الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 19

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 19

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

كفالة عبد المطلب للنبي صلى الله عليه وسلم

انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى كفالة جده عبد المطلب بعد وفاة أمه، وكان عبد المطلب مشفقا جدا عليه ويؤثره على أولاده. تحدث عن كفالة عبد المطلب للنبي صلى الله عليه وسلم واهتمامه به.

حكم عبد المطلب عند الله تعالى

ناقش حكم عبد المطلب عند الله بعد وفاته على دين الجاهلية، وانتقد آراء الرافضة في رفع مقام عبد المطلب يوم القيامة. يشير إلى اعتقاد المؤلف بأن الله قادر على كل شيء وعلم الله تعالى.

وفاة عبد المطلب وانتقال كفالة النبي لأبي طالب

يتحدث عن وفاة عبد المطلب جد النبي محمد عليه الصلاة والسلام وهو في سن الثامنة، ويذكر آراء العلماء في عمر النبي عند وفاة جده، كما يشير إلى وصية عبد المطلب بأن تكون كفالة النبي لأبي طالب.

  • 23 جمادى الأولى 1443هـ - 27/12/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، بالأمس إخواني في الله كان حديثنا في شرح المنظومة المئية عند قول المؤلف وقول الناظم رحمه الله. وبعد ست مع شهر جاري وفاة أمه على الأبواء، وذكرنا ما يتعلق بوفاة أمه عليه الصلاة والسلام، وما كان يتعلق بسنه وعمره حين الوفاء، وما يتعلق بمسألة الأبواء، بل وذكر قصة الوفاء حين ذهبت وراجعت وما كان ومن كان في صحبتها. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: قال وجده للأبي عبد المطلب بعد ثمان مات من غير كذب. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة الجد، أي جد الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو عبد المطلب، ومن حيث الترابط الزمني والتسلسل في حياته عليه الصلاة والسلام. كما أشرنا إلى ذلك في درس أمس أن بعد وفاة أمه انتقل نبينا عليه الصلاة والسلام إلى العيش والحياة عند جده عبد المطلب، وهو والد أبيه. كما قال مؤلف الناظم: وجده للأبي عبد المطلب، فوجده من جهة أبيه، فهو والد أبيه. وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري أنه قال: ثم توفيت أمه، فيتما في حجر جده، فكان وهو غلام يأتي وسادة جده، فتقول الجارية التي تقوده: انزل عن وسادة جدك، فيقول عبد المطلب: دعي ابني، فإنه يحس بخير. ثم توفي جده ورسول الله غلام، وهذا كذلك رواه عبد الرزاق في مصنفه والبيهقي في دلائل النبوة، وهو إن كان مرسلا، لكن هذه اللفظة قد جاءت لها شواهد. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل إلى كفالة جده. وقد ذكر أهل السير والتاريخ كيف أن جده كان مشفقا جدا على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخاصة لحالته، إذ أنه قد أصبح يتيم الأبوين بلا أب ولا أم. وقد بلغ من درجة عناية ورعاية جده به عليه الصلاة والسلام أنه كان يؤثره حتى على أولاده. وقد أطنب العلماء كابن إسحاق رحمه الله تعالى في السيرة بذكر بعض الأحاديث والقصص والحكايات والنماذج الدالة على عظيم الشفقة والرحمة التي كان يتلقاها نبينا صلى الله عليه وسلم من جده. والقصص كثيرة، وإن كان لها بعضها فيه مقال، لكن مما يستدل به ما رواه الطبراني في معجمه الكبير والبيهقي في دلائل النبوة وابن سعد في الطبقات والحاكم في مستدركه من حديث كندير بن سعيد عن أبيه قال: حججت في الجاهلية، فإذا رجل يطوف بالبيت وهو يرتجز يقول: ربي رد إلي راكبي محمدا، ربي رده واصطنع عندي يدا. فقلت: من هذا؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم، ذهبت إبل له فأرسل ابن ابنه، أي أرسل رسول الله عليه الصلاة والسلام في طلبها، فاحتبس عليه، أي أبطأ. قال: فاحتبس عليه ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها، أي كانت من عادة عبد المطلب أنه كان يرسل رسول الله في صغره يرسله إلى حاجة لقضاء الأمور، وكان يوفق نبينا بالقيام بهذه المهمة على وجهها. إلا هذه المرة عندما تأخرت الإبل، أرسله لكي يأتي بها، تأخر نبينا عن الحضور، فحين أخذ أبو طالب يأتي بهذه الأبيات يلتجئ إلى الله، فإن الله يرد إليه محمدا سالما. فكان يقول: ربي رد إلي راكبي محمدا، رده إلي واصطنع عندي يدا. قال: فما برحت حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجاء بالإبل، قال: فاعتنقه عبد المطلب وقال: يا بني، لقد حزنت عليك، وفي رواية: لقد جزعت عليك جزعا لم أجزعه على شيء قط، والله لا أبعثك في حاجة أبدا، لا أبعثك في حاجة أبدا، وذلك طالبا لسلامته وعدم مفارقته عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه ووافقه الإمام الذهبي. وهكذا الحديث قال عنه الهيثمي رحمه الله تعالى في المجمع: رواه أبو يعلى والطبراني وإسناده حسن. وهكذا حسنه جماعة من المعاصرين كصاحب صحيح السيرة النبوية. فالشاهد أن هذه الحادثة هي نموذج من عدة نماذج كانت فيها الدلالة على عظيم الشفقة من جده لرسول الله، أي حفيده عليه الصلاة والسلام. وهذا إخواني في الله مما وعد به الرب: ﴿وَوَجَدَكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾. فربنا سبحانه وتعالى هيأ لنبينا في حال يتمه المأوى المأوى الحسي والمأوى المعنوي، فانتقل من كفالة إلى كفالة إلى كفالة، ما ترك بالعراء، ما ترك سبهلل عليه الصلاة والسلام، وإنما تكفل ربه له بأن يجعله له مأوى يأوي هذه الكفالة الحسية. زد على ذلك الكفالة والمأوى المعنوي، إذ أن القلوب كانت تهوى إلى حبه وإلى التعاطف معه عليه الصلاة والسلام، وخاصة في مرحلة يتمه عليه الصلاة والسلام. وهذا ظاهر في حياته في بادية بني سعد، وهكذا في حياته مع جده، وما سيأتي في حياته في بيت عمه. فالحاصل إخواني في الله أن النبي جلس فترة من زمنه في صغره في كفالة جده عبد المطلب. بقي مسألة ما حكم عبد المطلب، هو قد توفي كما سيأتي في الوقت الذي توفي فيه، لكن هذه الأعمال التي كان يتعامل بها مع رسول الله، ما حكمه عند رب العالمين؟ الجواب الذي قد يعرفه الكل أنه مات على دين الجاهلية، مات على دين الجاهلية من عباد الأصنام والأوثان. لكن من العجب ومن الغرائب ما نسمعه من الرافضة ومن فرقها الضالة، وكلهم في الضلال، أن بعضهم يرى أن عبد المطلب ليس هذا حاله، وأنه ليس من أهل الجاهلية، بل أن الله عز وجل رفع مقامه ومقداره. فذكر الكليني في كتابه الكافي عن جعفر الصادق أن عبد المطلب يبعث يوم القيامة أمة وحده، عليه بهاء الملوك وسيم الأنبياء. ونحن نقول: سبحان الله، هذا يقال في حق عبد المطلب الذي مات على دين الجاهلية، ويقابل هذا أنهم يرمون بالكفر والشرك والردة على أزواج رسول الله وعلى صحبه الكرام. هذا من الأعاجيب، سبحان الله، تأتي إلى رجل مات على الشرك والكفر، ما جاء في حقيق نص قرآن ولا حديث نبوي أبدا، ثم أنتم تلمعون من هذا الرجل وتجعلونه يبعث يوم القيامة وحده وعليه سيم الأنبياء؟ لما هذا؟ وبالمقابل تبخلون في أدنى هذه الأوصاف فقط في حق أزواج رسول الله وصحبه الكرام. ما نريد منكم فضائل، فقط اعترفوا بإسلامهم، هم ما يعترفون بإسلام أزواج الرسول ولا صحبه، بل هم يرونهم من المنافقين النفاق الاعتقادي الذين هم في الدرك الأسفل من النار. هذا شأن الرافضة، فهم قوم انتكست عندهم المفاهيم، سواء على مستوى العام والخاص. وهذا يذكرون بما حكمهم بما يذكرونهم في عمر بن الخطاب وفي قاتله أبو لؤلؤة المجوسي. نحن نترضى عن عمر، وبينما نكيل بالسباب والشتم واللعنات على أبي لؤلؤة المجوسي من عباد النار، بينما الرافضة عكسوا، فعندهم أن عمر يسب ويشتم ويلعن، وأما قاتله فهو يمدح، بل له مزار في إيران يسمى بباب شجاع، وهو قاتل عمر يمجدونه ويعظمونه ويقدسونه. سبحان الله، وزد على ذلك ما هو أعم من هذا على مستوى الأديان، فالروافض والشيعة يقربون اليهود ويقربون النصارى. وانظر إلى طهران مثلا تجد فيها الصوامع بالمئات، صوامع اليهود والبيع هناك والكنائس تضرب النواقيس في قلب طهران، لكن إن سألت عن جامع واحد لأهل السنة لا يوجد، لا يرخص لهم أن يقيموا جوامع في قلب طهران. هؤلاء دسيسة على أهل الإسلام. فالحاصل أن من الحديث جرى بعضه لبعض، لكن الذي يهمنا أن عبد المطلب مات على الكفر ومات على الشرك. قال الناظم رحمه الله تعالى: وجده للأبي عبد المطلب بعد ثمان مات من غير كذب. فقوله بعد ثمان مات من غير كذب، الناظم رحمه الله تعالى يذكر لنا أن عبد المطلب قد توفي في صغر رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ أن رسول الله قد بلغ ثمان سنين. وقد ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في حاشيته على هامش صحيح السيرة أن عن ابن إسحاق قال: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله أن عبد المطلب توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثمان سنين. أي بعد وفاة أمه بسنتين، قد تقرر معنى أن أمه قد ماتت ونبينا قد وهو في السن السادسة، والآن جده قد مات وهو في السن الثامنة، إذن إنما جلس في كفالة عمه لمدة عامين. وهذا القول وهو أن النبي مات وهو في السن الثامنة، هذا الذي رجحه جماعة من العلماء كابن إسحاق وابن سعد، وهو قول كثير من أهل العلم. وإن كان بعضهم خالف في ذلك، فالطبري رحمه الله تعالى في تاريخه يرى أن عمر النبي كان عشر سنين، بينما ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب يرى أن عمر الرسول كان ثلاث سنين. والصحيح ما سمعتموه، وعلى هذه دلت الآثار، وينهض بعضها لبعض في الاعتضاد والاستشهاد من أن النبي كان عمره ثمان سنين عندما توفي جده. ومن باب الفائدة يقول العلماء أن عبد المطلب قد عمر فقد عاش عمرا مديدة. وقد ذكر ذلك ابن سيد الناس كما في عيون الأثر، وذكر جماعة من العلماء العمر الذي يتوقع لعبد المطلب، قيل أنه عاش إلى مئة وعشر سنين، ومنهم من قال أن عمره كان مئة وعشرين عاما، ومنهم من زاد ومنهم من أنقص. لكن تدل روايات على أنه عمر. وقد ذكر العلماء إخواني في الله أن جده قبل أن يموت أوصى بأن تكون كفالة حفيده محمد عليه الصلاة والسلام أن تكون لأبي طالب من بعده، شعر بقرب منيته فأوصى بهذه الوصية بأن تكون كفالة محمد عند أبي طالب. وأبو طالب ماذا يعد؟ يعد عم الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ أن عبد الله وهو أبو الرسول، عبد الله وأبو طالب عبارة عن إخوة أشقاء. لهذا تكفل أوصى الجد أن تكون كفالة الرسول عليه الصلاة والسلام عند عمه. وهذه مرحلة أخرى سيذكرها المؤلف رحمه الله تعالى حول انتقال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى كفالة عمه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.