الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 125، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المحور أحداث ردة أهل البحرين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن أصل القصة ثابت لكن تفاصيلها أكثرها مرسلة، مع الاستدلال بقول كسرى وآية التنازع على سبب ضعف العرب. ويسلط الضوء على ثبات الجارود بن المعل في قومه بهجر وحجته المنطقية بوفاة الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم لتثبيت الناس على الإسلام.
يروي المحور بعث أبي بكر الصديق للعلاء بن الحضرمي على رأس ستة عشر راكباً إلى البحرين، وانضمام الثابتين مثل ثمامة بن أثال والجارود بن المعلى إليه. ويصف التقاءهم بقوات المرتدين بقيادة المخارق بن النعمان في حصن جواثا ودوران معركة شديدة تكاثرت فيها القتلى.
يسرد المحور حصار الحطم بن شرحبيل ومن معه من المرتدين والفرس للمسلمين في جواثا، وتسلل عبد الله بن حذف لمعسكرهم واكتشافه أنهم سكارى. ويذكر شن المسلمين هجوماً ليلياً أبادوا فيه العدو وقتل عبد الله بن حذف الحطم بن شرحبيل.
يختم المحور بذكر قطع رجل أبجر العجل مما أدى إلى موته، وانهزام جماعته ولجوئهم إلى مفروق الشيباني. ويشير إلى استمرار القصة في الدرس القادم لاستكمال أحداث حروب الردة في البحرين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فلا يزال المؤلف رحمه الله تعالى في سياق ذكر أحداث وأخبار الردة التي وقعت في زمن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم. قال: «ذكر ردة أهل البحرين». وأصل قتال الصحابة لأهل البحرين هذا ثابت، هذا ثابت كما جاء في الصحيحين وفي غيرهما، لكن التفاصيل التي سيذكرها المؤلف فهذه أكثرها من الأخبار التي لم ترد بأسانيد، وبعضها لها شواهد. فالمهم: أصل القصة ثابت، وهذه التفاصيل ما وجد له شاهد وهو من قبيلي الحسن والصحيح، وما لم يوجد لها شاهد فتبقى ولا يؤخذ بها. قال عيسى بن طلحة: لما ارتد العرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال كسرى: «من يكفيني أمر العرب؟ فقد مات صاحبهم، وهم الآن يختلفون بينهم، إلا أن يريد الله بقاء ملكهم فيجتمعون على أفضلهم». وفي قول كسرى: «وهم الآن يختلفون بينهم» فيه أن الاختلاف سبب للضعف، الاختلاف سبب للضعف، وهذا ما أخبر الله عز وجل به في القرآن: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، أي تذهب قوتكم، تذهب قوتكم. فالخلاف شر، والخلاف سبب للضعف، والخلاف سبب لتسلط الأعداء، وكذلك سبب لتخلل العدو لبلاد المسلمين. فهذا يدعو إلى ترك الفرقة والاختلاف والتنازع والتخاصم بين المسلمين. فانظر ماذا قال كسرى: «وهم الآن يختلفون بينهم». لما كانوا مجتمعين ما استطاع كسرى بقوته وكثرة جنده أن يغزو المسلمين، فلما مات رسول الله قال: «وهم الآن يختلفون بينهم»، وكأنه سمع ما وقع بين الصحابة في أول الأمر من انحياز الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة كما مر معنا، ومن كذلك انحياز المهاجرين وبعض الصحابة ونحو ذلك، فطمع، طمع أو طمع في المسلمين، لكن الله عز وجل خيب أمله. وذكر هو نفسه أنهم يعني لا يكون لهم البقاء إلا إذا اجتمعوا على أفضلهم، والأمر كما ذكر، فقد اجتمعوا على أفضلهم، وهو من؟ أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. قالوا: «ندلك على أكمل الرجال: مخارق ابن النعمان». يعني هو من أشراف القوم، ليس في الناس، ليس في الناس مثله، وهو من أهل بيت دانت لهم العرب، يعني ذات شرف، وكذلك ذات مكانة. وهؤلاء جيرانك بكر بن وائل، فأرسل إليهم، أو هؤلاء جيرانك بكر بن وائل. قال: فأرسل إليهم وأخذ منهم ستمائة، ستمائة الأشرف فالأشرف، يعني أخذ من علية القوم، أخذ من علية القوم. قال: وارتد أهل هجر عن الإسلام، وهجر بلد معروفة يضرب بها المثل في القلال، فيقال: «مثل قلال هجر»، أي في السعة والكبر، أو والكبر. قال: وارتد أهل هجر عن الإسلام، فقام الجارود بن المعل في قومه وهو من الثابتين، فقال: «ألستم تعلمون ما كنت عليه من النصرانية، وإني لم آتكم قط إلا بخير، وإن الله تعالى بعث نبيه ونعى له نفسه، فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]». وفي لفظ أنه قال: «ما شهادتكم على موسى؟» قالوا: نشهد أنه رسول الله. قال: «فما شهادتكم على عيسى؟» قالوا: نشهد أنه رسول الله. قال: «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، عاش كما عاشوا ومات كما ماتوا». وهذه حجة قوية، كما أنكم تشهدون لموسى وعيسى عليهما السلام بالرسالة، فكذلك محمد صلى الله عليه وسلم هو مثلهم، بشر مات، وأرسله الله كما أن موسى وعيسى من البشر أرسلهم الله وماتا، وبقيت رسالتهما، وأنتم تشهدون برسالتهما، فما الفرق بين هؤلاء الرسل الثلاثة؟ هذه حجة قوية. نعم. قال: «وأتحمل شهادة من أبي أن يشهد على ذلك منكم». فلم يرتد من عبد القيس أحد، يعني من، يعني من عشيرته لم يرتد أحد، وكان سبباً في ثباتهم، وكان سبباً في عدم ارتدادهم. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعمل أبان بن سعيد على البحرين، وعزل العلاء بن الحضرمي، والعلاء بن الحضرمي أول من أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل البحرين لما فتحت، وإنما عزله ليس لنقص ولخلل فيه، وإنما عزله لما هو أنفع، كما يقال في العصر الحديث: يعزل المسؤول أو المدير ليرقى إلى رتبة أرفع، إلى رتبة أرفع. وهكذا لم يعزل أبو عبيدة، العلاء بن الحضرمي لم يعزل إلا لما هو أنفع، لما هو أنفع، وليس لنقص أو عيب أو خلل فيه. قال: فقال: «أبلغوني مأمني فأشهد أمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحيى بحياتهم وأموت بموتهم». يعني لما مات الرسول صلى الله عليه وسلم كان أمير البحرين أبان بن سعيد، فلما ظهر أهل الردة أراد أن يذهب إلى أبي بكر. قال: «فأشهد أمر أصحاب رسول الله، فأحيى بحياتهم وأموت بموتهم». فقالوا: لا تفعل، فأنت أعز الناس علينا، وهذا علينا وعليك فيه مقالة، يقال: فر من القتال، يعني خرج من أجل أن لا يقاتل. فأبى وانطلق في ثلاثمائة رجل يبلغونه المدينة، يعني يوصلونه إلى المدينة. فقال له أبو بكر رضي الله عنه: «ألا ثبت مع قوم لم يبدلوا ولم يرتدوا؟» يعني جلست هناك مع من ثبت ولم يرتد، فتقاتلون المرتدين. فقال: «ما كنت لي أعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم». فدعى أبو بكر العلاء بن الحضرمي فبعثه إلى البحرين في ستة عشر راكباً، وقال: «امضِ فإن أمامك عبد القيس». فسار، قال: ومر بثمامة بن أثال، قال: ومر بثمامة بن أثال أو بن أثال، فأمده برجال من قومه، بن سحيم، ثم لحق به. فأهل الإيمان يتآزرون ويتكاتفون، وكذلك يكثر بعضهم بعضاً، فكلما مر أهل الثبات، أهل الإسلام على الثابتين، خرج معهم من شاء الله من المؤمنين. قال: فنزل العلا بحصن يقال له جواثا، وكان مخارق قد نزل بمن معه، مخارق بن النعمان الذي استعان به ملك كسرى، مر معنا في أول ما ذكر المؤلف في أمر أهل البحرين، مخارق بن النعمان. فنزل العلا بالمؤمنين بحصن يقال له جواثا، وكان مخارق قد نزل بمن معه من بكر ابن وائل حصن المشفر أو المشقر، نعم، نزل بمن معه من بكر ابن وائل حصن المشقر. قال: حصن عظيم لعبد القيس، فسار إليهم العلا فيمن اجتمع إليه، فقاتلهم قتالاً شديداً، التقى الفريقان: العلا بن الحضرمي ومن معه من المؤمنين، وأهل الردة: مخارق ابن النعمان ومن معه من المرتدين، فصارت معركة شديدة حتى كثر القتلى في الفريقين. قال: والجارود بن المعلى بالخط، وهو من الثابتين كما تقدم معنا، وبسببه ثبت عبد القيس. قال: فسار إليهم العلا فيمن اجتمع إليه، فقاتلهم قتالاً شديداً حتى كثر القتلى في الفريقين، والجارود بن المعلى بالخط يبعث البعوث إلى العلا. قلنا: هكذا أهل الإيمان يتناصرون ويشد بعضهم أزر بعض. قال: وبعث مخارق الحطم ابن شريح، ومن هو مخارق؟ أين مر معنا؟ ابن النعمان، نعم. وبعث مخارق الحطم ابن شريح أحد بني قيس ابن ثعلب إلى مرزبان الخط يستمده، فأمده بالأساورة، يعني جنود كسرى، فنزل، فنزل الحطم ردم القداح، وكان حلف ألا يشرب الخمر حتى يرى هجر، يعني حتى يدخل على المسلمين. قال: وأخذ المرزبان الجارود رهينة عنده، وسار الحطم وأبجر العجل حتى حصلوا العلاب جواثا، يعني التقوا به. فقال عبد الله بن حذف، وكان من صالحي المسلمين، يعني حاصروا المسلمين في هذا الحصن جواثا. قال: فقال عبد الله بن حذف، وكان من صالحي المسلمين: «ألا أبلغ أبا بكر الرسول وسكان المدينة أجمعين، فهل لكم إلى نفر يسير قعود في جواث محصرين، كأن دماءهم في كل فج شعاع الشمس يغش الناظرين، توكلنا على الرحمن، إن وجدنا النصر للمتوكلين». قال: فمكث على ذلك محصورين، وسمع العلاء وأصحابه ذات ليلة لغطاً في العسكر، يعني ارتفاعاً للأصوات في عسكر المرتدين ومن عاونهم من الكفار، فسمعوا لغطاً، فقالوا: «لو علمنا أمرهم، خبر هؤلاء، لماذا للذة كثر لغط هؤلاء؟» قال: فقال عبد الله بن حذف: «أنا أعلم لكم علمهم، أنا سأتيكم بخبرهم». قال: فدلوه بحبل، يعني من على الحصن، عصبوه بحبل ثم أنزلوه مثل الدلو، فهذا معنى قوله: فدلوه بحبل. فأقبل حتى دخل على أبجر العجل وأمه معه، وأمه منهم. قال: «ما جاء بك؟» يعني أم عبد الله بن حذف من هؤلاء. قال: «ما جاء بك؟» قال: «لا أنعم الله بك عيناً». قال: «جاء بي الضر والجوع والأصاب نجوع». وهذا فيه أن الكذب في الحرب جائز، لا نقول: عبد الله بن حذف كذب، لا، هذا في وقت الحرب لا بأس، يجوز الكذب. فقال له: «الذي جاء بي هو ماذا؟ هو الضر والجوع صابني»، يعني ضر وجوع. قال: «وأردت اللحاق بأهلي فزودني»، أردت أن أرجع خلاص إلى أهلي، فأعطني من الطعام. فقال: «أفعل، على أني أظنك والله غير ذلك، لسأفعل ذلك، لكن أظنك أنك من تصادق، بئس ابن الأخت أن تسائر الليلة». المهم: فزوده وأعطاه نعلين وأخرجه من العسكر، وخرج معه حتى برز، يعني بعد قليلاً، فمضى. برز يعني بعد قليلاً، فمضى، أي عبد الله بن حذف، كأنه لا يريد الحصن، كأنه ما يريد الحصن، أبعد جهة أخرى، وهذا من ذكائه حتى لا يلحق به، وإنما أبعد ثم التف وجاء إلى الحصن، وهذا من ذكائه. قال: فمضى كأنه لا يريد الحصن حتى أبعد، ثم عطف فأخذ بالحبل فصعد، يعني مسك بالحبل ثم رفعوه. فقالوا: «ما وراءك؟ هات الخبر، أيش القوم هؤلاء، ما لهم الليلة أصواتهم مرتفعة؟» قال: «تركهم سكارى»، السبب أنهم ما شاء الله زيدوا السكر، شربوا الخمر. فقال: «تركهم سكارى، وقد نزل بهم تجار معهم خمر فاشتروا منهم، فإن كان لكم بهم حاجة فالليلة فرصة، لأن الذي يشرب الخمر يذهب عقله، فهل يستطيع أن يقاتل؟ ما يستطيع أن يقاتل. فإذا أردتم النصر وأردتم هلاك هؤلاء فالليلة، وعقولهم مخمرة». نعم. قال: فنزلوا إليهم فبيتوهم، فقتلوهم، فلم يفلت منهم أحد، ما هرب أحد، سكران كيف سيهرب، ما سيهرب. ووثب الحطم فوضع رجله في الركابات، وجعل يقول: «من يحملني؟» الركابات جمع ركب، يعني في الجمال، ويقول: «من يحملني؟» فسمعه عبد الله بن حذف فأقبل يقول: «أبا ضبيعة»، هذا كنية الحطم. قال له: «أبا ضبيعة؟» قال: «نعم». قال: «أنا أحملك». فلما دن منه قتله، قتله عبد الله بن حذف. وقطعت رجل أبجر العجل فمات منها، وانهزم فلهم، يعني جمعهم، فاعتصموا بمفروق الشيباني. طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله، ونكمل بقية هذه القصة في الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.