الدرس في آداب القرآن 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن آداب تلاوة القرآن ويشدد على أهمية عدم هجرانه. يشمل صور هجران القرآن والحث على تلاوته بانتظام.
يتناول آراء الأئمة في المدة المناسبة لختم القرآن ويشدد على تحريك اللسان والشفتين عند القراءة. يبين آراء العلماء في تفضيل القراءة من المصحف أو الحفظ.
يتناول أفضلية القراءة من المصحف لتشغيل العين واللسان معًا، مما يزيد الأجر ويقلل الخطأ. يذكر استحباب القراءة من المصحف عند العلماء.
يشير إلى الصلاة على النبي وآله وصحبه ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى. يظهر احترامًا للنبي وأتباعه ويبرز الاعتراف بعلم الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في الأمس، إخواني في الله، كانت تنبيه على ثلاثة آداب من آداب تلاوة القرآن، منها ما يتعلق بالسجود عند أماكن سجود التلاوة، وما يكون من قضية الاجتماع على قراءة القرآن، وذكرنا الصور التي أشار إليها العلماء. كذلكم، إخواني في الله، ما يكون من سؤال الله الرحمة إذا مررت بآيات الرحمة، والاستعاذة بالله من النار متى ما مررت بآيات العذاب والنار. ومما يذكر كذلك من آداب تلاوة القرآن أن تجعل القرآن، يا عبد الله، قريبًا معهودًا، قريبًا معهودًا، أي بالقراءة والتلاوة والاستحضار، فلا تجعله مهجورًا، فإن هذا الهجران ليس من الأدب مع كتاب الله جل وعلا، بل من تمام الأدب مع القرآن أن تكون به لصيقًا قريبًا. ومسألة الهجر للقرآن هي مما وقع فيه الكفار، حيث قال النبي، كما في نص القرآن: «وقال الرسول يا رب، إن قوم اتخذوا هذا القرآن مهجورًا»، وذلك حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين وهم يعرضون عن سماع القرآن، وذلك بالصراخ وعدم الإصغاء، كما قال ربنا: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾، فكانوا يكثرون من اللغط ومن اللغو ومن الصخب عند قراءة نبينا للقرآن، فكان هذا من الهجران، من الإنصات والاستماع والإصغاء لكلام الله جل وعلا. وإن العلماء، جماعة من أهل العلم، كالإمام ابن كثير رحمه الله تعالى، وابن القيم، وثل من أهل العلم، ذكروا أن أنواعًا من هجر القرآن يبتلى بها أهل الإسلام. وفي هذا المقام، وما سيأتي، وقد نطيل النفس في سرد أنواع الهجر للقرآن مع ذكر بعض المسائل المتعلقة فيه. فمن صور هجر القرآن، إخواني في الله، ما يكون من هجران قراءته وتلاوته، والمسلم عليه أن لا يبتلى بهذه الصورة من صور الهجر، بل عليه أن يقبل على كتاب الله جل وعلا متى ما استطاع لذلك السبيل، يقبل عليه قراءة وتلاوة، وذلك بما تيسر. والأدلة كثيرة على ذلك، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب﴾، وقال سبحانه وتعالى على لسان رسوله: ﴿وأن أتلو القرآن﴾، وجاء من قوله عليه الصلاة والسلام: «اقرأوا القرآن، فإنه يأتي شفيعا يوم القيامة لأصحابه». والأدلة كثيرة. ولعلكم تستذكرون بعض الأحاديث والآثار التي ذكرت في أوائل ذكرنا لهذا الأدب، أي آداب تلاوة القرآن، فذكرنا الفضائل الكثيرة التي أعدها الله لمن أقبل على تلاوة الكتاب. وهنا مسائل، إخواني في الله، ونحن نتحدث عن الحث على الإقبال على تلاوة القرآن، وهي مسائل عديدة، نشير إلى أهمها. المسألة الأولى: لو ربما أن الواحد منا قد يستمع لمثل هذه النصوص الحاثة على تلاوة القرآن، فيقبل بكل قوة على قراءة القرآن، بحيث أنه لا يتقيد بالفترة الزمنية، فتجده يقرأ ويقرأ ويقرأ. فتجده يقرأ ويقرأ دون تقيد بالمدة الزمنية التي أعطيت من قبل الشرع. وما هي المدة؟ المدة، إخواني في الله، أن المسلم إذا قرأ القرآن لا يقل في قراءته وختمه للمصحف خلال ثلاثة أيام، هذه أدنى مدة ينبغي أن تتقيد بها. ودليل ذلك ما جاء في السنن من حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». لا يفقه، لن يعطيه الله جل وعلا فقهًا في قراءتك. إن استعجلت في ختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام، إذن اجعل، يا عبد الله، أنك تقبل على قراءة القرآن وعدم هجره، أنك لا تقل عن هذه المدة. هذا الأصل، نقول هذا هو الأصل. لأن من العلماء من استثنى، من استثنى حالًا يمكن أنك لا تتقيد بهذه المدة. ومتى ذلك؟ قال العلماء: إذا وافقت من أيامك الأيام الفاضلة والأوقات الشريفة المنيفة، هنا لا بأس أنك تختم القرآن ولو بأقل من هذه المدة. مثاله كمن يريد أن يختم القرآن في يوم أو يومين خلال أيام رمضان، أو أيام العشر الأخيرة من رمضان، أو في الأيام التي يرجى أن تكون فيها ليلة القدر. هل لك أن تختم في أقل من ثلاث؟ نعم، ذهب جماعة من السلف إلى ذلك، بل أثر ذلك عن أئمة، كما نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، كما قال الحافظ بإسناد صحيح: أنه في رمضان كانت له ختمة في النهار وختمة في الليل. وأثر كذلك عن جماعات، وهذا الذي رجحه الإمام بن رجب رحمه الله تعالى، على أن الأصل أن المسلم يتقيد في ختمه للقرآن أن لا يقل عن أقل من ثلاثة أيام، إلا إذا وافق أيامًا فاضلة كيوم عرفة، أو في أيام رمضان والعشر الأخيرة منه، فهذا لا بأس أن تقل عن هذه المدة، لماذا؟ حتى تتحصل على الأجر في هذه الفترة الزمنية. المسألة الثانية: هل عندي حد أعلى؟ رجل مشغول بأمره، بعمله، بشغله، بتدريسه، ببحره، ببره، لا يمكنه أن يقرأ القرآن على ما يريد. طيب، كم يعطى له مدة، مدة يتأخر فيها في ختم القرآن؟ هذه المسألة كذلك حصل فيها خلاف بين العلماء، لأن ما عندي دليل صريح صحيح يكون قاطعًا في هذه المسألة، لكن هي استنباطات واجتهادات من أهل العلم. فمما وصل من أقوال العلماء أن من أهل العلم من ذهب إلى أن أطول مدة، وأنك لا تزيد فيها عن ختم القرآن أربعين يومًا. فمن مرت عليه هذه المدة ولم يختم القرآن، فإنه يلام. وهذا الذي صرح به الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه عنده يكره أن يتأخر الرجل عن ختم القرآن عن أربعين يومًا. واستدل رحمه الله تعالى بما جاء من حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: في كم يقرأ القرآن؟ قال: في أربعين يومًا. ومن أهل العلم من ذهب إلى شهر، لرواية كذلك بنفس هذا السياق، قال: في شهر. وبالمقابل، هناك من أهل العلم من أطال الأمد، ورفع السقف، الحد الأعلى لختم القرآن، وهو ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، حيث أنه يرى أنه من قرأ وختم القرآن مرتين خلال سنة، فقد أدى حق القرآن. يرى أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن من قرأ المصحف مرتين في سنة فقد أدى حق القرآن، يكفي هذا. طبعًا، هذا الكلام من أبي حنيفة رحمه الله تعالى، من أين أتى به؟ أتى به استدلالًا بما كان من فعل جبريل عليه السلام، إذ أنه عرض القرآن على رسول الله في العام الذي قبض فيه مرتين، عرض القرآن كاملًا على رسول الله في العام الذي قبض فيه مرتين، فاستأنس رحمه الله بهذا على أن الإنسان إن كان خلال سنة ختم القرآن مرتين، بمعنى الختمة الأولى ستة أشهر والثانية ستة أشهر، أي ستة أشهر هي الأقصى، فإن فعلت ذلك فقد أديت حق القرآن. فما تجد، يا عبد الله، الخلاف طويل بين الأئمة، والمسلم يحرص. وإلا فقد جاء عن جماعة من العلماء ذكروا أن الصحابة كانوا يختمون القرآن في سبع، يختمون القرآن في سبع. وأشهد في ذلك الخلاف حاصل بين السلف في تحديد المدة العليا. ولهذا يقول مكحول رحمه الله تعالى، وهو يحكي حالة الناس عند ختم القرآن، وأنهم يختلفون ويتباينون تباينًا شاسعًا من بينهم البين، فقال رحمه الله تعالى: «كان أقوياء الصحابة يقرؤون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك». لكن الخلاصة على أنهم ما هجروا القراءة، فكانوا يختمون القرآن في مدة معينة، قلت أو كثرت، لكن القرآن كان قريبًا منهم. فالحاصل، إخواني في الله، هذه المسألة الثانية، وهي أن نتعرف على أن الإسلام يحث على أن يكون له حظ من قراءة القرآن ومن ختمه، وذلك إذا استطاع لذلك سبيل، إن كان في أيام، وإن كان في أسابيع، وإن كان في أشهر. المسألة الثالثة، ومما تتعلق بقراءة القرآن لمن أراد أن يقوم بختمه والفراغ منه، أنك، يا عبد الله، احرص عند قراءتك للقرآن على تحريك الفم، تحريك اللسان، النطق بالشفتين، لأن من الناس من يمسك القرآن ويمسك الختمة، فتجده مطبق الشفتين، وتجد فقط العين تنظر والصفحات تقلب، وأنت لا تلاحظ شيء من تحريك الشفة. هذا ليس بصحيح، يا عبد الله، بل يقال كما قال العلماء: أنك لن تتحصل على أجر القراءة، لأن القراءة تحتاج إلى تحريك الفم مع تحريك اللسان، هذه أدنى مراحل القراءة، التحريك أدناها، وأعلاها أن تسمع نفسك، وأعلاها أن تسمع من حولك، هي مراتب. أما أنك لا هذا ولا ذاك، ولا حتى اللسان ما تتحرك، لا نجد تحريك الشفة ولا اللسان ولا حتى النفس، هذا ما تعد قراءة، وما تسمى قراءة. إذن لا تتحصل على أجر القراءة. سئل العلامة سماحة الشيخ بن باز رحمه الله عن هذه المسألة، فقال رحمه الله: «لا مانع من النظر في القرآن من دون قراءة للتدبر والتعقل وفهم المعنى، ولكن لا يعتبر قارئًا ولا يتحصل على فضل القراءة إلا إذا تلفظ بالقرآن ولو لم يسمع من حوله». عليك، عبد الله، بأدنى مراحل القراءة، وهو اللفظ، تتلفظ ولو أن تسمع نفسك، ولا يضرك أن تسمع من حولك. فقد جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، عندما نقلوا لنا قراءة رسول الله كيف كان يقرأ، كان الذي من خلفه يقول: حتى نعرف قراءته باضطراب لحيته، باضطراب لحيته، وهم من خلفه يرون اللحية تتحرك، كناية عن تحرك عظم الذقن، كناية عن تحرك الشفة، فكانت هذه قراءته، أنه كان يتحرك اللسان والشفة، فانتبه، يا عبد الله، أنت عند قراءتك للقرآن أنك تحرك هذه الأعضاء. المسألة الرابعة المتعلقة بختم القرآن، إخواني في الله، أيها الأفضل أن تقرأ القرآن غيبًا أم تقرأه من مصحف؟ أحيانًا تدخل المسجد فتجد بعض المصلين يجلس هكذا ويقرأ من حفظه، حفظ يحفظ، ومن الناس من يقرأ من ختمة، فهو هذا جائز، وهذا جائز، لا إشكال. الإشكال إذا جئت إلى الأفضلية، وأنت مخير بين هذا وبين ذلك، أيما تختار؟ يعني رجل مثلا دخل يوم الجمعة يريد أن يقرأ سورة الكهف، على مذهب جماهير العلماء، وأنت حافظ سورة الكهف، فهل تقول: أقرأها من حفظي، أم أني آخذ المصحف؟ يعني حافظ، لكن أقرأ أقرأ من كتاب الله، أيهما الأفضل؟ العلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال. القول الأول: منهم من ذهب إلى أن الأفضل في قراءة القرآن أن يكون غيبًا، كما صرح بهذا العز بن عبد السلام رحمه الله، قال: أن هذا قد علم، أن ما يفعله أحد إلا وقد أشغل ذهنه بالتأمل والتفكر عند قراءة القرآن، لأنك عندما تقرأ غيبًا، أنت ماذا تفعل؟ تستحضر المحفوظ من الصدر، فيخرج من جوفك، وأنت تستحضر الذي تخرجه، فقال: هذا يكون فيه اشتغال للذهن، فقالوا: فالقراءة من الحفظ أفضل من القراءة من المصحف. هذا المذهب الأول. المذهب الثاني، وهو مذهب من ذهب من أهل العلم، وهم الأكثر، على أن القراءة من المصحف أفضل من الغيب. القراءة من المصحف، يقولك: لا، خذ المصحف، اقرأ أفضل له. لماذا؟ قال: أن القراءة في المصحف فيها تشغيل لعدة جوارح، قال: أن صاحب الغيب إنما يقرأ بلسانه فقط، وأما الذي يأخذ المصحف، فقد ماذا فعل؟ عمل بجارحتين اثنتين، الأولى اللسان، والثانية العين، العين تشتغل، تعمل، تتابع الكلمات، فاللسان تؤجر على النطق، والعين تؤجر على النظر فيكون لك الأجر مضاعفًا، الأجر في ذلك مضاعف. ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة من المصحف، وأنه مقدم على القراءة بالغيب. المذهب الثالث، وهو من ذهب إلى الترجيح، وهو الذي ذهب إليه الإمام النووي رحمه الله تعالى، قال: إن كان القارئ غيبًا، إن استطاع في قراءته لآيات القرآن أن يستحضر وأن يتأمل وأن يتدبر، فحينها نعم، نقول: القراءة غيبًا أفضل من المصحف، إن كان المصحف ليس فيه هذه المشاعر، وإنما تقرأ من غير تأمل ولا تدبر، لكنك من الغيب تتأمل وتتدبر، لحينها الغيب أفضل. الأمر يعود إلى مسألة التدبر. قال: وأما إن كان الأمر بالتساوي، لا أقول: عندي واحد أنا، إن قرأت هنا أتدبر، وإن قرأت هنا أتدبر، ألعندي الأمر سيان؟ قال: حينها فالقراءة في المصحف أفضل، القراءة في المصحف أفضل. وهذا هو الصحيح. فالقراءة في المصحف، لو أنت مخير بين أمرين، إما هذا وإما هذا، نقول لك: يا عبد، اقرأ من المصحف. لماذا؟ أولًا لبعض الآثار التي صحت عن رسول الله، كقوله عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يحبه الله ورسوله فليقرأ في المصحف». حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة. قال: والحديث حسن عندي: «من أحب أن يحبه الله ورسوله فليقرأ في المصحف». فهذه مزية، زد على ذلك ما مضى على أنك تشغل العينين. زد على ذلك أن هذا أبعد عن الخطأ والسهو، لربما وقع في قراءتك غيبًا شيء من الأخطاء، لكن تتفادى ذلك من القراءة من المصحف. زد على ذلك أن ما كان من ذنوب العينين من النظر الذي لا يجوز، فإنك عند قراءتك من المصحف تتساقط، تكفير لذنوب العينين. ولهذا جنح العلماء إلى أن القراءة في المصحف أفضل. فالأمر في ذلك، إخواني في الله، واسع جدًا، والأمر عند العلماء إنما في ذكر الأفضلية. المسألة الأخيرة، إخواني في الله، والذي أختم به هذا المقام، وهي مما تتعلق بختم القرآن، ما تعلق بمسألة الحال المرتحل. ما المقصود بالحال المرتحل؟ هذه عبارة عن مسألة ينوه عليها العلماء في أن من يسر له الله أن يختم المصحف، عليه إن ختم المصحف عليه أنه لا يغلقه، وإنما يبدأ مباشرة من أوله، يبدأ من أوله، فيقرأ الفاتحة ويقرأ ثلاثة آيات من سورة البقرة، ثم يغلق المصحف. هذه الفعلة التي ذكرها العلماء من أين أتوا بها؟ استدلوا بهذا الحديث الذي رواه الإمام الترمذي، في أن رجلًا قال: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «الحال المرتحل». فقال: وما الحال المرتحل؟ قال: «الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، كل ما حل ارتحل». أي هذا الحديث يبين فيه نبيه أن هذه من أحب الأعمال إلى الله، أنه لا يستريح، كل ما انتهى بدأ، كل ما انتهى بدأ. أي وصف العلماء كما سمعت بأنك إذا انتهيت من ختم المصحف ترجع مباشرة إلى أوله، فتقرأ الفاتحة وثلاثة آيات من سورة البقرة. لكن هذا الحديث المروي في هذه المسألة، الحال المرتحل، كما قلنا، رواه الترمذي في جامعه، وفي سننه، إلا أنه حكم عليه بالضعف، وحكم عليه بالضعف، وهكذا الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى، وهكذا الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الضعيفة، حكم عليه بالضعف. فهذا الحديث لا يصح. وقد تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى بكلام على هذه المسألة، فذكر أن الالتزام بمثل هذه الصورة عند كل ختم، أن عليك أن تبدأ من أول، ذكر أن هذا لم يؤثر عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن أحد من أئمة الدين، فهو شدد أنكر في هذه المسألة، ويرى أن هذا لا يشرع فعله. لكن على كل، فيقال في هذه المسألة: التفصيل التالي، أنه من فعل هذا من باب التحقيق والعمل بالسنة، يقال: لا، ما عندي هنا سنة، ولا تظن أن ذلك من العمل المشروع، هذا لم يؤثر عن رسول الله، ولا عن صحبه الكرام، فلا تجعلها سنة، ولا تجعلها أن من كمال وتمام الأدب، لا تدخل في هذا الباب، فمن ظنها ذلك فقد وقع في عمل لا يشرع. أما من فعل ذلك من باب الحماس، يقول: أنت هات الآن، وأنا أحب أن ألتزم بماذا؟ أن أقرأ شيء من بداية سورة البقرة حتى أسترسل ولا أقف، إن فعل ذلك فقط من باب الجد والاجتهاد والنشاط والحماس لنفسه، فإن شاء الله هذا ليس فيه شيء. بل نقل الأعمش عن إبراهيم: أن من السلف من كان يفعل ذلك، أن من السلف من كان يفعل ذلك. أقطع من باب ماذا؟ أنه يحب أن يلزم نفسه. أما أنك تجعلها سنة ثابتة مروية، لا، ما صح هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذه، إخواني في الله، مسائل سريعة متعلقة بالنوع الأول من أنواع الهجر من هجر القرآن، وهو هجر التلاوة. وهناك النوع الثاني من أنواع الهجر، والنوع الثالث، والرابع، وقد أخبرناكم أننا قد نطيل النفس في هذا الأدب، في هذا الأدب، لكثرة مسائله. ففي خلال هذا الأدب، وهدى عدم هجر القرآن تلاوة، علمنا ما هي أدنى مدة، وما هي أعلى مدة، وما الذي ينبغي على القارئ من التلفظ بالقرآن، وما كان من الترجيح بين القراءة والحفظ، وما يتعلق بحديث الحال المرتحل. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.