آداب الدعاء 2

آداب الدعاء 2

الدرس في آداب الدعاء 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في آداب الدعاء

يبدأ الحديث عن أهمية آداب الدعاء في الإسلام، مشيراً إلى الإخلاص لله والطهارة كآداب أساسية. يُشدد على توحيد الدعاء لله وحده.

تفاصيل آداب الدعاء ورفع اليدين

يتناول المقطع تفاصيل آداب الدعاء مثل الطهارة ورفع اليدين، ويشير إلى أن رفع اليدين يكون حذو المنكبين أو إلى السماء عند الشدة.

استكمال آداب الدعاء واستجابته

يستكمل الحديث عن آداب الدعاء مثل استقبال القبلة والإخلاص، ويؤكد على أهمية الاستمرار في الدعاء دون استعجال للاستجابة.

ختام الحديث عن آداب الدعاء

يختتم المتحدث كلامه عن آداب الدعاء ويشير إلى استكمال الحديث في الأيام القادمة، ويختم بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الشروع في ذكر أدب من آداب الإسلام، والتي ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم ومسلمة، ألا وهو ما يتعلق بآداب الدعاء. وأشرنا في درس أمس، إخواني في الله، كمقدمة، الدال على أهمية هذه الشعيرة، وهذه الطاعة والقربة والعبادة، ألا وهي الالتجاء والتضرع والدعاء لله جل في علاه. وفي هذا المقام، وما سيأتي من المقامات، سنذكر أهم الآداب التي ينبغي أن يتعاهدها المسلم في أثناء دعائه وتضرعه لربه. وهذه الآداب، إخواني في الله، ينبغي مراعاتها، لأنه لربما كان الإخلال بها سببًا من أعظم الأسباب في رد الدعاء. لربما كان الإخلال في بعض آداب الدعاء سببًا من أعظم الأسباب في رد الدعاء. لهذا، جاء معنى في قوله عليه الصلاة والسلام في حق ذاك الرجل الذي كان يدعو، فقال عليه الصلاة والسلام: «فأنا يستجاب له»، أي: بعيد، بعيد، مع أنه قد دعا وتضرع، لكنه لما أخل بآداب الدعاء، كان من أمره أن رد الدعاء على وجهه. من آداب الدعاء، إخواني في الله، وهذه تعتبر من أصلها، ومن أهمها، الإخلاص، أن تدعو ربك سبحانه وتعالى وأنت مخلصًا لله، كما قال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فأمر ربنا جل وعلا بأن نتحلى بالإخلاص، وأن نتصف بالإخلاص في أثناء دعائنا لربنا سبحانه وتعالى. ومن صور الإخلاص، ومن صور الإخلاص، يا عبد الله، أنك تدعو ربك وحده لا شريك له، فلا تجعل مع الله ندًا ولا شريكًا، لا ميتًا ولا قبرًا، لا نبيًا ولا وليًا، لا صنمًا ولا وثنًا. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، فيكون الوحدانية في دعائك بأن تخلص الدعاء لله سبحانه وتعالى. وأيضًا من صور الإخلاص في الدعاء، أن يكون هذا الدعاء يراد به وجه الله، لا رياء ولا سمعة، لا رياء ولا سمعة. فلا تتصنع الدعاء وأنت في الحقيقة تريد غير الله. مثاله، إخواني في الله، نبين هذه المسألة، مثل ما نجده من بعض الناس، من يتصنع الدعاء لكي يتصور، مثال: يذهب إلى الحرم أو عند الكعبة أو عند الحجر الأسود، أو يكون في مناسك الحج والعمرة في عرفة أو في مزدلفة، ثم يقول إخوانه وأصحابه: انتظروا لحظة، فيتوجه للقبلة ويرفع يديه إلى السماء، لا ليدعو، بل ليتصور، وهو على هذه الصورة. فما الذي تدعو بهذه الصورة؟ أم أنك أردت الشهرة، أردت السمعة، أردت الرياء، وأن هذه الصورة تتناقلها الأيدي والأعين، فيشهدون لك بأنك على حسن تعبد؟ لا، هذا ما يجوز، يا عبد الله، هذا رياء، وهذه سمعة، وهذا المقصود به ما عند الناس، لا ما عند الله. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من سمع سمع الله به»، فكن مخلصًا، يا عبد الله، وذلك بتوحيد الدعاء لله، وأنك تريد بذلك وجه الله سبحانه وتعالى. كذلك، من آداب الدعاء، أن تكون على طهارة، أن تكون على طهارة، كأن تتوضأ، هذا إن استطعت، هذا إن استطعت على الطهارة فافعل، لأن قد أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه لربما توضأ قبل دعائه. كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء، فتوضأ، ثم رفع يديه، فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر»، فشاهد من هذا الحديث أن النبي دعا بماء، فلما توضأ دعا، فلما توضأ دعا عليه الصلاة والسلام، فهذه الهيئة طيبة، وهذه الهيئة حسنة، وهو أنك تستعد بالطهارة. طبعًا، كما ذكرنا سلفًا، أن هذا عند القدرة والإمكان، وهذا يكون عند السعة، مثل رجل في أوقات الدعاء، مثل في الليل في جنح الظلام، أو رجل في المسجد خالي، أو رجل في ساعة من آخر ساعة من يوم الجمعة، في سعة، قبل أن تدعو، تذهب إلى دورة المياه، تتوضأ، ثم تدعو الله، فهذا أرجى بالقبول. لكن إذا ما تيسر، فلا شيء في ذلك، لا تجعل الطهارة شرطًا. أحيانًا تأتي مناسبة تحتاج فيها إلى الدعاء وأنت على غير طهارة، هذا ما يجوز، لا يجوز أدعو الله، أدعو الله، يا عبد الله، على كل حال، سواء كنت على طهارة أو كنت على غير طهارة، أدعو الله على كل حال، لكن إن وجدت الطهارة، فهذا حسن، فهذا حسن، وهذا يعد من آداب الدعاء. كذلك، من آداب الدعاء، إخواني في الله، رفع الأيدي، رفع الأيدي، أنك ترفع يديك عند الدعاء، فهذا أمر مستحب. وذكر العلماء أن رفع الأحاديث التي جاءت في رفع اليدين في الدعاء من الأحاديث المتواترة معنويًا، حتى أن السيوطي رحمه الله تعالى ذكر مئة حديث، مئة حديث فيها أن النبي كان إذا دعا ربه رفع يديه عليه الصلاة والسلام. ومن هذه الأحاديث الذي مضى معنا حديث أبي موسى الأشعري، عندما دعا نبينا بماء، فتوضأ، فرفع يديه. وكذلك ما ثبت من قوله: «إن ربكم تبارك وتعالى حي كريم، يستحي من عبده أن يرفع يديه إليه أن يردهما صفرًا»، فربنا عز وجل كريم، جل في علاه، ومن كرم الرب عز وجل أنه لا يرد السائلين، وذلك إذا رفعوا أيديهم إليه. فالشاهد من هذه الأحاديث على أن من الآداب المستحبة أنك ترفع يديك، يا عبد الله، عند الدعاء. ومما أشير إليه في هذا المقام، إخواني في الله، في مسألة رفع اليدين، أن يكون الرفع فيه نوع استكانة، فيه نوع تضرع لله سبحانه وتعالى. حتى أن من العلماء من يرى أن رفع الأيدي تكون على جهة أن تظهر نفسك أنك فقير، ليس الفقير المعنوي بل حتى فقير حسي. أنت تعلم، مثلًا، إخواني، لو رأيت أحد سائل يسأل، كيف يفعل؟ يمد يده يسأل، وأنت افعل هذا مع ربك، لأنك سائل حقيقة. فمن هنا، قال العلماء: من الصور التي يذكرها العلماء في هيئة الداعي عند رفع يديه، أنك ترفع اليدين حذو المنكبين، ترفعهما، لأن أحيانًا، إخواني في الله، تجد بعض الناس، وهذا تلاحظ من بعض المصلين، على ما نرى، يرفع يديه، تبحث عن اليدين أين وضعهما؟ والله، أحيانًا تجد أن بعض الناس يضع يديه في حجره، عند بطنه، يا الله، يا رب، واليدين تحت عند البطن، عند السرة، هذا أنت سائل؟ هل أنت طالب شيء من ربك بهذه الصورة؟ لا، يا عبد الله. ولهذا، قال: «لا يسأل ربه عند الدعاء يرفع يديه إلى منكبيه»، قال: «ويضمهما مع رفعهما عند وجهه، يا الله»، هذا السائل، فيظهر هذا الافتقار حتى عند رفعك لليدين. أما أنك تجعلهما تحت عند البطن أو عند السرة أو عند حجرك، أو بعضهم من يقف فيسمع دعاء، فيجد يديه عند رجليه: «آمين يا رب»، أين يديك؟ لا، ارفع، ارفع، ارفع، يا عبد الله. هذه صورة من صورة رفع اليدين، أن يكون عند المنكبين، تضمهما وتجعل اليدين الباطن إلى السماء والظاهر إلى الأرض. وهناك صورة أخرى يسميها العلماء بصورة التضرع، الابتهال، وهذا عند القربات، أنك ترفع ترفع يديك إلى السماء، حتى لربما تظهر بياض الإبط، هذا قد أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا عند الشدة، عند الهروب، عند النزال، عند القتال، عند نزول المصائب الشديدة على العبد، فحينها يرفع، يا الله. هذا كما ثبت هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وتلاحظ أن هذه الأفعال فيها افتقار، أن العبد يظهر فقره وذله بين يدي ربه سبحانه وتعالى. كذلكم من الآداب، الأدب الأول: الإخلاص، الثاني: الطهارة، الثالث: رفع اليدين، الرابع: استقبال القبلة. إذا استطعت، يا عبد الله، أن تستقبل القبلة عند الدعاء، فافعل، فإن هذا أيضًا مما أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ففي صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يوم بدر، ونظر إلى المعركة، فإذا بالمشركين قد بلغوا الألف، وأصحابه ثلاثمئة، يعني التفاوت في الجيش، هؤلاء ألف وهؤلاء ثلاثمئة، أي: المشركون أضعاف أهل الإسلام، فحينها قال الراوي، وهو ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: «فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يدعو ربه»، الشاهد، قال عمر: «فاستقبل القبلة»، فيذكر هذا من آداب الدعاء، أن المسلم عند الدعاء يحرص على استقبال القبلة. لكن هل استقبال القبلة يعد شرطًا؟ لا، ليس شرطًا. فإذا استطعت على استقبال القبلة، فافعل، ما استطعت. أدعو الله في أي جهة، هكذا الآن، قبلة خلف ظهري، هل لأني أدعو هكذا؟ نعم، ما في شيء، فأدعو هكذا، أدعو شمالًا، جنوبًا، شرقًا، غربًا، أدعو في أي جهة، هذا ليس فيه شيء. ولهذا، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: «باب الدعاء غير مستقبل القبلة»، فهذا جائز. وإلا الأصل الاستحباب، لهذا حديث عمر السابق، علق عليه النووي رحمه الله تعالى، قال: فيه استحباب استقبال القبلة في الدعاء، فهو مستحب، ما استطعت على هذا، ادعو الله على أي حال. ولهذا، قال إمام القرطبي رحمه الله تعالى: «قال: والدعاء حسن كيف ما تيسر، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم»، أي: هذا جائز، وهذا جائز، لكن استقبال القبلة أفضل. فهذا الأدب الرابع، خامسًا: من آداب الدعاء، الأدب الأخير الذي أختم به هذا المقام، وهو أنك لا تستعجل الدعاء، بمعنى لا تستعجل الاستجابة، ادعو الله، ادعو الله، ادعو الله. قد يقول قائل: إلى متى أقول؟ إلى أن تنقضي الأعمار، ادعو الله. ولهذا، ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي»، هذا استعجال منك، مثل بعض الناس، يعني كأنه يعني يعطي لربه مدة: «أنا يا رب، إن شاء الله هذا الأسبوع سأحرص على الدعاء، لكن بعد الأسبوع إذا ما في استجابة، ما أستطيع أدعوه»، كأنه يعطي لربه مدة أن الله يستجيب له، هذا من يستجاب له؟ هذا الذي عنده نوع تذمر، وعنده استعجال، واشمئزاز على ربه، هذا من يستجيب الله له؟ وإنما ينظر الله عز وجل إلى مدى إلحاحك على الله، فالله يحب الملحين، ملحين على الباب، كما هو حال الذي يقرع الباب، يقرع ويقرع ويقرع إلى أن يفتح لك. أما أنك تقرع قرعته، ثم تذهب، اذهب، يا عبد الله، اذهب وانصر، ابحث عن باب آخر، تذهب إلى باب تقرع وتذهب، من سيفتح لك على هذه العجلة؟ لكن إذا جئت إلى باب الكريم جل، فقرعت الباب، الدعاء، ثم الدعاء، ثم الدعاء، اليوم والشهر والسنة، سيفتح لك الباب لا محال. «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي»، هذا استعجال. ولهذا، يا عبد الله، فمن أدب الدعاء أنك تستمر في الدعاء، في قيامك، في سجودك، في ليلك، في نهارك، في جوف الليل، في كل شهر، في كل حين، في مشيك، في مسجدك، في مضجعك، في مذهبك، في مسعاك، في عملك، في راحتك، في أي مكان، تدعو الله، تدعو الله، تدعو الله. متى ما رأى الله منك الإلحاح عليه، فإن الله عز وجل سيستجيب لما دعوت الله به. فهذا، إخواني في الله، بعض آداب الدعاء، وسيأتي معنا بإذن الله في المقامات الأخرى، والأيام القادمة، بقية الآداب، وهي كثيرة، ينبغي أن نحرص عليها، ونحن في كلامنا على هذه الشعيرة التي تعد من أعظم شعائر الإسلام، ألا وهو الدعاء، والانطراح بين يدي الرب، بين يدي رب الأرباب جل في علاه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.