التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 33

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 33، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في قواعد الفصل في الخصومات

يبدأ المقطع الأول بشرح حديث نبويا يبين كيفية الفصل في الخصومات بين الناس، حيث يُلزِم المدعي بتقديم البينة لإثبات دعواه. يُوضح أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.

شرح مفصل للبينة واليمين في الخصومات

يفسر المقطع الثاني مفهوم البينة واليمين، حيث يبين تعريف المدعي والمدعى عليه وضابط كل منهما، ويوضح أن البينة هي كل ما يظهر به الحق، واليمين هي الحلف والقسم. يشرح أيضًا تفاصيل حول اليمين في الدعاوى القضائية.

تفاصيل حول اليمين وردها إلى المدعي

يناقش المقطع الثالث تفاصيل حول اليمين في الدعاوى القضائية، بينما يشرح المقطع الرابع رد اليمين إلى المدعي إذا أبى المدعى عليه أن يحلف، فيحلف المدعي ويستحق ما حلف عليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام زكريا يحيى من شرف النووي رحمه الله في كتابه الأربعين نووية: الحديث الثالث والثلاثون، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لدعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر». قال: حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وأصله في الصحيحين. قال الشارح -وفقه الله-: هذا الحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، وهو بهذا اللفظ غير محفوظ، ويثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: «لو يعطى الناس بدعواهم، لدعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه»، متفق عليه، واللفظ لمسلم، هذا اللفظ والمحفوظ، وهو في الصحيحين. قال: فليس عندهما أن البينة على المدعي، والحديث عندهما بلفظ مختصر أيضا: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه». قالوا: في الحديث بيان ما تحسم به المنازعات، ويفصل في الخصومات، وهو جعل البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. نعم، إذا اختصم اثنان في عين أو حق من الحقوق، أو متاع، أو دين في الذمة، فهذا يدعي أنه يطالب فلانا بدين، أن له دين عند فلان، أو أن الأرض التي بيد فلان هي له، أن هي له، فيقال للمدعي: عليك البينة، عليك البينة التي تثبت أن هذا الحق لك. لماذا؟ لأنه يدعي خلاف الأصل، يدعي خلاف الأصل، الأصل يعني براءة الذمم من الحقوق، فكونه يدعي أن فلانا في ذمته دين له، هذا خلاف الأصل، لابد من بينة تثبت ذلك، أن هناك دين له عند فلان. البينة يعني ما يبين الحق، ما يبين الحق ويظهره. نعم، قد تكون البينة شهود، شاهدان يعني عدلان يشهدان بثبوت هذا الحق، قد تكون البينة شهادة رجل وامرأتان في الأموال ونحوها، قد تكون البينة شهادة ثلاثة شهود من ذوي الحجى، ذوي العقول، وذلك فيما يتعلق بالدعوى أنه افتقر بعد غناه، كما في حديث قبيصة بن المخارق عند مسلم. قد تكون البينة أربعة شهود فيما يتعلق بالزنا. نعم، قد تكون البينة كذلك شهادة امرأة واحدة فيما يتعلق بثبوت الرضاع والبكارة أو غير ذلك من أمور النساء التي لا يطلع عليها غالبا إلا النساء. فإذا أتى بالبينة استحق هذا المدعي مدعاه، إذا أتى هذا المدعي بالبينة استحق مدعاه. ومما يدل على يعني ثبوت هذا المعنى، وإن كان هو لم يرد في الحديث بهذا اللفظ، لكنه ثابت في أحاديث أخرى، من حديث ثابت بن قيس في الصحيحين، لما اختصم هو ويهودي عند النبي عليه الصلاة والسلام على أرض، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «شاهداك أو يمينه». قال: يا رسول الله، يحلف ولا يبالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لك إلا ذاك». هذا يدعو إلى هذا المعنى، أن المدعي عليه البينة، وأن المدعى عليه عليه اليمين، إذا لم يأتي المدعي ببينة على ما يقول، فيقال للمدعى عليه: احلف وتبرأ، عليك اليمين، فإذا حلفت برئت من هذه الدعوة، إذا حلف، إذا حلف أنه ليس له شيء، برئ من هذه الدعوة، ولا يلزمه شيء، ولا يلزمه شيء. هذا معنى هذا الحديث، وهذه القاعدة في باب الخصومات: أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. قال: والمدعي هو المبتدئ بالدعوة، المطالب بها، الذي يدعي ويطالب، يسمى مدعيا، الذي يبدأ الدعوة، يقول: فلان، أنا أطالبك بكذا وكذا، بدين أو بأرض أو بكذا، يسمى مدعيا، لأنه هو الطالب المبتدئ بالدعوة. قال: وضابطه عند الفقهاء: من إذا سكت ترك، لأنه صاحب المطالب والإدعاء، إذا سكت ولم يطالب ترك، ما يطالب به، ولا أحد يلزمه بهذه الدعوة، هذا يسمى المدعي، الذي إذا سكت ترك ولم يطالب بشيء. قال: والمدعى عليه: من وقعت عليه الدعوة، من وقعت عليه الدعوة، هذا يسمى مدعيا عليه، يأتي فلان من الناس، يقول: أنا أطالبك، أنا أطالبك بحق من الحقوق، بمال أو بأرض أو بكذا، أنت تسمى مدعيا عليه، الذي وقعت عليه الدعوة، ووقعت عليه المطالبة، يسمى مدعيا عليه. قال: وضابطه عند الفقهاء: من إذا سكت لم يترك، لأنه المطالب بمضمون الدعوة، إذا سكت لم يترك، لأنه مطالب، هو سيلاحق، يقال له: تعال، أنت عليك دعوة فلان، يدعي أن له عندك كذا وكذا، أو يطالبك بكذا وكذا، فهو مطالب، هذا يسمى مدعيا عليه. قال: والبينة اسم لكل ما يظهر به الحق ويبين، كل ما يظهر الحق ويتبين به الحق فهو بينة، كما سمعنا بعض البينات في الشهود، قد تكون البينة كذلك وثيقة، وثيقة أرض فيها يعني اسم المالك وبقية ما يتعلق بها، تعتبر بينة، لو أتى المدعي بوثيقة الأرض وقال: هذه الأرض لي، وهذه البينة الملكية لهذه الأرض أو لهذا البيت أو لهذه السيارة، هذه بينة تدل على أن هذا الحق له. قد تكون البينة قرائن تحتف بهذه القضية تدل على أنه هو المستحق لهذا الحق، مثلا تنازع اثنان آلة حدادة، وأحدهما حداد والآخر ليس بحداد، فكون هذه الآلة المتنازع فيها آلة حدادة، وأحدهما حداد، هذه قرينة على أنه هو المستحق لها، وهو المالك لها. قال: واليمين هي الحلف والقسم، اليمين هي الحلف والقسم، نعم، ومن ذلك من القرائن والبينات ما ذكر في قصة سليمان من داود عليهما السلام، لما كانت هناك امرأتان، وكل واحدة لها ولد، فجاء الذئب فأكل ولد إحداهما، فاختصمتا في الولد الثاني، الكبرى والصغرى، امرأة كبرى والأخرى صغرى، فلما احتكم إلى داود عليه السلام قضى به للكبرى، فلما نزل ومر بسليمان، سألهما: لماذا قضى؟ قالوا: قضى به للكبرى. فقال سليمان: لا، آتوني بسكين، قال: آتوني بسكين، قالوا: ماذا تفعل؟ قال: أشقه نصفين، كل واحدة تأخذ نصفا، فالكبرى رضيت، قالت الصغرى: لا، هو ابنها. قال: هو لك، هو ابن الصغرى، وكان الأمر كذلك. كيف عرف؟ عرف أن الكبرى لو كان ابنها ما رضيت أن يقتل، لكن لما لم يكن ابنها رضيت أن يقتل وأن يشرق نصفين، والصغرى لما كان ابنها أبت ورفضت أن يقتل، وقالت: هو ابنها، حتى يسلم من القتل، فعلم بهذا أنه ابنها. قال: واليمين هي الحلف والقسم، الحلف بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته جل وعلا. قال: ومقتضى هذا الحديث أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه مطلقا، وليس الأمر كذلك، وإن قال به بعض أهل العلم كالحنفية وطائفة يعني من الفقهاء، ذهبوا إلى ظاهر الحديث أن البينة على المدعي مطلقا، وأنه لا يمكن أن تكون اليمين في جانب المدعي، قالوا: اليمين تكون في جانب المدعى عليه، ولا يمكن أن تكون في جانب المدعي. والصواب أن اليمين قد تكون في جانب المدعي، وإن كان الأصل أن البينة على المدعي، وتكون اليمين في جانب المدعى عليه، وهذا إذا قوي جانب المدعي، ولهذا كانت اليمين في جانبه وفي حقه، لأن جانبه أقوى، واليمين دائما تكون في جانب من هو أقوى، من كان جانبه أقوى، كانت اليمين في جانبه، وكانت اليمين له. فلما كان كما مر المدعي يدعي شيئا ليس في الأصل، كان جانب المدعى عليه أقوى، فكانت اليمين من نصيبه، كانت اليمين من نصيب المدعى عليه، لكن ليس معنى هذا أن اليمين دائما تكون في جانب المدعى عليه، بل قد تكون في جانب المدعي. قال: وليس الأمر كذلك، بل الحديث لو صح فهو من العام المخصوص، من العام المخصوص، وإن كان لفظه عام: أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، فيقال: هذا قد خص ببعض الأحوال التي تكون فيها اليمين في جانب المدعي. قال: فالأصل المذكور ليس كليا، بل ينظر فيه إلى قوة القرائن التي تحيط بالقضية، فتجعل اليمين في أقوى الجانبين، وقد يكون جانب المدعى عليه أقوى، فتجعل عليه اليمين، ومن ذلك مثلا في باب القسامة، إذا قتل إنسان عند قوم، وهناك لوث يعني تهمة، فهنا اليمين تكون في جانب المدعي، يدعي أولياء المقتول ويحلفون خمسين يمينا: أن قاتله فلان، أن قاتله فلان، فإذا حلفوا أخذ هذا المدعى عليه بيمين هؤلاء المدعين، هنا جعلت اليمين في جانب المدعي لأن جانبهم أقوى. كما في حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين، وهكذا أيضا في حديث ابن عباس في مسلم: «قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين»، إنسان مدعي هو يدعي دعوة ما، عنده إلا شاهد واحد، أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلف مع هذا الشاهد، قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين، مع أنه مدعي، ومع ذلك جعلت اليمين كذلك في جانبه، في هذه الصورة. قال: وقد يكون جانب المدعى عليه أقوى، فتجعل عليه اليمين، وقد يكون جانب المدعي أقوى، فتجعل له اليمين، على ما هو مبين في باب الدعاوى والبينات من كتاب القضاء عند الفقهاء. لكن هو الأصل كما سمعتم: أن المدعى عليه البينة واليمين، الذي هو المدعى عليه، المدعى عليه اليمين، هذا الأصل، لكن قد يكون في بعض الأحوال أن تكون اليمين في جانب المدعي إذا كان جانبه أقوى، فتكون اليمين في حقه. مثلا لو قال المدعي: أنا ما عندي بينة، أنا ما عندي بينة، يقال: المدعى عليه يحلف، يقول: أنا ما أحلف، أنا ما أحلف، نقول: إما أن تحلف وإما أن يحلف المدعي، سنرجع اليمين إلى المدعي، لأن كونك تأبى أن تحلف، معنى هذا أن المدعي صادق في دعواه، أن المدعي صادق في هذه الدعوة، فإذا أبيت أن تحلف، فإننا سنرجع اليمين إلى المدعي، ويحلف ويستحق ما حلف عليه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.