الدرس في آداب الدعاء 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشدد المقطع على أهمية التكرار في الدعاء والجزم به، مستشهدًا بالأحاديث النبوية التي تحث على ذلك. ينبغي على العبد أن يكون موقنًا بالإجابة عند الدعاء وأن يجزم في المسألة دون تردد.
ينبغي على العبد أن يدعو الله في وقت الرخاء والشدة، وأن يكون موقنًا بالإجابة. الله سيعامل العبد على حسب ظنه بالله، فإذا ظن العبد أن الله سيستجيب له، فالله يعطيه ما يؤمل.
يؤكد الحديث على أهمية البدء بالحمد والثناء على الله والصلاة على النبي في الدعاء. الصلاة على النبي في بداية الدعاء ووسطه ونهايته من أسباب استجابة الدعاء.
المقطع يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويظهر الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي من خلال الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان العروج على أهم الآداب التي ينبغي أن يحرص عليها كل من توجه إلى الله بالدعاء، فكان مما ذكر ما يتعلق بأمر الإخلاص، وأنه سبحانه وتعالى يفرد وحده بالدعاء، وأنك لا تريد من هذا التوجه رياءً ولا سمعة، وإنما تريد بذلك وجه الله. ومما ذكر ما يتعلق بكمال الطهارة، وذلك بالوضوء إن استطعت لذلك سبيلًا. ثم كان الحديث عن قضية رفع اليدين، وأنها من الآداب التي جاءت في أحاديث كثيرة عن رسول الله أنه كان يرفع يديه. وأشرنا إلى بعض المسائل المتعلقة بكيفية رفع اليدين عند الدعاء. ورابعًا، كان الحديث عن استقبال القبلة، فإن هذا مما جاء عن رسول الله أنه كان يستقبل القبلة إذا أراد أن يدعو. وذكرنا أن هذا ليس من الشرط، هذا إن تيسر، وإلا كما صرح العلماء أنه قد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه أحيانًا كان يدعو من غير استقبال للقبلة. وكان الختام في درس أمس حول مسألة الإلحاح على الله في الدعاء، ومن ذلك ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل». فمن صور الإلحاح على الله بالدعاء أنك دائمًا تدعو الله في ليلك، في نهارك، في صبحك، في مسائك، في بيتك، في ممشاك، في مسعاك، في عملك، في دراستك، في برك، في بحرك، في حلك، في ترحالك، في أي موضع أو زمن أو مكان. هذا من أعظم الإلحاح على الله جل وعلا. ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «وَمِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ الْإِلْحَاحُ فِي الدُّعَاءِ». ومما يُذكر كذلك، وهذا يتعلق بدرس اليوم، وهو مما يتعلق أيضًا بالإلحاح في الدعاء، ما يكون من أمر التكرار. لا بأس يا عبد الله أنك تكرر الدعاء مرة، مرتين، ثلاثة. فإن هذا مما حث عليه ورغب فيه نبينا صلى الله عليه وسلم. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدعو ثلاثًا». فهذا كان محل إعجاب عند رسول الله أن المسلم إذا دعا الله يكرر هذا الدعاء. لا بأس أن تقول: «اللهم اغفر لي وارحمني وتوب علي»، كرر: «اللهم اغفر لي وارحمني وتوب علي». أكرر: «اللهم اغفر»، ما في شيء، كرر. فإن هذا من آداب الدعاء، وهو نوع من أنواع الإلحاح على الله في الدعاء. تكرر، بل هذا ثبت عن رسول الله في أحاديث كثيرة. فعندما قام عليه الصلاة والسلام واستغاث بربه، ماذا قال؟ قال: «اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا»، كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. هذا واقع عملي. وأيضًا ما ثبت في صحيح مسلم عندما دعا على قريش، عندما امتدت أيدي الظلم والعدوان عليه الصلاة والسلام على أصحابه، قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش»، كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. فدل ذلك على أن التكرار في الدعاء أمر محمود، أمر مرغب به. كرر يا عبد الله، كرر. ليس أنت تخاطب أحدًا من خلق الله، الذي لربما واحد من البشر يمل من كلامك، لكن الرب سبحانه وتعالى بل يحب ربنا من عبده أن يكرر، ولو حتى بسم الله الأعظم. ولهذا جاء في ذلك الحديث في قصة ذلك الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يقول: «يا رب، يا رب»، هذا في سياق المدح، «يا رب، يا رب»، يكرر حتى لفظ الربوبية. فأنت يا عبد الله كرر الدعاء، فهذا من الآداب الحسنة والتي تغافل وغفل عنها كثير من الناس. كذلك مما يذكر من آداب الدعاء ما يكون من أمر الجزم بالدعاء، أنك تجزم في دعائك، لا تكون في تردد، لا تكون في شك وريب. أو كحال من يدعو الله عز وجل وكما يقال: «إن استجيب فذاك، وإلا كيف نستجيب فذاك». أن تدعو من تدعو رب الأرباب سبحانه وتعالى. وهذا الأدب وهو الجزم في الطلب وفي المسألة مما أمر به نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: «إذا دعا أحدكم فلا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة». بل قل: «رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي». «اللهم ارزقني»، لا تجعلها وفي نوع تردد: «إن شئت كيف إن شئت ما». هل هناك أحد يفرض أمرًا غير إرادة الرب عز وجل في هذا الكون؟ لا أحد. ولهذا عليك يا عبد الله من كمال الأدب مع الله جل وعلا أنك تدعو أن تجزم المسألة. فالله جواد كريم سبحانه وتعالى، بيده خزائن كل شيء. تجزم يا عبد الله، تجزم بكل شيء وتعظم المسألة، وسل يا عبد الله، ولا يكن في بالك تردد. لأن مثل هذا التردد أحيانًا يكون في حق من لربما يطلب طلب وهو يراه في نفسه أو في واقع أنه مستحيل. نعم، في واقع الناس مستحيل، لكن هل كل شيء مستحيل على الناس يكون مستحيل على الله؟ حاشا. مثل رجل ابتلاه الله بعدم وجود خلفة، وقد سطر الأطباء وأخرجوا البيانات والتقارير الطبية على أن هذا الذكر أو الأنثى ليس من ورائه خلفة. هل معنى هذا أن تيأس؟ أدع ربك وادعي يا أمة الله: «ربك اللهم ارزقني ذرية صالحة»، ولا تكن مترددًا لما سمعت من واقع الناس ومن كلام الأطباء. هذا شيء، هذا مستوى البشر، هذا حد البشر يعطيك الذي بقدرتهم، لكن بقدرة رب الأرباب ما هناك حد سبحانه. فملك الملوك بيد الله عز وجل. ولهذا انظر لأنبياء الله ورسله كم طلبوا الأشياء التي ربما يراها الكثير من الناس إعجازًا، لكن في حق الله لا شيء. نوح عليه السلام مع الأقوام الكفرة فدعا ربه: «أني مغلوب فانتصر». من أين ستأتيك النصر يا نوح؟ فسبحان الله فجر الله الأرض، وأمطرت السماء حتى جاء الطوفان العظيم. من أين؟ من دعاء في أمر لا يمكن للعقل البشري أن يتوقع أن نصر يأتي من هذه الحيثية. أو سليمان عليه السلام: «هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي». قد يقول قائل: «إيش من ملك ما يمكن لأحد من البشر أن يستولي عليه؟» فإذا بربنا عز وجل سخر له الريح والجان والعفاريت سبحان الله. هذا مستحيل في حق البشر، لكن في حق رب البشر سبحانه جل في علاه. ولهذا إخواني في الله، من دعا ربه جل وعلا عليه أن يكون موقنًا بالإجابة، لا يكون في قلبه رَدّ تردد ولا شك. فإن الله جل وعلا سيعامل العبد على حسب ظن العبد بالله. قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: أنا عند ظن عبدي بي، أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء». فإن كنت تظن أن ربك قد وقد قد يحقق أو لا يحقق، فأنت هذا الظن شك. لكن إذا جزمت ودعوت وأنت مستيقن بأن الله سيستجيب، فالله يعطيك ما تؤمل. فهذا إخواني في الله من الآداب التي ينبغي أن تراعى في باب الدعاء الجزم في المسألة. كذلك مما يذكر من آداب الدعاء ما يكون من الدعاء في وقت الرخاء والشدة، وهذا من أنواع الإلحاح على الله بالدعاء. في وقت الشدة تدعو، وفي وقت الرخاء تدعو. لا شك أن الناس يقبلون على الله جل وعلا في الشدائد، لكن الإشكال من هذا الذي يقبل على الله في وقت الرخاء. في وقت الرخاء مثاله في هذه الأزمان تجد الذي يبتلى بهذه الأوضاع المأساوية والمعيشة الضنك لربما يلهج على الله بالدعاء، بينما من تراقصت أمامه الفرص وفتحت له الدنيا لربما يستأنف عن الدعاء. يقول: «الحمد لله الأمور طيبة، الأمور طيبة جدًا، والأمور تسير على ما يرام، هذه الأزمات لصالحي، ارتفعت العملة وعند التجارات وأقبل الناس على أموال، فالحمد لله». فلربما يأنف عن الدعاء أو لربما ما يأبه للدعاء بشيء لأنه ما هو بحاجة. وهذا إخواني في الله سوء أدب مع الله عز وجل. وإن من استكبر عن الدعاء في وقت الرخاء فإن الله عز وجل لن يستجيب له في وقت الشدة. ولهذا ثبت من حديث أبي هريرة، من حديث رواه الترمذي في سننه ويحسنه الشيخ الألباني، قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء». فمتى ما رآك الرب عز وجل وأنت في صحة تدعو الله، وأنت في عافية تدعو الله، وأنت في غنى تدعو الله، وأنت في أمن وأمان تدعو الله. فلو قدر أن تأتيك الشدائد والكرب فدعوت الله مرة هنا، فالله يستجيب لك. لما؟ لأن الله قد علم أنك مع الله، احفظ الله يحفظك، فإلى الله معك. ولهذا جاء ما يؤيد هذا المعنى كما في صحيح الجامع، قال عليه الصلاة والسلام: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». وقد ذكر عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال بمعنى كلامه: «ادعوا الله في يوم سرائك لعله يستجيب لك في يوم ضرائك». يقول: «كن مع الله في السراء، أنت في عافية ادع الله بالعافية بالصحة، ألح على الله». قد يقول قائل: «يا أخي أنت بحمد الله بخير، لماذا هذا الإلحاح؟» قل: «ليوم الشدة، ليوم الشدة». وسأتي معنا بإذن الله في مقامات أخرى قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، ثم في هذه الشدة دعوا الله بما كان من أعمالهم في وقت الرخاء. فلما كانوا في وقت الرخاء في إقبال على الله لم ينسهم الله عز وجل في وقت شدتهم، ففرج عنهم ما هم فيه. فالمسلم كما جاء في هذا الحديث يحرص على أنه يلح على الله في كل أوقاته. أنت في السراء أدع الله، فإن جاءت الكربة فدعوت الله، فالله عز وجل سيستجيب لك. لما كان من معرفتك بالله في كل أوقاتك. وأخيرًا نختم هذا المقام بهذه المسألة، وهو الأدب الذي لربما يغفل عنه كثير من الناس، ما يتعلق بالبدء، يشرع ويستحب لمن أراد أن يدعو الله جل وعلا أن يبدأ بالحمد والثناء على الرب، والصلاة والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا مما يشرع، ومما وقعت فيه الغفلة، لربما الكثير منا إذا رفع يديه إلى السماء سرعان ما دخل في صلب الموضوع كما يقال، يدخل في حاجته دون مقدمات. لا راعي للمقدمات، المقدمات يا عبد الله تدل على لباقة كما نسميه نحن في واقعنا البشر في الخطاب. تكون لبقًا في طرح المسألة التي تريدها من صاحبك، فما ظنك بربك جل وعلا؟ فمن أعظم ما ينبغي أن يستفتح به الدعاء أنك تتوجه إلى الله بالحمد، تتوجه إلى الله بالثناء بالتعظيم، تتوجه إلى الله جل وعلا بما تستطيع أن تمدح به الرب سبحانه وتعالى. فإذا انتهيت تنتقل بعد ذلك إلى الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. فعن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يدعو فلم يبدأ بحمد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال نبينا: «عجل هذا، عجل هذا، استعجل في دعائه، لم يكتمل الدعاء بكماله وتمامه». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «قال إذا صلى أحدكم -بمعنى دعا- إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله وفي رواية أو لفظة بتمجيد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي، ثم ليدع بعد بما شاء». ثم ليصل بعد بما شاء، أي يدعو بما شاء، لكن أول ما تبدأ بالثناء على الله، تدعو الله وتثني عليه بما هو أهله سبحانه. ثم تصلي: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»، إما بصيغة المطولة أو باختصار: «اللهم صل على محمد»، ثم تدخل بالمقصود. فإن هذا من أحرى ما يستجاب. ولهذا يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «كل دعاء محجوب حتى تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم». ويقول إمام النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأذكار: «أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدع دعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله، وكذلك تختم الدعاء بهما». والآثار في هذا الباب كثيرة. وهذا يجرنا كلام النووي أنه قال: «تبدأ وتختتم»، يجرنا إلى مواضع الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في الدعاء. ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر ثلاثة مواطن. إما أنك بداية الصلاة على النبي تحمد الرب، تثني على الله، ثم تصلي على النبي، بداية. ثم تأتي بالطلب الذي أنت تريده، هذا وجه. الوجه الثاني أنك تبتدئ بالصلاة على النبي وتختمها بالصلاة على النبي، أولًا وآخرًا. هذا الثاني، وتجعل الطلب وسط. الصورة الثالثة كما قال ابن القيم: «أن تجعل الصلاة على النبي في أوله وفي وسط الدعاء وفي آخر الدعاء»، أي في كل أحوال الدعاء فيها صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. بمعنى أنك لا تجعل الدعاء مجردًا من الصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكما قلت وأسلفت، هذا من الآداب العظيمة التي غفل عنها الكثير من الداعين إلى الله. فاحرص يا عبد الله على هذا بأن تكثر على الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام بداية وختامًا، بعد دعائك. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.