عشر ركائز في تربية الأبناء 5

الدرس في عشر ركائز في تربية الأبناء 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية الدعاء للأبناء وفضله

الدعاء للأبناء يعتبر من أهم الركائز في صلاحهم واستقامتهم، ويكون قبل مجيئهم وبعده. وقد وردت أدعية الأنبياء عليهم السلام في القرآن الكريم لدعاء الوالدين للأبناء.

تحذير الوالدين من الدعاء على أولادهم وتوجيههم للدعاء لهم بالخير

نهى النبي صلى الله عليه وسلم الوالدين من الدعاء على أولادهم، خاصة في أوقات الغضب، وبدلاً من ذلك يجب الدعاء لهم بالهداية والصلاح. كما حذر من الدعاء على النفس أو المال لما قد يترتب عليه من عواقب وخيمة.

الدعاء للذرية الصالحة وتحصيلها

المقطع يتضمن دعاءً إلى الله لصلاح الذرية وتحصيل الذرية الصالحة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. ينبه إلى أهمية الدعاء بالخير للولد والحرص على ذلك حتى في أوقات الغضب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال شيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته «عشر ركائز في تربية الأبناء»: قال: الركيزة الثالثة كثرة الدعاء، بعد أن ذكر الركيزة الأولى وهي اختيار الزوجة الصالحة، ثم الركيزة الثانية وهي غرز العقيدة الصحيحة في قلبي الأبناء، ذكر في هذه الركيزة الثالثة كثرة الدعاء. قال: فالدعاء للأبناء يعتبر من أهم الركائز في صلاحهم واستقامتهم، وهذا الدعاء يكون قبل مجيئهم وبعده، فيدعو الوالدان أن يرزقهم الله عز وجل الذرية الصالحة، ويدعوان أيضا للأولاد بعد أن يرزقهم الله عز وجل بهم بالهداية والصلاح والاستقامة والثبات على الديانة، أسوة بالأنبياء عليهم السلام. فإن الله عز وجل أخبرنا عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني من الذرية، من الأولاد، من يكون من أهل الصلاح والاستقامة والطاعات والعبادة. ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقال إبراهيم عليه السلام أيضا: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ يعني كذلك من يقيم الصلاة، وهذا متضمن للدعاء لهم بالصلاح والهداية والاستقامة؛ لأن من ذلك إقامة الصلاة، وكذلك التعبد لله جل وعلا بما فرض عز وجل من الفرائض الواجبات. وقال زكريا عليه السلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، رب هب لي من لدنك ذرية طيبة، يعني ذرية صالحة طيبة في عقائدها، طيبة في أقوالها، طيبة في أفعالها، طيبة في ظواهرها، طيبة في بواطنها، ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي تسمع دعاء من يدعوك، ومن يلتجئ إليك ويتضرع بين يديك. نعم، وهذا دعاء قبل مجيء الذرية، الدعاء بالصلاح أن تكون ذرية صالحة وذرية طيبة. قالوا: من دعاء عباد الرحمن الذين امتدحهم رب العالمين قولهم: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، لما مدح الله عز وجل عباده الذين وصفهم بعباد الرحمن في أواخر سورة الفرقان، ذكر الله عز وجل من صفاتهم أنهم يدعون الله عز وجل أن يهب لهم الذرية التي تقر بها الأعين. ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يعني من تقر به العين، وتقروا أعين الآباء لما يروا الأبناء من أهل الخير، ومن أهل الصلاح، ومن أهل الاستقامة، ومن أهل المساجد المحافظين على الفرائض والواجبات، المجتنبين للمعاصي والمحرمات. فهكذا هم يدعون الله عز وجل أن يهب لهم ليس فقط من ذرياتهم، حتى من أزواجهم. ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ هذا الدعاء اجتمع الدعاء للزوجات بالصلاح، أن ترى زوجتك فتقر بها عينك، لما تراها يعني من أهل الخير، ومن أهل الصلاح، ومن أهل المساجد، ومن أهل حلقات العلم والقرآن، فتقر عينك بذلك وتفرح بذلك. وهكذا أيضا الأبناء «وذرياتنا قرة أعين» يكون حافظا للقرآن، إماما للمسلمين، خطيبا، داعيا إلى الله، مدرسا، طالب علم، أو عالما، هذا شيء تقر به العين، تقر به العين. فالمقصود أن الدعاء مطلوب، أن الدعاء للأولاد وذرية مطلوب قبل مجيئهم أن تدعو الله عز وجل أن يرزقك الذرية الصالحة، وهكذا بعد مجيئهم تدعو الله عز وجل أن يصلحهم، وأن ينبتهم النبات الحسن، النبات النافع الذي تقر به العين. وكذلك أيضا تحب أن تراهم على مثل هذا الحال الطيب. قالوا: من نعمة الله وكرمه أن جعل دعوة الوالد لأولاده مستجابة لا ترد، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم». والحديث خرجه أبو داود والترمذي وصححه علامة الألباني رحمه الله. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ثلاث دعوات مستجابة لا شك فيهن، يعني في استجابة الله عز وجل لهذا الداعي، طبعا هذا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. قال: «دعوة الوالد»، دعوة الوالد إذا دعا لولده فإن الله عز وجل يستجيب له، بل إذا دعا على ولده كذلك قد يستجيب الله عز وجل له، فدعوة الوالد مستجابة، سواء دعا لولده بالخير أو دعا له بالشر. لأجل التنبيه أنه ينبغي للوالد أن يحذر من أن يتعجل فيدعو على ولده بالشر. لكن المقصود أن دعوة الوالد لولده مستجابة، فيحرص أن يدعو له بالخير، بالهداية، بالصلاح، بالاستقامة، بالتوفيق، وهكذا. دعوة المسافر حال سفره أيضا كذلك من مواطن إجابة الدعاء، وهكذا دعوة المظلوم على من ظلمه فهي أيضا من الدعوات المستجابة. قال: ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أيضا أنه على الوالدين أن يحذر من الدعاء على أولادهما بالشر، لا سيما في حال الغضب، فلا يتعجل بالدعاء على أولادهما، فتستجاب دعوتهما ثم يندمان بعد ذلك الندامة الشديدة. فقد حذرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من ذلك، فقال: «لا تدعو على أنفسكم، ولا تدعو على أولادكم، ولا تدعو على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم». رواه الإمام مسلم في صحيحه. فالنبي عليه الصلاة والسلام نهانا أن ندعو على أنفسنا، يغضب الإنسان فيدعو على نفسه، يدعو على نفسه بالموت والهلاك، أو بالمرض والسقم، أو بأي شيء من الشر والسوء، ما يدري إلا وقد استجاب الله له، فانكسرت قدمه، أو انكسرت يده، أو انكسرت ظهره، أو ربما حصل له حادث، أو ربما مات بسبب دعاء على نفسه. «لا تدعو على أنفسكم، ولا تدعو على أولادكم» أيضا لا تدعو على ولدك، حتى لو غضبت، حتى لو كان مخطئا، احرص أنك لا تدعو عليه؛ لأنك قد تدعو عليه فيستجيب الله لك، ثم بعد ذلك تندم، إذا أغضبك قلت: الله يهلكك، الله يقلعك من عندي، أو الله لا يريني وجهك، أو نحو ذلك من الدعوات التي قد تحصل من الوالدين بسبب الغضب، ما تدري إلا وقد حصل. قالوا: فلان الولد حصل له حادث ومات، بعد ذلك ينسب ويندم، ما ينفع الندم، أنت الذي دعوت عليه، أنت السبب في هلاكه؛ لأنك دعوت عليه، ودعوة الوالد مستجابة. لا، النبي صلى الله عليه وسلم يحذر وينهى أن يدعو الوالدان على أولادهما. «ولا تدعو على أولادكم» سواء كانوا ذكورا أو إناثا، كبارا أو صغارا؛ لأن أولادكم جمع مضاف، والجمع إذا أضيف دل على العموم. فلا تدعو على أحد من أولادك، لا الكبار ولا الصغار، ولا الذكور ولا الإناث، إن غضبت فاحرص وربي نفسك على أن يكون الدعاء لهم على لسانك، حتى حال غضب، إذا غضبت قلت: الله يهديكم، الله يصلحكم، هكذا تدعو لهم بالهداية عند الغضب، حتى إذا وافقت وقت إجابة استجاب الله عز وجل لدعائك لهم بالهداية، فيهديهم ويصلحهم. قال: «ولا تدعو على أموالكم» كذلك لا تدعو على أموالك، على سيارتك، أو على دراجتك، أو على قاربك، ربما إذا عكسك قلت: دعوت على السيارة، أو على الدراجة، ما تدري إلا واستجابت الدعوة وهلكت، هلك هذا المال، احترق، أو غرق، أو انصدم، أو سرق، أو غير ذلك من أنواع التلف بسبب دعائك، بسبب دعائك. «ولا تدعو على أموالكم» لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم، يعني قد تدعو على نفسك، أو ولدك، أو مالك، فتوافق ساعة إجابة، توافق ساعة إجابة، يستجيب الله عز وجل، فتندم بعد ذلك، ولا ينفع الندم. قال: وقال الله عز وجل: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾، قال قتادة رحمه الله: «يدعو على ماله فيلعن ماله وولده، ولو استجاب الله له لأهلكه». هذا الأثر ذكره الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره. قال: «يدعو» يقول القتادة ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي رحمه الله: «يدعو على ماله» يعني في تفسير هذه الآية: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ يدعو بالشر، دعاءه بالخير، كما يدعو لصلاح يعني نفسه وأهله وماله، قد يدعو كذلك بالشر على نفسه، أو أهله، أو ماله، أو ولده. قال: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ يعني بسبب العجلة وعدم التأني يدعو على نفسه بالشر، فيندم بعد ذلك. قال: «يدعو على ماله فيلعن ماله وولده»، واللعن لو قال الله يعني يلعن كذا، ربما يلعن ولده بلعنة الله عليه، أو على ماله. طيب اللعن من الله هو الطرد والإبعاد، أنت الآن تدعو عليه بالهلاك، هذه دعوة بالهلاك، سواء كان على الولد أو على المال، فإذا وافقت ساعة إجابة كنت سببا لهلاكه. قال: «ولو استجاب الله له لأهلكه» يعني لو وافق ساعة إجابة كان هذا سببا لهلاك المدعو عليه، لا أهلكه، أي أهلك الله هذا المال، أو هذا الولد، بدعاء هذا الوالد هداه الله. وقال علامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله، أي في تفسيره، قال: «وهذا من جهل الإنسان وعجلته، حيث يدعو على نفسه وأولاده وماله بالشر عند الغضب، ويبادر بذلك الدعاء كما يبادر بالدعاء في الخير» يعني كما أنه يدعو على نفسه، أو ماله، أو ولده بالخير، وربما يسارع في ذلك، كذلك قد يحصل منه مثل ذلك في الشر، يتعجل ويسارع بسبب الغضب، فيدعو على ماله، أو ولده، أو نفسه بالشر، فيصيبه شيء من ذلك بسبب دعائه. فيحذر الوالدان أن يدعوا على أولادهما، الذي ينبغي أن يدعوا لهما، أن يدعوا لهما بالهداية والصلاح والاستقامة، سواء كان في حال الفرح والسعة، أو كان في حال الغضب، أن يحرص الوالدان أن يجعل على لسانهما الدعاء لولدهما بالخير: الله يهديك، الله يصلحك، الله يوفقك، الله يعني يفتح عليك أبواب الخير، الله يحببك للصلاة، للعبادة، للطاعة، هكذا دائما، حتى عند الغضب، لا يجعل في لسانه الدعاء عليه، أو يلعنه، أو نحو ذلك، يعني من دعاء الوالدين على ولدهما بالسوء والشر. لعل الله عز وجل يعني أن يصلح الأولاد. وكم من أولاد، كم من أولاد ربما تعب الوالدان يعني في تربيتهما، في هدايتهما، ربما يعني بذل كل ما يستطيعان، لكن لم يرد الله عز وجل هدايتهما، إلا في ساعة من الساعات، ربما في ساعة من الساعات، أو وقت من الأوقات، يدعو الوالد لولده بالهداية، وما تدري إلا واستجاب الله له، وانقلب حال الولد، انقلب بعد أن كان يعني شريرا سيئا، مضيعا للفرائض والواجبات، منهمكا في المحرمات، إذ به يقبل على الخير، يقبل على الطاعة، يقبل على الصلاة، يقبل على مجالس العلم وحلقات القرآن، بسبب دعوة، بسبب دعوة يعني خرجت من قلب الأم الرحيمة الشفيقة على ولدها، حالا ربما غضبت عليه، فاستجاب الله لها، أو هكذا دعوة الوالد كذلك المشفق على ولده يدعو له بالهداية والصلاح، فيستجيب الله عز وجل له، فيحسن حاله، وكذلك يستقيم أمره. نسأل الله عز وجل أن يصلح أولادنا وذرياتنا، وأن يرزقنا جل وعلا الذرية الصالحة التي تقر بها العين، هو ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.