الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ناقش المؤلف حادثة شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وتحديد سنه عندها، ثم وفاة أمه آمنة بنت وهب. كان النبي في السادسة من عمره عند وفاتها.
توفيت آمنة أثناء عودتها بالنبي من زيارة لأخواله في المدينة، وتأثر النبي بوفاتها. زار قبرها بعد النبوة وبكى هناك.
يتناول المقطع حكمة الله في جعل النبي يتيمًا لترقيق قلبه وتحمل أعباء الدعوة. رد على المبطلين الذين يزعمون أن النبي تلقى توجيهات من آبائه.
المقطع يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي وآله وصحبه. يُظهر احترامًا وتواضعًا لله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في دروس سبقت، إخواني في الله، في حديثنا عن هذه المنظومة المئية في ذكر وبيان حال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام، كان العروج على حادثة شق الصدر التي تعرض لها نبينا عليه الصلاة والسلام في صغره. وقد أظلنا البحث في ذكر أهم المباحث المتعلقة بهذه الحادثة، من وقفة مع المخالفين، ثم وقفة مع الموافقين، وما كان من مسائلهم حول تعداد هذه الحادثة، كم تكررت، إضافة إلى ذلك مسائل متعلقة بعملية الشق، ما الذي وقع لرسول الله عليه الصلاة والسلام من أمور ومن تغيرات. وبهذا انتهينا من أهم المسائل المتعلقة بهذه الحادثة. إذن قول المؤلف رحمه الله تعالى: «فبعد شهرين انشقاق بطنه وقيل بعد أربع من سنه». وختام المبحث في هذا البيت إشارة إلى مسألة كذلك متعلقة بحادثة شق الصدر، قال: وهو تحديد العمر والسن الذي وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام. فالمؤلف مال ورجح إلى أن هذه الحادثة وقعت لرسول الله وقد استكمل السنتين وبضعة أشهر. فقوله: «فبعد شهرين» أي بعد الشهرين من كمال العامين الذي انتهى منه الرضاع، إن شقاق بطنه، فويمين إلى هذا المذهب، وقد قال به جماعة من أهل التاريخ والسير كابن إسحاق رحمه الله تعالى، وجماعة. قال: «وقيل بعد أربع من سنه». وهناك قول آخر أن هذه الحادثة وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام وله أربع سنوات. وهذا القول وإن كان المؤلف رحمه الله تعالى أورده على صيغة التمريض، قال: «وقيل»، لكن هو القول القوي في هذه المسألة، هو قول وجيه في بيان السن التي وقعت لرسول الله فيها هذه الحادثة. ولهذا ذهب جماعة من المحققين من العلماء إلى أن العمر الصحيح والسن الصحيح التي فيها يتوقع أن تكون وقعت لرسول الله وهو في سن أربع سنين، لأن يستشكل مع من قال أنه ابن سنتين، لأن القصة دارت على أن النبي كان يرعى الغنم، وهل من المعقول أن يكون في هذا السن، في سن عامين يرعى غنم؟ يستبعد هذا جدا، بخلاف أربع سنين، نعم يتوقع أن يخرج مع أصحابه وإخوانه من الرضاع فيرعى معهم مع صغره، فهذا يتوقع. فذهب جماعة من أهل العلم إلى ذلك، كما جزم بذلك الإمام العراقي رحمه الله تعالى، وهكذا ابن حجر. بل نقل صاحب اللؤلؤ المكنون عن ابن سعد في الطبقات بأن القول بأربع سنين هو قول أكثر العلماء من المحققين. ولهذا يعتبر هذا القول من أقوى الأقوال. فبين قائل بسنتين ومن قائل بأربع سنين، ونقل عن ابن عباس قول قريب من هذا أن الحادثة وقعت لرسول الله وهو ابن خمس سنين، فهو قريب من الأربع، وهو ينصر ويؤيد هذا المذهب. ثم قال رحمه الله تعالى: «قال وبعد ست مع شهر جائي وفات أمه على الأبواء». في هذا البيت كذلك بيان لمرحلة مرت على نبينا عليه الصلاة والسلام، وهي من المرحلة التسلسلية في حياته عليه الصلاة والسلام بعد حادثة شق الصدر. وما رأته حليمة مما وقع لرسول الله، وكيف أنه قد تغير وجهه وأثر المخيط على صدره، وهؤلاء الرجال الذين أبطحوه وشقوا بطنه، كل ذلك أوجد عند حليمة الخوف لهذا الطفل، وليس ابنها، بل هو ابن الناس. فما كان من أمرها إلا أن أخذت نبينا عليه الصلاة والسلام وأرجعته إلى أمه وأخبرته بخبره. فرجع نبينا إلى أمه وهو في هذا السن، كما قلنا بسن أربع سنين، إلى أن بلغ ست سنين عليه الصلاة والسلام. وهذا قول مؤلف: «وبعد ست سنين مع شهر جائي» أي أضف فوق ست سنين شهر، وقع له أمر في هذا العمر، بعد مرور ست سنين مع شهر. قال: «وبعد ست مع شهر جائي وفاة أمه» وفاة أمه، أي ماذا؟ وفاة أمه، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشية. وهذا التحديد الذي أذكره المؤلف رحمه الله تعالى أن أم الرسول توفيت وهو ابن هذا العمر، ابن ست سنين. نعم، هذا قول قد جاءت به آثار يحسنها جماعة من العلماء، أوردها ابن إسحاق رحمه الله تعالى، وتلقاها الكثير من أهل العلم بالقبول. ولهذا قول أكثر العلماء على تصحيحها والعمل والقول بهذا السن، من أن النبي أمه قد توفت عنه وهو ابن ست سنين. وممن ذهب إلى ذلك كما ذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى. قال: «ثم وبذلك جزم ابن سعد وابن فارس وذكر الدمياطي الإمام الدمياطي». ومما ذهب إلى هذا القول كذلك ابن إسحاق وابن كثير والعراقي وابن حجر، وهكذا ابن القيم رحمه الله تعالى في الزاد، حيث قال: «ولم يستكمل إذ ذاك سبع سنين» أي وفاة أمه قد وقعت لرسول الله وهو لم يستكمل سبع سنين، أي في عمر الست. فأكثر العلماء على هذا القول المشهور من أن أمه قد توفت وهو في هذا السن، كما قال المؤلف: «وبعد ست مع شهر جاري وفات أمه على الأبواء». والأبواء هي منطقة بين مكة والمدينة، بين مكة والمدينة. وأصل القصة حتى نتعرف عليها كما جاء ذكرها في كتب السير والتاريخ حول وفاة أمه كيف كان؟ قال العلماء أن أمه آمنة أرادت أن تزور أخوال النبي عليه الصلاة والسلام، وهم من بني النجار، وهم في المدينة. فخرجت من مكة ومعها ابنها محمد عليه الصلاة والسلام وخادمتها أم أيمن، ومعهم عبد المطلب جده، خرجوا هؤلاء إلى المدينة لهذه الزيارة، فمكثت آمنة، وطبعا كان نزولهم في دار النابغة الجعدي، وهو المكان الذي توفي فيه أبوه. فمكثت آمنة شهرا في المدينة لهذه الزيارة العائلية، فبعد شهر أرادت أن ترجع، فعند رجوعها بدأ عليها مرض في أول طريقها، ابتدأ عليها أعراض مرض، ثم اشتد عليها المرض حتى جاءتها المنية وهي في الأبواء. وكما قلنا هي منطقة بين مكة والمدينة في هذا الطريق المنتصف، وهو قريب من الجحفة، جاءتها المنية وتوفت أمه. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «لا خلاف أن أمه ماتت بين مكة والمدينة». فهذا قصد المؤلف رحمه الله في قوله: «وبعد ست مع شهر جاء وفاة أمه على الأبواء». وبعد ست السنين وفاة أمه على الأبواء، أي في منطقة تسمى الأبواء. وهنا مسائل، إخواني في الله، متعلقة بهذا الباب. المسألة الأولى أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تأثر جدا بوفاة أمه، وكيف له أمه، وخاصة لما كبر سنه عليه الصلاة والسلام ونزل عليه الوحي. وكان من شأنه أشد ما آلمه صلوات ربي وسلام عليه أن أمه لم تدرك البعثة. ولهذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي». قال: «فزوروا القبور فإنها تذكر بالموت». هذا حديثه، وهذا قوله عليه الصلاة والسلام. قال الإمام القاضي عياض رحمه الله تعالى معلقا على هذا الحديث: «بكاؤه صلى الله عليه وسلم على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به». هذه المسألة الأولى. المسألة الثانية مما يستفاد من هذه القصة أن النبي عليه الصلاة والسلام بوفاة أمه قد أصبح يتيم الأبوين، قد أصبح يتيم الأبوين. فأبوه مات وهو حمل في بطن أمه، وقد مر هذا معنا، وها نحن نذكر الآن أن أمه قد توفيت عنه وهو ابن ست سنين. فهو قد وصل إلى مرحلة اليتم في الصغر بموت أبيه وبموت أمه، وذلك لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى. وحاول العلماء أن يذكروا ما هي الحكم المرادة من إيجاد رسول الله على هذه المرحلة من اليتم في صغره. فمن أهل العلم من ذكر أن من العلل في هذا الباب قال: أن لا يكون لأحد من الخلق على رسول الله منه سوى ربه سبحانه وتعالى، لا أحد يمن عليه بماذا؟ بتعليمه، بإرشاده، بتهيئته، لا، ما هناك أحد. فهو اليتيم ما عنده أحد. من الذي علمه؟ من الذي هذبه؟ من الذي آواه؟ هو ربه، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾. سبحانه، فكان هذا من أعظم العبر الذي تستفاد من حياته عليه الصلاة والسلام. أن النبي لا يتعلق بأحد من البشر، ولا أحد بعد ذلك يقول: أنا فعلت معه، وأنا أديت، وأنا ربيت، وأنا علمت، ما هناك أحد عليه منه. أبوه مات وهو في بطن أمه، وأمه وهو في ست سنين، غالب حياته قد عاشها في البادية. ولهذا قال: «ولقد سئل جعفر بن محمد الصادق رحمه الله، قيل له: لما أوتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ أي لما جعل يتيما؟ لما أوتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لألا يكون لمخلوق عليه حق، لألا يكون لمخلوق عليه حق». هذه علة واضحة البيان، وهي لعل ذلك من الحكم التي أرادها الله من هذه المرحلة. كذلك قال علماء: أن في حياة يتمه من ترقيق القلب، ومن الشعور بالرحمة، ومن العواطف الإنسانية التي يستشعر بها اليتيم لغيره، لأنه عاش هذه المراحل. فيعرف هذه المآسي التي يعيشها من كان محروما، فيكون في قلبه من اللين ومن الرحمة ومن التواد ما ليس عند غيره. وهذا قد ظهر جليا في حياته عليه الصلاة والسلام، أنه كان من أرحم الناس، كما قال أنس، بل كما قال ربه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فلعل مما هيأ له هذا الخلق العظيم ما كان في يتمه عليه الصلاة والسلام، أن عاش على هذه المعاني السامية من الرفق واللين والرحمة والعطف. فهذه حكمة من الله سبحانه وتعالى. كذلك ذكر العلماء أن من الحكم في هذا الباب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يتيما، لا عنده أحد من أقاربه ولا من أرحامه، لا من أب ولا من أم، وكما سيأتي لا من جد ولا من عم. أن من ذلكم أنه فيه رد على المبطلين، رد على المبطلين الذين لربما سيتحججون علينا، بل وعلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذا كبر بين كنفي أبويه أو بين أجداده، لربما قال من قال من الضالين والمضلين: أن هذا النبي، وهو محمد، كما تزعمون يا مسلمون، أن هذا محمدا إنما يريد ويتلقى الأوامر ليس من ربه، وإنما يتلقى التوجيهات من آبائه وأجداده. تحت ما يسمى بالنبوة، فهو يطالب بالسلطة ويطالب بالجاه، هذا إذا قدر أنه قد عاش في كنفي آبائه وأجداده. لكن من حكمة الله أن الله ما ترك له أحد، لا من أب ولا من جد، حتى لا يكون لأحد بعد ذلك ماذا؟ التنقص، أو أنه يشير بطرف خفي أن محمدا ما أراد من النبوة إلا ستار، وهو الوصول للجاه والهيمنة، وذلك من إرشادات وإملاءات آبائه وأجداده. لكن أين آبائه؟ لا أحد، أين أجداده؟ لا أحد، فهو يتيم عليه الصلاة والسلام. هذا مما ذكر من الحكم. زد على ذلك، منه من قال: كذلك من مرحلة حياة اليتم التي عاشها نبينا عليه الصلاة والسلام، فيه ما يكون إعدادا له، إذ أن اليتيم إذا نشأ في يتمه سيعتمد على نفسه. فليس عنده أب يقوم برعايته وعنايته، وليس عنده أم تعطيه من حنانه وعطفه، ما عنده لا هذا ولا ذلك، إذن سيعتمد على نفسه. وهذا الاعتماد على النفس في شق طريقه للحياة، سيعوده في أن يتحمل أعباء الدعوة فيما سيأتي، وهو أعظم بكثير من ذلك. فقد تصبر صلوات ربي وسلام عليه على ما شاق الحياة منذ صغره، وكان ذلك من فضل الله عليه أن يعتمد على نفسه، وكان ذلك من خلال مرحلة اليتم. وكم وكم يذكر العلماء من العلل والحكم في حياة اليتم التي عاشها نبينا صلى الله عليه وسلم. وإنما كان ذلك لحكمة أرادها الله جل في علاه، علمها من علمها وجهلها من جهلها. وذكرنا لكم شيئا مما أورده العلماء من هذه العلل والحكم. بعد موت أمه قامت خادمتها، وهي أم أيمن، والتي صحبتها في زيارة المدينة مع الرجوع، قامت ماذا؟ بحضانة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد مر معنا أن أم أيمن تعتبر من الحواضن التي حضرت رسول الله، فقام بتربيته. ثم أصبحت وهي كانت مولاة لأبيه، ثم ورثها نبينا صلى الله عليه وسلم، فكانت مولاة له عليه الصلاة والسلام. ثم بعد ذلك أرجع وأصبح في كفالة جده عبد المطلب، وسأتي معنا، وكما سيشير المؤلف رحمه الله تعالى إلى هذه المرحلة من مراحل حياته عليه الصلاة والسلام، أن عاش عند جده، وما وقع فيه من مسائل. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.