يا ربي تقبل سعينا، أنا الآن: اغفر لنا، العين بواحد والغين بألف والفاء بثمانين والراء بمئتين واللام بثلاثين والنون بخمسين والعين بواحد، ليكون تاريخ عمارته في عام ألف وثلاثمائة واثنين وستين من الهجرة. أنا عمارة الجامع بالقصيم. قال: وقوله رحمه الله ثاني ربيع شهر وضع المصطفى، أي في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول، أنا وضع المصطفى أي في ربيع الأول في الشهر الذي وضع فيه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: فالحمد لله على إتمامه، ثم صلاة الله مع سلامه على النبي وآله وصحبه وحزبه وكل مؤمن به. أنه هذا آخر هذا النظم، ختم به رحمه الله بالحمد لله عز وجل والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبهذا إن شاء الله تعالى انتهينا.