عشر ركائز في تربية الأبناء 4

الدرس في عشر ركائز في تربية الأبناء 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

غرس العقيدة والإيمان في نفوس الأبناء

يؤكد الشيخ عبد الرزاق البدر على أهمية غرس العقيدة والإيمان في نفوس الأبناء منذ الصغر، مشددا على أن التوحيد أساس الأعمال. كما يستدل بالآيات والأحاديث لبيان خطورة الشرك وأهمية التوحيد.

تعزيز مرتبة الإحسان ومراقبة الله

يُنصح بغرس عقيدة مراقبة الله في نفوس الأبناء لتعزيز مرتبة الإحسان وتهيئتهم لمراقبة الله في أفعالهم، خاصة في زمن انتشرت فيه وسائل الشر. هذه العقيدة تعين الأبناء على تعظيم الله والخوف منه وتكون مانعًا لهم من الذنوب.

تعليم العقيدة الصحيحة والتوكل على الله

النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ابن عباس أهمية حفظ حدود الله والتوكل عليه، ويجب تعليم الأبناء العقيدة الصحيحة المتعلقة بالله والنبي وأصحابه. هذا يشمل محبة أصحاب النبي والإيمان بأمور المعتقد الأخرى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال شيخ عبد الرزاق البدر، حفظه الله، في رسالته «عشر أكائز في تربية الأبناء»: قال الركيزة الثانية غرس العقيدة والإيمان. قال: فالعقيدة والإيمان هما الأساس الذي تبنى عليه بقية الأعمال، فإذا صلح الأساس صلحت الآثار الناتجة عنه، وأثمرت الثمار الطيبة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾. قال: فالشجرة إذا قطع أصلها ماتت، فكذلك الدين إذا لم يقم على التوحيد لم ينتفع به، فمنزلة التوحيد من الدين منزلة الأصول من الأشجار، والقواعد من البنيان. نعم، إذا قطع أصل الشجرة، إذا قطعت من جذعها، فإنها تموت، وهكذا الدين إذا لم يقم على التوحيد، بل قام على الشرك، وعبادة غير الله، والتعلق بغير الله سبحانه وتعالى، لم ينتفع به، كان وجوده كعدمه، كان وجوده كعدمه. فالثمرة التي ينتفع بها هي التي تثمر على أصل صحيح، والبنيان الذي يستقر، ويثبت، وينتفع به، الذي يبنى على أساس متين، وأساس هذا الدين هو التوحيد. قال: ولهذا تكاثرت النصوص في الوحيين، أي الكتاب والسنة، على أهمية ترسيخ العقيدة السليمة، والإيمان الصحيح، في نفوس الأبناء منذ الصغر، كما جاء في وصايا لقمان الحكيم، رحمه الله، لابنه، وهو يعظه، تأكيده على هذه الركيزة، بل كان من أول ما قال له: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فبدأ هذه الوصية بنهيه عن الشرك، وتحذيره منه، وذلك لأن الشرك أخطر الذنوب، وهو مبطل لجميع الأعمال. فأعظم الذنوب على جهة الإطلاق هو الشرك في عبادة الله جل وعلا، وهو من أعظم أنواع الظلم، من أعظم أنواع الظلم هو اتخاذ الند مع الله عز وجل. سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه. ولأن الشرك أخطر الذنوب، إذ أن الله عز وجل يغفر سائر الذنوب، الخطايا التي يقع فيها الإنسان، إلا الشرك، إذا مات عليه، فلا مغفرة له، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، أي ما دون الشرك، فيغفر الله سبحانه وتعالى لمن يشاء. وهكذا أخبر عز وجل أن المشرك تحرم عليه الجنة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وليس هناك ذنب آخر غير الشرك، ماذا يحرم على صاحبه دخول الجنة؟ إلا هذا الذنب، وهذا يدل على عظم ماذا؟ على عظم الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى. وهو أيضا مبطل لجميع الأعمال، قال الله عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهذا الخطاب للأنبياء والرسل، الذين أمّ شرفوا الخلق، وأتقى الخلق لله جل وعلا، أخبر الله أنهم لو أشركوا، ووقعوا في هذا الذنب العظيم، لحبطت عنهم سائر أعمالهم، فكيف بمن هو دونهم في المنزلة؟ قال: والشرك هو تسوية غير الله بالله في شيء من حقوق الله عز وجل، تسوية غير الله بالله في شيء من حقوق الله التي لا ينبغي أن تصرف إلا لله، كأن يحب المرء الأنداد والمخلوقين كحب الله، أو أشد، أو كذلك أن يتخذ ندا مع الله، يدعوه، ويرجوه، ويذبح له، وينذر له، ويستغيث به، ويطلب منه دفع الضر، وتحصيل النفع، أو يعتقد فيه الألوهية، أو الربوبية، أو غير ذلك من خصائص الله سبحانه وتعالى. قال: كما أخبر تعالى عن المشركين أنهم إذا دخلوا النار يوم القيامة، يقولون على سبيل الحسرة والندامة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي سووا هذه الآلهة بالله جل وعلا في المحبة والتعظيم، وصرف العبادات لها، والتقرب إليها، كما قال عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. قال: وكان مما وصى به لقمان ابنه تذكيره بمراقبة الله عز وجل، وإحاطته بكل شيء، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. وفي هذا تنبيه للأبوين أن يعنوا بتربية أبنائهم على مراقبة الله تعالى، وأنه مطالع عليهم عز وجل. نعم، كما أنك تربيه على العقيدة الصحيحة، والتعلق بالله جل وعلا، وأنه لا نافع ولا ضار إلا الله، ولا يملك من الأمور شيء إلا الله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي أن يلتفت إلى أحد من المخلوقين، وإنما يلتفت إلى الله، وتصرف له العبادات والطاعات والقربات، وهو سبحانه الذي يستغاث به، ويدعى به عند الشدائد، إلى آخر ذلك من أمور التوحيد والعقيدة. كذلك أيضا يرسخ في قلوب الأبناء أن الله عز وجل مطلع علينا، وعالم بأحوالنا، وأنه لا يخفى عليه سبحانه وتعالى شيء من أمورنا، وأنك إن غبت عن أعين الناس، فلن تغيب عن عين الله جل وعلا، فالله مطلع عليك، ويراك: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. تغرس هذه العقيدة في قلوب الأبناء حتى يعظموا الله جل وعلا، ويعلموا أن الله سبحانه وتعالى محيط بهم، وعالم بأحوالهم، ولا يخفى عليه شيء من شؤونهم. قال: فغرس هذه العقيدة في نفوس الأبناء هو تعزيز لمرتبة الإحسان عندهم، وتهيئتهم لمراقبة الله عز وجل في جميع أفعالهم، لا سيما في هذا الوقت الذي انتشرت فيه الأجهزة، وما قد يحصل فيها من السموم والبلايا الجسيمة. نعم، غرس هذه العقيدة يعزز مرتبة الإحسان، وهي أعلى مراتب الدين: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». إذا تربى الولد على هذه العقيدة منذ الصغر، أن الله يراه، والله مطلع عليه، ينشأ وعنده الخوف من الله عز وجل، وعنده التعظيم لله سبحانه، أن الله عز وجل يراه، ويطلع عليه، فيكون ذلك مانعا له في الوقوع في الذنوب والمعاصي، إذا استتر عن أعين الناس، وخلا عن مراقبة الناس له. وخاصة كما ذكر حفظه الله في هذه الأزمنة التي انتشرت فيها وسائل الشر، ووسائل السوء، الذي قد يسهل على الأبناء الوصول إلى ما يضرهم، وما يسوءهم، وما يغضب الله عز وجل، كاستعمال الأجهزة، الأجهزة الجوال الذكية، وما يبث فيها عبر وسائل الشبكات، النت، ونحوها، كم يعني وقع في حبالها من أبناء المسلمين، وقعوا في حياض الذنوب والخطايا والسيئات، والنظر في الأفلام والمسلسلات، بل ربما في المقاطع الإباحية، وغير ذلك من البلايا العظيمة، بسبب تساهل الآباء، وربما الثقة الزائدة في غير محلها. وهكذا أيضا إعطاؤهم هذه الجوالات التي يسيئون استخدامها، فيقع من الشر ما لا يحمد عقباه. قال: وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحرص على بيان هذه العقائد، وغرسها في نفوس ناشئة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». والحديث أخرجه الإمام الترمذي، رحمه الله، في سننه، وصححه علامة الألباني، رحمه الله. فهذا النبي عليه الصلاة والسلام يعلم عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، وهو غلام، يعني لم يبلغ الحلم بعد، وقد مات النبي عليه الصلاة والسلام وقد ناهز عبد الله بن عباس سنة الاحتلام، يقول له: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك»، يأمره، ويحثه، ويرغبه أن يحفظ حدود الله عز وجل، بحفظ الأوامر، والواجبات، والفرائض، واجتناب المعاصي، والمحرمات، وأنه إن فعل ذلك حفظه الله: «احفظ الله يحفظك»، يحفظك في الدنيا، تسير أمورك، وكذلك دفع المصائب عنك، وكذلك يحفظك في الآخرة من شدائدها، وأهوالها، وعظيم أمورها. «احفظ الله تجده تجاهك»، أي إذا حفظت الله عز وجل، فالله عز وجل قريب منك، إذا سألته أجابك، وإذا دعوته أعطاك، إذا سألته أعطاك، وإذا دعوته أجابك، وإذا استغثت به أغاثك، لأنك عرفت حق الله عز وجل في حال الرخاء، وفي حال الأمن، فإذا دعوته، واستغثت به في حال الشدة، فإن الله عز وجل يزيل عنك شدتك، وما أصابك من مصيبة، وضر. وهكذا «إذا سألت فاسأل الله»، إذا سألت فعليك أن تسأل الله عز وجل، الذي بيده خزائن السماوات والأرض سبحانه وتعالى، والمراد بذلك السؤال الذي لا ينبغي أن يسأل، أو لا يجوز أن يسأل به غير الله سبحانه وتعالى، من الأمور التي لا يملك على تحصيلها، أو رفعها، إلا الله سبحانه وتعالى. وأما سؤال الإنسان لأخيه في شيء يستطيع له في قدرته، واستطاعته، وهو حاضر عنده، يسمعه، هذا جائز، لكن المقصود الشيء الذي لا يقدر عليه إلا الله، فلا يسأل به أحد إلا الله سبحانه وتعالى وحده. «وإذا استعنت فاستعن بالله»، إذا أردت الإعانة في قضاء حوائجك، وفي تحصيل أمورك، فعليك أن تستعين بالله جل وعلا، ولذلك نحن ندعو الله عز وجل في كل صلاة بقولنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، أي لا نستعين بأحد غيرك، لأن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى. قال: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك»، يعني أنه ينبغي أن تعلق قلبك بالله سبحانه وتعالى، وأنه لن يستطيع أحد من الناس، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عز وجل لك، فلن يستطيعوا تحصيله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، فلن يستطيعوا أن يضروك بشيء، لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى. فإذا كان الأمر كذلك، فإنك ينبغي أن تعلق قلبك بالله، وأن تكون ملتجئا إلى الله سبحانه وتعالى في سائر أمورك، وفي سائر أحوالك. أشاهد من هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام علم عبد الله بن عباس هذه الكلمات العظيمة، وهذه الجمل المفيدة، التي فيها تربية على التوحيد، وتعليق القلب بالله سبحانه وتعالى، واللجوء إلى الله عز وجل في سائر الأحوال، وفي سائر الأفعال والأعمال، وأنه ينبغي للعبد أن يكون التفاته وتعلقه بربه سبحانه وتعالى. وهكذا ينبغي أن نعتني بأبنائنا بتعليمهم العقيدة الصحيحة فيما يتعلق بالله جل وعلا، وهكذا أيضا ما يتعلق بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو ما يتعلق بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، بمحبتهم، وترضي عنهم، إلى آخر ذلك، وهكذا غير ذلك من أمور المعتقد التي يجب اعتقادها، وكذلك أيضا الإيمان بها. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.