الدرس في عشر ركائز في تربية الأبناء 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد الشيخ عبد الرزاق البدر على أهمية تحصين الأبناء بالأذكار الشرعية والأوراد النبوية، ويشرح معنى الحديث النبوي حول نفي الضرر عن المولود عند ذكر الله عند الجماع.
يُفسر المقطع معنى نفي الضرر عن المولود عند ذكر الله عند الجماع، ويبين أهمية ذكر الله عند الجماع والتعويذ لتحصين الأبناء من الشيطان.
يؤكد المقطع على أهمية تعليم الأبناء الأذكار النبوية منذ نعومة أظفارهم لتحصينهم من الشرور والآفات، ويشير إلى عواقب إهمال الوالدين في تعويذ أبنائهم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته «عشر ركائز في تربية الأبناء»: قال ركيزة الرابعة التحصين بالأذكار. فمن الركائز العظيمة حرص الوالدين على تحصين أبنائهما بالأذكار الشرعية والأوراد النبوية، فإن لذلك عظيم الأثر على الأولاد حفظًا وصلاحًا وسلامة من الفتن والشرور. وقد شرع للأبوين العمل على تحصين ذريتهما قبل أن يخلقوا، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًا». والحديث أخرجه البخاري ومسلم. فقوله «وجنب الشيطان ما رزقتنا» هذا تحصين عظيم للأولاد، يسلمون به من شر الشيطان وشركه. فهذا الأدب العظيم الذي علمنا النبي صلى الله عليه وسلم عند إتيان الرجل أهله في معاشرته لهم وقضائه وطره منهم أن يحرص على هذا الدعاء وهذا الذكر: «لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله -يعني قبل الجمع- يقول: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا». تستعين بالله جل وعلا وتتبرك بإسم الله عز وجل «بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان». اللهم أصلها «يا الله»، فحذفت «يا النداء» وعوض عنها بميم الجمع فصارت «اللهم جنبنا الشيطان»، أي أبعد عنا الشيطان لا يصيبنا بشيء من الشر والسوء والضرر. «وجنب الشيطان ما رزقتنا»، وجنب الشيطان أي أبعده، أبعد الشيطان ما رزقتنا، وما اسم موصول بمعنى الذي، أي الذي رزقتنا، فيشمل ذلك كل ما كان من رزق الله جل وعلا، والمراد به في هذا الموضع الذرية والأولاد. وهكذا أيضًا الجماع فالجماع من رزق الله؛ لأن الرزق كل ما ينتفع به البدن، كل ما ينتفع به البدن والإنسان ينتفع بالجماع مع ما فيه من لذة وقضاء وطر، ففيه كذلك أيضًا نفع في إخراج ما قد يضر الإنسان بقاءه في بدنه. ولذلك كما قال ابن القيم رحمه الله: «فإن جميع الشهوات تضر بصاحبها وتهلكه إلا شهوة الجماع -أي المباح- فإنها لا تضر صاحبها». ولهذا أباح الشرع للرجل أن يتزوج أربع نساء، ولو كان في ذلك ضرر عليه لم أباح الشرع ذلك، إلا إذا كان في ذلك -يعني إصرافًا في الجماع- فهذا قد يضره، لكن إذا كان بعدل فإنه لا ضرر عليه في ذلك. فالمقصود أن من الرزق كما ذكرنا الذرية وما قد يرزق به العبد من أولاد، وهكذا أيضًا الجماع، فإنك تدعو الله عز وجل أن يجنبك الشيطان أن يشاركك في هذه الأرزاق. قال: «فإنه إن يقدر بينهما ولد -ولد سواء كان ذكرًا أو أنثى؛ لأن لفظ الولد إذا أطلق شمل الذكر والأنثى- قال الله عز وجل: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثين﴾». إن يقدر بينهما ولد -يعني في هذا الجماع- قال: «في ذلك لم يضره شيطان أبدًا»، يعني إذا أتى بهذا الذكر وهذا الدعاء فقدر الله أن حملت المرأة، فإنه لا يضره الشيطان أبدًا. ما المراد بنفي الضرر؟ هل هو على عمومه؟ قال أهل العلم: ليس هذا النفي على عمومه، يعني ليس معناه أنه لا يضره الشيطان أبدًا بإطلاقه وعمومه، لا، ويدل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن ما من مولود يولد إلا فيستهل صارخًا من نزغ الشيطان له إلا مريم وابنها، كما في الصحيحين؛ لأن أم مريم قالت: «وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم». وهذا شيء من الضرر، هذا شيء من الضرر. فلهذا قال أهل العلم: المراد بنفي الضرر في هذا الحديث «لا يضره أو لم يضره شيطان أبدًا» قيل: إنه لا يشارك الشيطان أباه في جماع أمه، لا يشارك هذا المولود الشيطان أباه في جماع أمه. قال مجاهد رحمه الله: «إن الرجل إذا أتى أهله فلم يذكر اسم الله التف الشيطان على إحليله -أي ذكره- قال: فيجامع معه». فيجامع معه في هذا يقول الله عز وجل: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا﴾، يعني ذكر في معنى المشاركة: مشاركة الشيطان للإنسان في ماله وولده. في هذا الموضع إذا نسي اسم الله جل وعلا شاركه في جماع أهله، ويكون هذا من الضرر الذي يحصل للإنسان بسبب ترك هذا الدعاء والذكر. وقيل: المراد بلم يضره الشيطان أي لم يتسلط عليه الشيطان في بدنه أو في عقله، فيسلم من إصابته بالمس وتلبس الشيطان به، أو كذلك أيضًا أن يكون فيه الشيطانية في أخلاقه وفي تصرفاته، تجد بعض الأبناء عنده كما يقال شيطانية في تصرفاته، ليس كغيره من الأولاد، وتجد عنده ميل إلى الشهوات وإلى المحرمات وإلى فعل المنكرات وبعد عن فعل الطاعات والعبادات، ولعل هذا من تسلط الشيطان عليه، فربما نسي أبواه أن يذكر الله عز وجل عند الجماع فضره الشيطان. وقيل: لم يضره الشيطان أبدًا أي لم يفتنه الشيطان عن دينه، فيكون سببًا في كفره وخروج عن دين الإسلام، هذا أيضًا مما ينتفي عن هذا المولود إذا أتى أبواه بهذا الدعاء. فالمقصود أنه ينبغي للوالدين أن يحرصا على مثل هذا الذكر، هذا تحصين، هذا اعتبر تحصين من الأبوي لولدهما قبل أن يرزق، قبل أن يرزق وأن يوجد، أن يتقرب إلى الله عز وجل وتستعيذ بالله جل وعلا من شر الشيطان، وأن يجنبك الشيطان الشيطان ويجنب كذلك ذريتك أن يتسلط عليها الشيطان. قال: ثم بعد أن يرزق الله عز وجل الوالدين بالأبناء ينبغي عليهما أن يتعاهد أبناءهما بالتعويذ والتحصين، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، ثم يقول: كان أبوكم يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق». والحديث أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، وأبو داود في سننه، واللفظ له -أي لأبي داود-. قال ابن عباس: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يعوذ الحسن والحسين» -حيث ابن عباس الأول- هذا تحصين قبل الخلق قبل أن يخلق ويوجد، وهذا تعويذ النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين بعد وجودهما، بعد وجودهما. تقول: «أعيذكم بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة». قال: «أعيذكما بكلمات الله التامة»، بكلمات الله أي جميع كلمات الله، فجميع ما تكلم الله عز وجل به، ومن ذلك القرآن فهو كلام الله، وغير القرآن من كلام الله عز وجل، فأنت تستعيذ بالله جل وعلا بجميع كلمات الله، فكلمات جمع وهو مضاف، والجمع إذا أضيف دل على العموم. «أعيذكما بكلمات الله» أي اعتصموا بالله جل وعلا وبكلماته وبجميع كلماته التامة التي ليس فيها شيء من النقص، بل هي في غاية من الكمال والحسن. من كل شيطان وهامة، من كل شيطان تعيذ ولدك من كل شيطان أن يصيبه بشيء من الشر والسوء، سواء كان من التلبس به أو تخبطه أو من إغوائه وإبعاده عن الخير وتزين الذنوب والمعاصي والمحرمات والشهوات الآخر، ذلك من كل شيطان. وهامة أيضًا تعيذهم من شر الهوام كالحيات والعقارب ونحوها مما يؤذي الإنسان ويضره. ومن كل عين لامة، ومن كل عين لامة أي تلم بالإنسان فتصيبه بالضرر والسوء، فأنت تعيذه من شر الشيطان أن يصيبه بشيء من الشر، وهكذا من شر الهوام كالسباع والحيات والعقارب ونحوها، وهكذا أيضًا من شر العين والحسد أن يصاب بشيء من الحسد والعين، فتعيذه من ذلك «من كل عين لامة» تلم بالإنسان وتصيبه وتضره، فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من ذلك. وانظر إلى كثير من الأبناء الذين ربما أصيبوا بشيء من تسلط الشيطان أو كذلك من إصابتهم بالعين أو الحسد، كم من الأبناء من يصابون بذلك؟ وكم هي الحالات التي -يعني- اطلعنا عليها وغيرنا ربما اطلع على شيء من ذلك؟ تجد السبب هو إهمال، إهمال الوالدين لا يعوذ أبناء ولا يحصنهم، فيكون عرضة، عرضة لأن يصاب بالسوء والشر من جهة الشيطان أو من جهة الهوام أو من جهة عين الإنس أو عين الجن، من جهة عين الإنس أو عين الجن، فيصاب بالعين فيمرض ويسقم بسبب ذلك، ولو أنه عوذه وحصنه لما ضره شيء، لما ضره شيء بإذن الله جل وعلا. قال: ثم يقول «كان أبوكم يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق»، كان أبوكم -يعني إبراهيم عليه السلام- كان يعوذ إسماعيل وإسحاق بهذه التعويذة. قال: ثم عند بلوغ سن التلقين يحرص الوالدان على تلقين أبنائهما الأذكار النبوية المباركة منذ نعومة أظفارهم، لا سيما الأذكار اليومية كأذكار الصباح والمساء ودخول المنزل والخروج منه وأذكار الطعام واللباس ونحو ذلك. هكذا تعوذه على ذكر الله جل وعلا منذ نعومة أظفاره، وعند أن يحسن النطق والكلام تعوذ على أن يحفظ شيئًا من أذكار الصباح والمساء، إذا أصبح تقول له: «أصبحنا وأصبح الملك لله»، وإذا أمسينا «وأمسى الملك لله»، هذا أقل شيء ابتداء تحفظه إياه. وهكذا إذا -يعني- دخل المنزل أن يقول: «باسم الله»، وإذا خرج يقول: «باسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله». وهكذا عند الطعام إذا أراد أن يأكل قلت له: قل «بسم الله»، وإذا فرغ تقول له: قل «الحمد لله». وهكذا عند اللبس يذكر اسم الله، وهكذا عند النوم وعند الاستيقاظ ونحو ذلك من الأذكار التي علمنا النبي صلى الله عليه وسلم. فإن وإذا تربى على ذكر الله جل وعلا كان هذا معينًا له على الصلاح والاستقامة، هو ينشأ على محبة ذكر الله؛ لأنه تعوذ على ذلك، تعوذ على ذلك أن يسمع ذكر الله وأن يقول ويذكر الله عز وجل عند سائر أعماله، فينشأ على محبة ذكر الله جل وعلا، ويلا أن هذا شيئًا أساسيًا في حياته وشيئًا ضروريًا لا يستغني عنه في حياته. قال: فينشأ الطفل معتادًا على ذكر الله سبحانه ملازمًا له في جميع أحواله. وينشأ ناشئ الفتيان منه على ما كان عوده أبوه، إذا تعود على ذكر الله فسينشأ على ذكر الله، وإذا تعود على الغناء والمزامير يصبح هو يسمع الغناء في البيت ويمسي وهو يسمع الغناء، سينشأ على هذا على حب الغناء وصوت الشيطان والبعد عن ذكر الله. ثم إذا تلبس عليه الشيطان وتخبط به أو يصاب بشيء من الضار والسوء، يذهب الآباء يبحثون له عن علاج، أنتم السبب ابتداء، أنتم السبب ابتداء في وقوعي في هذا المرض، لو أنكم -يعني- عالجتموه أو قبل أن يصاب بهذا المرض اتخذتم له أسباب الوقاية الشرعية بتعليم الأذكار، أذكار الصباح والمساء وغيرها من الأذكار التي علم النبي عليه الصلاة والسلام، لا كان في حفظ الله جل وعلا أن يصاب بمثل هذه الشرور. قال: فتحصل له بذلك العافية والسلام من الآفات والشرور، وتحصل له البركة في أموره كلها. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.