الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 155، ألقاها
يشرح المقطع حديثًا نبويًا عن فتاة تزوجها أبوها دون إذنها وكيف جعل النبي الأمر إليها. يستخدم الحديث لتعليم النساء حقوقهن في الزواج.
يعتبر رضا المرأة في العقد شرطًا لصحته إلا في حالة الصغيرة التي لم تبلغ بعد. يشترط إذن المرأة البالغة البكر في العقد.
الكفاءة ليست شرطًا في صحة العقد بل في إلزامه، ورضى المرأة والولي من الشروط الأساسية لصحة العقد.
يختتم الحديث بالإشارة إلى مسائل أخرى تمت مناقشتها سابقًا ويكتفي بما تم ذكره. التأكيد على أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني: حدثنا علي بن المنذر وهو ثقة حافظ، قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح أبو سفيان، كان حافظًا كبيرًا من حفاظ أهل الكوفة، قال: عن كهمس بن الحسن، وهو ثقة، عن ابن بريدة، وهو عبد الله بن بريدة كما تقدم، عن أبيه، قال: جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. هذا الحديث فيه أن هذه المرأة، وقيل: إنها فتاة، يدل على أنها بكر أو أنها صغيرة، فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. والمراد بـ "خسيسته" أي أنه كان له دناءة، إما أن يكون فقيرًا أو مولى أو مملوكًا، والظاهر الأقرب أنه لعله كان فقيرًا، وكان أبوها أغنى، فلهذا قالت: أراد ليرفع بي خسيسته، أي ما كان فيه من فقر. قال: فجعل الأمر إليها، النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجز ذلك العقد، وجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء. وهذا الحديث اختلف الرواة فيه، فمنهم من يرويه عن عبد الله بن بريدة عن عائشة، ومنهم من يرويه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، ومنهم من يرويه مرسلًا. وصحح الإمام الدارقطني الرسال فيه، لكن العلماء أخذوا بهذا الحديث. وفيه عدة مسائل. المسألة الأولى: أن رضا المرأة في العقد يعتبر شرطًا، إلا الصغيرة التي لم تبلغ بعد، فإنها أمرها بيد أبيها، له أن يزوجها بدون إذنها، وأيضًا يكون الزواج صحيحًا عند أكثر أهل العلم. وأما إن كانت بالغة وهي بكر، فهنا لابد أن يكون بإذن منها، بخلاف من قال: إنه يجوز للولي أن يزوجها إذا كانت بكرًا. صحيح أنه لابد من إذنها لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وإذنها صماتها". قال: "البكر تستأذن والثيب تستأمر". وإذنها صماتها، فدل على أن البكر تستأذن، فيستأذنها وليها، فإن أذنت وإلا فالنكاح غير صحيح. وهذا أيضًا حديث يدل على أن الولي له أن يزوج ابنته ولو لم يأت إليها أمر، ثم بعد ذلك يرجع الأمر إليها. لا أنه يزوج وليته بدون رضاها. ولهذا عندما يأتي الخاطبون يأتون إلى المرأة أو المتزوجة ويقولون لها: إن فلانًا تقدم إليك أو يريد أن يتزوجك، فهل ترين بذلك؟ هذا لا داعي له، ما دام أن وليها قد زوجها، فالأمر إلى وليها. فإن رفضت هي أو كانت كارهة، فالإثم عليه. فإن أبت هذا النكاح، فالنكاح يكون باطلًا، أي العقد هذا يكون باطلًا إن لم ترضَ. فإن رضيت وهي كارهة، فالإثم عليه، لكن العقد صحيح. فلهذا الولي له العقد، له أن يعقد وليته، فمثلًا لو قال إنسان: أزوجك ابنتي، فقال: قبلت، أو قال: أنا أوافق، فهذا يعتبر نكاحًا صحيحًا. بقوله مثلًا: قبلت للولي. فأيضًا كذلك من مسائل هذا الحديث أن الكفاءة أيضًا تكون في مسألة المال وعدمها. كما تقدم معنا ذكرنا هذه المسألة وأطلنا فيها. والكفاءة هنا ليست شرطًا في الصحة، وإنما شرط في الإلزام، كما قال الجمهور: الكفاءة ليست شرطًا في صحة العقد، وإنما في إلزام العقد. فلهذا فهي شرط إلزام وليست شرط صحة. فلهذا قالت هذه المرأة: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، أي أنه ليس كفءًا لها. فلهذا دعا الأمر إليها. ولهذا فسره بعض العلماء بهذا على أن هذا من باب الكفاءة. وباب الكفاءة عند بعض الأئمة كالنسائي وغيره، باب الكفاءة في الدين. فالكفاءة في هذا الحديث استدل بها العلماء على كفاءة المال. طيب أيضًا كذلك قوله في آخر الحديث: "ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء". ليس المراد أن الآباء ليس لهم شيء أبدًا، وإنما في رضى المرأة ليس لهم شيء في رضاها. فلهذا يكون رضى المرأة شرطًا من شروط العقد، أن المرأة راضية بهذا العقد. وكذلك أيضًا من الشروط أن يكون الولي أيضًا راضيًا بهذا العقد. وكما ذكرنا قبل الأحوال التي يكون فيها رضى الزوجين وكذلك الولي، خاصة المرأة، لأن الكفاءة عندها. لماذا؟ لأن التعيير يكون مثلًا عند الأب، ليس عند الأم. مثلًا لو تزوجت المرأة الخرى عبدًا، فيقولون: ابن فلان. لو تزوجت مثلًا رجلًا سكيرًا، سيقولون: ابن فلان. فلهذا فعيب الأب يرجع إلى الأب، لأنه ينتسب إليه. فلهذا لو تزوج مثلًا من مملوكة أو تزوجت المرأة الأخرى من عبد، فقد تعير إذا أُكِد يعير ابنها كذا بهذا. كذلك أيضًا إذا كان به عيب من ناحية مثلًا مرض خلقي أو مرض، أقصد خلقي، إما مثلًا فيه شيء من الجنون أو فيه كذا، فرفضت لأنه ليس كفءًا لها، فهذا ليس فيه شيء كما قلنا. وغيرها من هذه الأمور التي قد ذكرت قبل، فلا داعي إلى إعادتها. فهذه بعض المسائل التي تأخذ من هذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.