الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 15

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 15

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حادثة شق الصدر وتفاصيلها

شرح حادثة شق الصدر للنبي صلى الله عليه وسلم وتفاصيل الحدث وأحكامه ومسائله. تناول المقطع الأبيات التي كتبها المؤلف حول هذا الحدث.

مناقشة آراء المعترضين على الحادثة

ناقش آراء المعترضين على وقوع حادثة شق الصدر للنبي محمد، وقسم الناس إلى قسمين: من يقبل الحادثة ومن ينكرها، مع توضيح آراء المنكرين وتفاصيل اعتراضاتهم.

الآراء المختلفة حول شق صدر النبي

تناول آراء المستشرقين والمدرسة العقلانية المعاصرة حول حادثة شق صدر النبي، حيث شككوا في صحتها وفسروها بطرق مختلفة، بينما ذهبت طائفة من المفكرين إلى تأويلها مجازيًا.

خاتمة الدرس واستشراف الدروس القادمة

اختتم الدرس بالتطلع إلى دروس قادمة لشرح مذهب الجمهور في إثبات قصة معينة ومناقشة المسائل المتفرعة عنها، وطلب من الله أن ينفعهم بما قاله ويصلي على النبي محمد.

  • 14 جمادى الأولى 1443هـ - 18/12/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فبعد حديثنا إخواني في الله في الأرجوزة المئية وما يتعلق بما يكون من أمر إرضاعه عليه الصلاة والسلام في دار بني سعد، نعود الآن للأبيات التي سطرها المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الصدد، حيث قال: وبعد عامين غدا فطيما، جاءت به مرضعه سليما حليمة لأمه، وعادت به لأهلها كما أرادت. فمن خلال ما سبق سنعرف ما يتعلق بهذه الأبيات من مسائل. فقول الناظم رحمه الله تعالى: وبعد عامين، أي بعد أن أكمل العامين عليه الصلاة والسلام، غدا أي صار وأصبح فطيما. وفطم الصبي: فطم الصبي هو فصله من الرضاعة، هذا معنى الفطام. ففطم الصبي هو فصله من الرضاعة، وقد فطم عليه الصلاة والسلام بعد أن أتم حولين كاملين، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وهذا الذي وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام. وبعد عامين غدا فطيما، أي بعد ما استكمل السنتين ترك وفصل عن الرضاعة. قال: جاءت به مرضعه سليما، أي أنه أرجع بعد الفطام إلى والدته، وكان على هيئة وحالة سليما، ليس فيه ما يشوبه من الأمراض ولا من الأعراض. قال: جاءت به مرضعه سليما حليمة لأمه، وعادت أي أن حليمة بعدما رأت أن النبي قد استكمل العامين أرجعت نبينا إلى أمه وهي آمنة بنت وهب. ثم قال: وعادت به، أي أن حليمة عادت برسول الله إلى أهلها، أي إلى ديار بني سعد. قال: لأمه وعادت به لأهلها كما أرادت؛ لأن ذلك في نيتها وفي مقصدها أنها ستحاول مع أمه آمنة أن ترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ديارها، وذلك ما قلنا لما رأت أي حليمة من البركات واليمن الذي حل عليها لما احتضنت وأرضعت رسول الله عليه الصلاة والسلام. وجاء في بعض روايات كما ذكرنا في دروس سابقة أن عذرها كان بمسألة تغيير الأجواء في مكة، وأن الجو في مكة لا يلائم بقاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأشار على أمه بإرجاعه إلى ديار بني سعد، فكان كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعادت به لأهلها كما أرادت. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: فبعد شهرين انشقاق بطنه، وقيل بعد أربع من سنه. هذا البيت إخواني في الله، فبعد شهرين انشقاق بطنه وقيل بعد أربع من سنه، هذه مسألة يشير المؤلف رحمه الله تعالى إلى حادثة عظيمة وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي الشهيرة بحادثة شق الصدر. نعم، قد أشرنا في دروس سابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في ديار بني سعد تعرض لهذه الحادثة، إلا أننا قد أشرنا إليها إشارة، لكن نحن الآن في هذا المبحث بما أن المؤلف رحمه الله تعالى قد أوضحها، فحينها سنذكر ونتوسع في ذكر هذه الحادثة؛ لأنها تحتها مسائل وتحتها أحكام. وأولى هذه المسائل والتي قد نقف عندها في هذا اليوم وفي هذا المقام مسألة ألا وهي حادثة شق الصدر التي وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام، والتي مفادها أن رجالا كما في الرواية قدموا على رسول الله فأضجعوه فشقوا صدره وغسلوا قلبه ثم أعادوه كما كان. هذه الحادثة إخواني في الله من أعظم مسائلها هذا السؤال: هل هي وقعت أم لم تقع؟ قد يستغرب بعض الناس من طرح هذا السؤال؛ لأن ولله الحمد قد اشتهر ويعرف هذا القاصي والداني والصغير والكبير، وكل من درس السيرة النبوية يعلم أن هذه الحادثة قد وقعت لرسول الله. لكن يا عبد الله، اعلم أن هناك من نازع في هذه القصة وأنه لم يتقبلها. ولهذا الجواب على هذا السؤال: هل هذه الحادثة وقعت أم لا؟ فاعلم يا عبد الله أن الناس على قسمين: الناس في هذه المسألة من حيث الوقوع وعدم الوقوع على قسمين. القسم الأول، وهم الجمهور الأعظم والأكثر من أهل العلم والفضل، يثبتون هذه القصة من حيث الوقوع، قد وقعت، لكن بقيت هناك مسائل تحتاج إلى نظر. وهذا سنرجئ الحديث عنها إذا جئنا حول هذا المبحث ما يتعلق بالروايات والأحاديث التي جاءت في بيان هذه القصة. ونعرج على الطائفة الثانية، وهم القسم الثاني ممن لم يقبل بهذه القصة، فيرى أن قصة حادثة شق الصدر على الذي سمعتموه من أن النبي أضجع في صغره وتم الشق لصدره وإخراج ما في قلبه وبتغسيله ثم إرجاعه، بهذه التفاصيل التي ستأتي معنا بإذن الله، هذه التفاصيل الناس ردوها. وأعني بالناس عبارة عن طوائف، عبارة عن جماعات، عبارة عن أشخاص، عبارة عن أعيان لهم اتجاهات متعددة، لهم طرق متنوعة في كيفية التعامل مع هذه الروايات والمرويات. وإليك يا عبد الله ما يتعلق بأهم المدارس والفرق والمذاهب والأشخاص الذين قاموا برد هذه القصة وعدم قبولها على ما جاءت به السنة الصحيحة. فمن هؤلاء مثلا من شكك في أسانيد الحادثة، فيطعن في رواياتها ومروياتها، ويرى أنها لا تنهض للحجية. فعرجوا على جميع الروايات المروية في هذا الباب بأنها ساقطة ولا يعول عليها، بل حتى ما جاء في الصحاح لم يقبلوا به. مثل ما جاء في رواية مسلم في إثبات حادثة شق الصدر كما سيأتي معنا بإذن الله، وجدوها أي هذه الطائفة أنها من طريق شيبان بن فرخ، فإذ بهم يلتمسون أقوال العلماء في الطعن في هذا الراوي. كقول الحافظ مثلا بأنه صدوق يهم، أو ما قاله أبو حاتم رحمه الله تعالى بأن الناس اضطروا إلى حديثه مؤخرا. فقالوا: إذن هذه الروايات سقطت من هذا الراوي، إذن هذه الرواية الموجودة في صحيح مسلم ما نعول عليها. إذن ما الذي بقي؟ ما بقي عندهم شيء. فكل الروايات التي فيها إثبات لحادثة شق الصدر يرونها بأنها في الميزان العلمي لا تنهض إلى الحجية. قالوا: ما بقي شيء. ومن أشهر من تناول هذه المسألة بهذه الحيثية الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله، وهكذا تبعه أناس كصاحب كتاب سيرة المصطفى، وهو هاشم الحسيني، سار على هذا المنوال في التعضعيف والتعليل لمرويات أحاديث شق الصدر. طائفة ثانية من المنكرين لهذه القصة من تبنى أن يقول بملء فمه أن هذه القصة مختلقة وأنها مفتعلة قد لفقت، وأنها جئ بها من أهل الجاهلية، هكذا صراحة. جئ بها من أهل الجاهلية وأن ما وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وممن قال بهذا بعض الكتاب الشيعة، كما صرح بهذا جعفر مرتضى العاملي في كتابه الصحيح من سيرة الإمام الأعظم، حيث بين أن هذا ما يصح البتة لرسول الله، وبل هذا مأخوذ من أهل الجاهلية. ثالثا، ممن ذهب كذلك إلى رد هذه القصة هم طائفة ممن يحتج في رده للقصة بأنها تخالف الحس، أو قل تخالف العقل والواقع. يقولون: كيف هذا؟ تقولون بأن رسول الله يعني صغير شق شق في البطن وإخراج ما في القلب ثم إرجاعه، هذا ما يمكن أن نتقبل، العقل البشري يأنف أن يتقبل مثل هذه الأمور. وممن صرح بمثل هذه المناحي المعتزلة، كحال عبد الجبار المعتزلي، يصرح بهذا بأن هذا لا يقبله العقل، فيرد القصة عن ذكر أبيها. رابعا، كذلك ممن رد هذه القصة أو قل ممن تعسف في فهمها جماعة من المستشرقين، وهم كتاب لهم انكبوا على كتب السيرة تحت ما يسمى بالبحث العلمي، وألفوا كتبا وهم رواة لهم شهرة عالمية من حيث الاطلاع في كتب أهل الإسلام، وخاصة كتب السيرة. فإذ بهم أخذوا من هذه القصة من قصة حادثة شق الصدر ما فيه المطعن والمغمز برسول الله عليه الصلاة والسلام، كأمثال نيكلوسون، هذا مستشرق له كتاب في السيرة، وهكذا وليام موير كذلك مستشرق آخر. ما الذي حملوا هذه القصة؟ قالوا: هذه القصة تدل على أن محمدا كانت تنتابه فترات من الصرع، أنه كان يصرع، بدليل هذه القصة التي بأيديكم يا أهل الإسلام، كيف أنه صرع، هذا كان يصطرع. ومنهم من قال: نعم، لهم تحاليل، ولا لست في صدد التطويل في هذا المقام والتذيل لهذه المسألة. بعضهم يرجع أن هذا الصرع إنما أخذه من أمه من تلكم المنامات التي كانت تأتيها. وبعضهم نعم حاول أنه لا يظهر العداء لرسول الله، يقول: هذه النوبة من التشنجات والصرع الذي ينتاب رسول الله وينتاب محمدا لم تؤثر في شخصيته، هكذا يقول، لم تؤثر في شخصيته. خامسا، وممن ذهب كذلك إلى رد حادثة شق الصدر من يسمون أنفسهم بالمدرسة العقلانية في الزمن الحديث، في الزمن المعاصر. قام كتاب ممن ينتمون لهذه المدرسة وأخذوا ينتقدون في دين الله، في العلوم الشرعية ما لا يوافق العقل البشري. فوجدوا أن مما لا يوافق العقل البشري هذه الحادثة، فألفوا الكتب والرسائل التي يردون فيها على هذه القصة بالذات. فمن أشهرهم مثلا من المعاصر الكاتب محمود أبورية، وهذا له كتابات مسمومة في الطعن على السنة النبوية. ومن ما كتبه ما يتعلق بهذا الذي نحن بصدده، فكان من كلامه: بل كان من رواياتهم أي أهل الرواية وأهل الحديث وأهل السنة وكتب التفاسير؛ لأنه كان يشير إلى ما في كتبهم من المخالفات الحسية. قال: بل كان من رواياتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينجُ من نخسة الشيطان إلا بعد أن نفذت طعنة إلى قلبه، أي أن نخسة الشيطان لم ينجُ منها رسول الله قال إلا بطعنة إلى قلبه، وكان ذلك بعملية جراحية تولتها الملائكة بآلات جراحية مصنوعة من الذهب. إلى أن قال: وإن هذه العملية الجراحية لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح عليه السلام، يعني يقول: فوق هذا لو أنكم تتأملون يا من تصدقون هذه الرواية، هذه القصة هي في الحقيقة نفس ما يكون في قضية الصلب أو الصلب الذي وقع وقع للمسيح عيسى عليه السلام عند النصارى يعتقدون أن عيسى صلب. سادسا، ومن هذه المدارس مدرسة وهم طائفة ونخبة من المفكرين، هؤلاء لا يطعنون في أصل القصة، بل يقولون: كون أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع له تطهير ووقع له تقديس لصدره بإخراج ما في قلبه من وساوس الشيطان هذا حاصل. لكن ما وقع هذا بإخراج الصدر، بل إن إخراج الصدر عبارة عن مجاز، عبارة عن أمر مجازي. فهم لا يثبتون جميع التفاصيل، جل التفاصيل يمنعونها، القطع والتقطيع والتخيط هذا ما عندهم. يقولون: نعم القصة صارت وجاء الرجال مسحوا مثلا على صدره مثلا فأزاحوا ما في قلبه من نزغات. نقول: نثبت هذا، أما قطع وشق قالوا: هذا لا نثبته. وأن الروايات التي جاءت نثبتها لكن لا تحمل على ظاهرها، بل هو تعبير مجازي. فهذا إخواني في الله الذي أذكره في هذا المقام هي أهم الآراء والأفكار والمدارس والأهواء لبعض من لم يرتض ولم يسلم للقصة وبوقائعها. وإن شاء الله في دروس قادمة سنذكر ما يتعلق بالمذهب الأول وهو مذهب الجمهور، مذهب جمهور العلماء من أهل العلم والفضل والصنعة والصناعة في إثبات هذه القصة، ونعرج على بعض المسائل التي تفرعت عنها، ونستفيد كذلك في شرح مسائلها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.