الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 31، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشرح بتوضيح أهمية الزهد في الدنيا لنيل محبة الله والناس، مع بيان معنى الزهد شرعًا. يُوضح أن الزهد يشمل ترك المحرمات والمكرهات وفضول المباحات.
يُناقش حقيقة الزهد وأنه يكون في القلب وليس في المظاهر، حيث يكون القلب متعلقا بالله وراغبا فيما عنده. يُبين أن الزهد الحقيقي لا يرتبط بالملابس أو المظهر الخارجي.
يُوضح أن الزهد في الدنيا يورث محبة الله، والزهد فيما عند الناس يورث محبتهم. يُبين أن الدنيا مذمومة ولا قيمة لها عند الله، لذا يجب على الإنسان أن يزهد فيها ويتعلق بالآخرة.
يتضمن الختام الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكدًا على أهمية النبي في الإسلام وتوجيه المسلمين للصلاة عليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله في كتابه الأربعين النووية، الحديث الحادي والثلاثون، قال: عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس، قال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس». قال: هذا حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة. قال الشارح: فقه الله هذا الحديث، أخرجه ابن ماجه بسند لا يعتمد عليه. نعم، ففي سنده خالد بن عمر القرشي، وهو ضعيف جدا. قال إمام أحمد: منكر الحديث. وهكذا أيضا قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث. وهكذا البخاري، أبو زرعة، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال مرة: كان كذابا يكذب. حدث عن شعبة بأحاديث موضوعة. قلت: هذا نسبه ابن عدي إلى الوضع، إلى وضع الحديث. قال: وأوله عنده: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال...» الحديث. روي من وجوه أخرى لا يثبت منها شيء، فتحسين هذا الحديث بعيد جدا. نعم، في الحديث ضعيف، وإن كان يعني معناه صحيح. قال: وزهد في الدنيا شرعا الرغبة عما لا ينفع في الآخرة. وهذا معنى قول ابن تيمية الحفيد: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. يعني عرف الشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله الزهد بأنه ترك ما لا ينفع في الآخرة. فهذا وحقيقة الزهد أن يترك الإنسان ما لا ينتفع به في الآخرة، وهذا يشمل كما سيأتي ذكر ترك المحرمات والمكرهات وفضول المباحات. قال: ويندرج في هذا الوصف أربعة أشياء، أولها المحرمات، وثانيها المكرهات، وثالثها المشتبهات لمن لا يتبينها، ورابعها فضول المباحات، وهي الزهد عن قدر الحاجة منها. إذن الزهد أو حقيقة الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. ومن هذه الأوصاف الأربعة أن يترك المسلم المحرمات، فالزهد هو الذي يجتنب المحرمات؛ لأن المحرمات مما لا تنفع في الآخرة وإنما تضر. فالزهد يكون مجتنبا للمحارم، مبتعدا عن أسباب سخط الله جل وعلا وغضبه. وهكذا أيضا ثانيها المكرهات، كذلك يجتنب المكرهات، وإن كانت المكرهات غير محرمة، لكن تركها هذا من كمال التقوى وكمال الاستقامة وتمام الزهد، أن يترك ما كان مكروها خشية الوقوع في الحرام؛ لأن التساهل في باب المكرهات بوابة للوقوع في المحرمات. وثالثها المشتبهات لمن لا يتبينها، يعني الأشياء المشتبهة التي لم تتضح، لم يتضح لها حكم. فمن الزهد والورع أن تترك وأن تجتنب، عندك معاملة اشتبهت عليك، هل هذه المعاملة مباحة أو محرمة؟ هناك من يبيح هذه المعاملة وهناك من يحرمها، فالزهد أن تتركها وأن تجتنبها ما دام أنه أمر مشتبه لم يتبين. أما إذا كان هناك أمر مشتبه لكن تبين فيه وجه الصواب ووجه الحق فيه من إباحته فلا بأس، لكن ما دام أن الاشتباه ما زال باقيا فعليك أن تجتنب. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ورابعها فضول المباحات، وهي الزائدة عن قدر الحاجة منها. الزائدة عن قدر الحاجة، فمن الزهد كذلك ترك فضول المباحات، سواء كان في المآكل أو في المشارب أو في الملبس أو في المسكن أو في المركب. فمن الزهد ترك فضول المباحات. إذن هذا يعني حقيقة الزهد هو وجود هذه الأوصاف، أن يكون الزاهد مجتنبا للمحرمات، كذلك مبتعدا عن المكرهات، مجتنبا للمشتبهات، كذلك تاركا لفضول المباحات. وحقيقة الزهد هو زهد القلب، حقيقة الزهد هو في القلب، أن يكون القلب متعلقا بالله، راغبا فيما عند الله جل وعلا. ليس الزهد في المظاهر، ليس الزهد في المظاهر أن يلبس الثياب المرقعة كما يفعل بعض المتصوفة، ويجلس في المزابل ويقول: هذا زهد. لا، ربما يلبس مرقعة لكن قلبه ماذا؟ متعلق بالدنيا، يموت بها، هو مستعد أن يرتكب ويفعل ما يفعل من معاملات محرمة ومشتبهة حتى يصل إلى كسب المال، هذا زهد ليس بزهد، وإن تظاهر في لبسه بلبس الزهد وعدم الرغبة في الدنيا. وقد يكون الشخص يلبس الثياب الجميلة والثياب الحسنة، وقد يكون عنده من المال ما عنده، قد يكون من الأغنياء وهو من الزهد، قد يكون عنده مال لكن هذا المال في يده ليس بقلبه. أنعم الله عز وجل عليه بمال، فهو ينفقه في سبل الخير وسبل البر وطرق الطاعات، هذا زاهد، هذا زاهد وإن كان غنيا. طيب، ننتبه لهذا الأمر. إذن حقيقة الزهد هو زهد القلب. ولهذا قال أحد السلف، وهو أبو سليمان، قال: لا تشهد لأحد بالزهد؛ فإن الزهد في القلب، يعني لا يعلم ولا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى. قال: فالزهد واقع في هذه الأمور الأربعة، وما كان خارجا عنها فلا مدخل للزهد فيه. والزهد في الدنيا يشمل الزهد مما في أيدي الناس، يعني يدخل من الزهد في الدنيا الزهد في ما في أيدي الناس، لكن لماذا خص بالذكر؟ قال: وأفرد عنه في الحديث لاختلاف ثمرته. فالزهد في الدنيا يورث محبة الله؛ لأن الله عز وجل قد ذم الدنيا في آيات كثيرة في كتابه، وبين أن الدنيا حقيرة لا تساوي شيئا، بل ﴿تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. نعم، وكذا قال الله جل وعلا في مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾. نعم، وآيات كثيرة: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. فالله عز وجل يعني حقر هذه الدنيا وذمها، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة: «لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء»، لكنها أحقر عنده من ذلك. وهكذا أيضا حديث جابر في قصة الجدي الأسك الذي أخذه النبي صلى الله عليه وسلم، هو قصير الأذن والناس في السوق، قال: من يشتري هذا مني بدرهم؟ قال: يا رسول الله، ما نصنع به، لو كان حيا لكان عيبا أنه أسك، أنه قصير الأذن، كيف وهو ميت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم». إذا كان هذا قد هان عليكم وما رغبتم فيه، فهكذا الدنيا هي ماذا؟ مذمومة، لا قيمة لها عند الله، لا قيمة لها عند الله. فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم، فإذا زهد الإنسان في هذه الدنيا ولم يرغب فيها ولم يتعلق بها، لم يضيع فرائض الله لأجلها، لم يرتكب محارم الله من أجلها، لم يبغِ أو يعتدي أو يظلم من أجل الدنيا، فهذا يحبه الله؛ لأن الله عز وجل يحب ذلك، يحب من عبده أن يكون زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة. قال: والزهد فيما عند الناس يورث محبتهم. الزهد فيما عند الناس يورث محبتهم، قال: فالناس يأنسون بمن يترك منازعتهم، ويقاطعون من يتوهمون أنه ينازعهم لأدنى سبب؛ لأنهم يحبون ما في أيديهم، سواء كان من مناصب أو رئاسة أو مسؤوليات أو ما في أيديهم من مال ومتاع، فهو حريص على ما في يده، لا يحب أحد أن ينازعه فيما في يده. فلو علم من الناس أنه يريد أن ينازعه ويريد أن يصل إلى ما في يده من مال أو متاع أو منصب أو رئاسة فإنه يكره ويبغضه، يكره ويبغضه، وربما انتقم منه أو قتله كما يحصل من ذوي المناصب. لكن إذا زهد فيما في أيدي الناس، ما عنده رغبة فيما في أيديهم ولا يتطلع إلى ما في أيديهم، فهذا يحبه الناس. إذا فيما في أيدي الناس يحب الناس، قال: ويقاطعون من يتوهمون أنه ينازعهم لأدنى سبب. فإذا خلصت النفس من منازعة الخلق أورث العبد حبهم. نعم، إذن الزهد في الدنيا يورث محبة الله جل وعلا، والزهد فيما عند الناس يورث محبة الناس. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.