الدرس في آداب القرآن 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل حكم ختم القرآن بالاستماع وآراء العلماء حول ثلاث صور لهذا الختم، كما يتناول حكم دعاء ختم القرآن والخلافات بين العلماء حول استحبابه أو كونه بدعة.
يتناول هذا الفصل آراء العلماء حول حكم قراءة القرآن من الجوال، وما إذا كان يكره ذلك إذا أدى إلى هجر المصاحف أم أن الأمر سيان بين القراءة من الجوال والمصحف.
يتناول هذا الفصل أهمية ذكر مسائل تتعلق بقراءة القرآن وهجر تلاوته، ويشير إلى أنواع هجر القرآن ويطلب من الله النفع بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله في درسنا، والذي يتعلق بباب الآداب، وكان الوقوف على آداب تلاوة القرآن، وكان مما توقفنا عنده من آداب تلاوة القرآن ما يتعلق بأدب الاستمرار والاتصال به، وعرجنا على مسألة هجر القرآن، وذكرنا أن العلماء ذكروا أن هجر القرآن له عدة صور، وتم الوقوف على الصورة الأولى، ولا زلنا فيها، وهي ما يتعلق بمسألة هجر تلاوة القرآن. ونبهنا على عدة مسائل، المسألة الأولى ما يتعلق بما هي أدنى مرحلة من مراحل هجر القرآن، بحيث لا تستعجل في ختمه، ثم كانت الصورة الثانية، وهي أعلى ما يذكر من مسألة هجر القرآن، بحيث أنك لا تزيد عن هذه المدة، وذكرنا الخلاف الحاصلة بين العلماء، ثم كانت المسألة الثالثة، وكيف أن ختم القرآن يحتاج إلى تلفظ ويحتاج إلى نطق، وأن الصمت لا يعد شيئا ولا يحسب لك أجرا. وكانت المسألة الرابعة في ذكر التفضيل بين ختم القرآن وقراءة القرآن لفظا ونطقا، وبين من يختم القرآن غيبا، وذكرنا الخلاف الحاصل بين أهل العلم، ثم كانت المسألة الخامسة في هذا الصدد، وهي مسألة الحال المرتحل، وهو أن من ختم القرآن يستحب في حقه أنه يشرع في بداية أول القرآن، وذكرنا الخلاف الحاصل في هذه المسألة، ووجه الاستحباب في ذلك والجواز، أنه لا بأس من أنك إن ختمت القرآن أنك تبدأ وتشرع مباشرة في ذكر آيات من أوائل القرآن، الفاتحة وشيء من الآيات، لا من باب الاستنان، لأنه ليس عندي سنة، وإنما يستحب ذلك من باب النشاط والحماس. فقد ذكر ذلك عن جماعة من السلف، ومواصل إخواني في الله في مسألة تلاوة القرآن، وما يتعلق بموضوع ختمه، تأتي هنا مسألة نحب أن نعرج عليها، وهي ما يسميها العلماء بالختم الاستماعي والختم السماعي، وهو في حق من يعتمد على ختم القرآن على سمعه دون العروج على النطق به والتلفظ به، وهذا يكون على عدة صور. الصورة الأولى في حال من كان هناك مانع يمنعه من قراءة القرآن، وعذر شرعي، كحال الأعمى، رجل أعمى ما يتسنى له أن يقرأ القرآن، فهو يعتمد اعتمادا كليا على سمعه، فما حكم أنه يختم القرآن بالسمع؟ هذا لا شيء في ذلك، بل هذا ينال الأجر كاملا لوجود المانع والعذر الشرعي. الصورة الثانية من يعتمد على سمعه دون الاعتماد على نظره، وهذا كحال الحافظ لكتاب الله، رجل حافظ لكتاب الله يحب أن يختم القرآن غيبا دون الاعتماد على نظره، هذه مسألة قد مرت معنا، وذكرنا الخلاف الحاصل بين العلماء في من يقرأ القرآن غيبا دون النظر فيه. فالخلاف هذا حاصل، ومن أهل العلم من يستحب النظر، ومن أهل العلم من يستحب الغيب، وقلنا منهم من عرج إلى مسألة التدبر والتأمل، فهي الفيصل في هذا الباب. الصورة الثالثة من يرى جواز استحباب ختم القرآن سماعا مع قدرته على النظر إلى المصحف، لكن لا يريد أن يقرأ من المصحف، هو ليس بحافظ، وهو يستطيع أن يقرأ، لكنه لا يقرأ، يريد ماذا؟ أنه يستمع. مثاله إخواني في الله كحال من يحب أن يستمع إلى المصحف المرتل أو ما يسمى بالمصحف المجود، هذه الصوتيات فيجعل له قدر معين من الاستماع لبعض مشايخ القراء، فيستمع له قدر كل يوم جزء إلى أن ينتهي، فينتهي من ختم القرآن سماعا لا قراءة ولا تلاوة، أو كذلك ما يقع الآن ما يسمى بالقلم الناطق، أنه يمرر هذا القلم على آيات فيستمع إليها، فليزال به الحال أن يتتبع آيات القرآن إلى أن ينتهي من المصحف كاملة. فهذه نخبة من الناس هم ليسوا بحفاظ، فلا يعتمدون على القراءة، وما هناك مانع من القراءة، لكن أرادوا أن يستمعوا استماعا كاملا من أول القرآن إلى آخره، فيختمون القرآن، فما حكم ذلك؟ هذا يسميه العلماء بالختم السماعي، وهو إن جئت يا عبد الله كباب الختم، يكون ختمة يكون ختم للقرآن، لكن منزلته دون ذلك، والدليل على أن هذا يعد ختما للقرآن ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فجعل الله الرحمة تشمل المستمع. وإن كان هذا دون فالأكمل والأفضل أنك تقرأ، وأنك تمعن النظر، وأنك تستمع، لا شك أن هذا هو الأفضل والأكمل، لكن من اقتصر على ما مضى من السماع، فإنه يدخل في ختم القرآن، والذي يعبر عنه العلماء بالختم السماعي. المسألة السادسة إخواني في الله مما نذكرها في هذا الباب في حق ختم القرآن، مسألة دعاء ختم القرآن، وهو أن الذي يختم القرآن تجد أن من بعضهم من يلجأ إلى الدعاء، يجعل هذه من الأمور المستحبة بعد كل ختمة، يخصها بدعاء، ما حكم هذا الدعاء؟ هذه المسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء من أهل العلم بين أهل السنة. فمن أهل العلم من لم يرى هذا الالتزام، ويرى أن جعل دعاء خاص بعد ختم كل ختمة للمصحف يرى أن هذه من البدع، كما صرح بذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى، فقال: «وهذا مما لا شك فيه أن التزام دعاء معين بعد ختم القرآن من البدع التي لا تجوز لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: وكل بدعة ضلالة». بالمقابل، هناك من علمائنا من أجاز هذا، يجوز أن تأتي بما يسمى بدعاء ختم القرآن، سواء أكان في الصلاة كما هو معلوم في صلاة القيام والتراويح والتهجد، إذا تم ختم المصحف يقوم الإمام بالدعاء بدعاء ختم القرآن، أو ما يكون في خارجه، كمن من الله عليه بختم القرآن فيدعو. فمن علمائنا من أجاز ذلك، وممن صرح بهذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، حيث قال: «ليس من البدع، بل هو مستحب وسنة، ونقله بعض أصحاب النبي بعد ختم الإنسان القرآن في أي وقت دعا، سواء كان في الصلاة أو في خارجها»، وعلى هذا فتوى اللجنة الدائمة على جواز ما يسمى بدعاء ختم القرآن. ولهذا عبد الله تجد أن الأمر فيه سعة عند العلماء، وإن كان بعض العلماء كالشيخ بن عثيمين رحمه الله تعالى لا يرى ولا يحبذ هذا في مسألة الصلاة لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا عن صحبه الكرام، أما خارج الصلاة الأمر في ذلك واسع، وخاص أنه قد ثبت ذلك عن بعض السلف. فقد ثبت ذلك عن أنس رضي الله تعالى عنه كما عند المصنف عند ابن أبي شيبة، كان رضي الله تعالى عنه إذا انتهى من ختم المصحف جمع أولاده وأهل بيته فدعا، فقال: «هذا لا بأس به، مع عدم ورود ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالأمر إن شاء الله يسع، وخاص من استأنس بفعل السلف كفعل أنس، وفعل مجاهد بن جبر، وجماعات من العلماء». مع أن هذا لم يثبت مع التنبيه على أنك لا تلتزم بهذا الدعاء المطبوع في المصاحف، فسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مع القول بجواز دعاء ختم القرآن، إلى أنه أشار رحمه الله لعدم ثبوت دعاء معين تقتصر عليه أيها القارئ، وإنما قال: «تدعو الله بما شئت بالمغفرة، وأن الله ينفع لك بهذه القراءة، وأن يجعل الله القرآن حجة لك ولا حجة عليك، لمثل هذا قال: لا بأس، وأن تسأل الله الجنة وتستعيذ بالله من النار، فهذا قال: لا بأس به، أما أنك تتقيد بذكر فما عندي ذكر جاء خاص لا عن رسول الله، ولا عن صحبه الكرام». وتنبيه آخر ما يشاع وما ينسب من دعاء ختم القرآن لشيخ الإسلام، فهذا لا يصح، بين هذا العلامة الألباني، وسماحة الشيخ ابن باز، وابن عثيمين، وغير واحد من علمائنا، لم يثبت عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بما يسمى بدعاء ختم القرآن. ولهذا عبد الله من ختم القرآن هو ليس من الشرط ولا من القيد ولا من الضوابط أنه يختم بدعاء، فالأمر في ذلك إن دعا دعاء، وإن لم يدع، فإن لم يثبت عن رسول الله الدعاء، لكن كما أشرنا المسألة مما اختلف فيها علماؤنا، فليعلم ذلك. مسألة أخيرة أختم بها المقام إخواني في الله، وهي ما يتعلق بالقراءة لكتاب الله جل وعلا، مسألة القراءة من الجوال، قراءة القرآن من الجوال، وخاصة ونحن في هذه الأزمان أصبحت من الوسائل المعينة في قراءة القرآن، أن تجده مسجلة ومطبوعة ومكتوبة عبر تطبيقات منها تطبيق ما يسمى بالجوال، وله صور كثيرة جدا، هل هذا يجوز؟ وهل هذا يشرع أم لا؟ إخواني في الله من أهل العلم من يكره أنك تعتمد على الجوال في قراءة القرآن، وخاصة إن جر ذلك هجر المصاحف، يقول العلامة الشيخ الفوزان رحمه الله تعالى: «هذا من الترف الذي ظهر على الناس، والمصاحف ولله الحمد متوفرة بطباعة فاخرة، فلا حاجة للقراءة من الجوال»، هذا كلامه حفظه الله. ومن أهل العلم بالعكس يرى أن الأمر سيان، كونك تقرأ من المصحف، وكونك تقرأ من الجوال الأمر واحد، وأن العبرة في الجميع هو التأمل والتدبر لكتاب الله، فالحاصل إخواني في الله أننا نقول في هذا المقام: لا شك أن من خير بين أمرين بين القراءة من الجوال والقراءة من المصحف، والأمر عنده واحد، لا شك أن القراءة من المصحف هي الأفضل والأكمل والأتم. وذلك خاصة لبعض الآثار، وقد حسن الشيخ الألباني رحمه الله ذلك الحديث: «أن من سره أن يحبه الله ورسوله فليقرأ من المصحف»، فهذا لا شك، لكن إن وجد أن القراءة في الجوال فيها ما ليس في المصاحف، فحينها لا شك أن القراءة في الجوال لا بأس بها. مثاله تكبير الخط لمن كان عنده ضعف في النظر، فيجد في الجوالات ذلكم الطريقة في تكبير الخط مما فيه راحة لعينه، ما لا يجده في المصحف، فهذه حاجة، أو ما يكون من الإنارة الليلية، إذ أن في الإضاءة في الجوالات ما لا يكون في المصاحف، أو ما يكون عند الحاجة لربما تريد أن تقرأ فما يتسنى أن يكون هناك مصحف عند التناول، بخلاف الجوال في المتناول. فهل تقف عن القراءة؟ لا يا عبد الله، خذ الجوال وقرأ، ولا تضيع عليك الأوقات، فهذا مما يعين في هذا الباب، فحينها إخواني فإن وجدت الحاجة لقراءة القرآن في الجوال فلا بأس، لكن إن خيرت والأمر عندك واحد بين هذا وبين ذاك، لا شك أن القراءة في المصحف هي الأفضل والأكمل. أنبه كذلك على مسألة وهي: إن أراد أحد أن يقرأ من الجوال، هل يشترط فيه ما يشترط في المصحف؟ الجواب لا، ولهذا العلامة الفوزان رحمه الله تعالى مع أنه قد مضى معنا ما يتعلق بأنه يهون من القراءة في الجوال، إلا أنه قال رحمه الله تعالى: «ولكن إن حصل هذا، أي أنك تقرأ من الجوال، فإنه لا يأخذ حكم المصحف»، وهذه فائدة عظيمة، وهي دائما يسأل عنها الناس كثيرا. وهي مسألة مثلا الدخول إلى الحمامات، يقول لك: والله أنا عندي جوال أخي فيه مصحف في داخله، هل أدخل أو لا أدخل؟ الجواب: أدخل يا عبد الله، لأنك لن تدخل بمصحف، أنت ستدخل بجوال، أنت تدخل بجوال، وأكثر العلماء المعاصرين على هذا، على أن الجوال المصحف الموجود في الجوالات ليس حكمه كحكم المصحف. فالأمر فيه سهل، فلك أن تدخل إلى الحمامات ولو كان هذا الجوال معك، وإن كان في داخله مصحف، لأنه عبارة عن ذبذبات، عبارة عن ترددات، ليس عبارة عن أحرف وكلمات، فالأمر يختلف، كذلك في مسألة الطهارة، هل لك أنك ينبغي أنك تتوضأ لكي تأخذ هذا الجوال لكي تقرأ المصحف؟ الجواب لا، أنت ليست ملزم بهذا. فلك أن تقرأ المصحف من جوالك على أي حالة كانت، وهذا مما يعين المرأة الحائض والنفساء أن تأخذ الجوال فتقرأ منه القرآن، لأنها في الحقيقة ما أخذت مصحفا، وإنما أخذت جوالا، فهذا من تيسير الله لها ولغيرها ولأمثالها. فهذا إخواني في الله مما أحب أن أذكره في هذا المقام مما يتعلق بمسألة قراءة القرآن، ونحن نتكلم عن هجر القرآن تلاوة، وسيأتي معنا إخواني في الله أنواع كثيرة من مسائل هجر القرآن، لكن هذه المسائل ناسب ذكرها في هذا المقام لقصد التلاوة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.