الدرس في التعليق على دليل السالك إلى ألفية ابن مالك 81، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور حكم التعليق كأحد أحكام ظن وأخواتها مبيناً أنه يبطل العمل لفظاً مع بقائه محلاً لوجود فاصل له هو كلام الابتداء. ويفصل الفرق بين تعليق المفعولين معاً وتعليق المفعول الثاني فقط مع بيان الإعراب في الحالتين.
يتناول هذا المحور كيفية تعليق أفعال الظن وأخواتها عن العمل في مفعوليهما بواسطة حروف النفي ولام الابتداء ولام القسم. ويوضح إعراب الأمثلة القرآنية والنحوية لكل نوع من أدوات التعليق المذكورة.
يستعرض هذا المحور صور تعليق الفعل عن العمل عند دخول أداة الاستفهام مبيناً ثلاث حالات تتعلق باسم الاستفهام والمضاف إليه والمسبوق بحرف استفهام. كما يبحث أحكام الإلغاء عند ابن مالك والفرق بين التوسط والتأخر مع وجوب التعليق بأدوات النفي والابتداء والقسم.
يحدد هذا المحور شروط تحقق التعليق النحوي مشترطاً تقدم العامل على أدوات النفي والاستفهام واللامين. ويختتم المتحدث الشرح بالاكتفاء بهذا القدر من البيان حول أحكام التعليق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى آله وصحبه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الشارح حفظه الله تعالى: قال: أما التعليق فهو إبطال العمل لفظاً لا محلاً. هذا الحكم الثالث من أحكام ظن وأخواتها. فقلنا في الدرس الماضي: إن ظن وأخواتها لها ثلاثة أحكام: الإعمال، والإلغاء، والتعليق. ذكرنا الإعمال والإلغاء، فبقي التعليق. قال: أما التعليق فهو إبطال العمل لفظاً لا محلاً، يعني لا يلغى كالذي قبله العمل، إنما يبقى العمل لكن يكون في المحل دون اللفظ. يكون العمل في المحل دون اللفظ. لماذا؟ لمجيء ما له صدر الكلام بعد الفعل الناسخ. السبب: أن بعد هذا الفعل يأتي أمر له الصدارة في الكلام، فلا بد أن يفصل بين العامل والمعمول، بين الفعل والمفعول. فبسبب هذا الذي له صدر الكلام يلغى العمل لفظاً ويبقى محلاً. قال: ومعناه منع الناسخ من العمل الظاهر، وهو النصب في لفظ المفعولين معاً أو لفظ أحدهما. يعني التعليق قد يكون في المفعولين جميعاً، وقد يكون في أحدهما. قال: أما في المحل والتقدير فهو عامل، يعني يكون ما بعد ما له صدر الكلام في محل نصب مفعولي هذا الفعل. فمثلاً: علمت الإسبال محرماً. تجد الفعل علماً قد نصب المفعولين مباشرة: الإسبال المفعول الأول، ومحرماً المفعول الثاني. إذن هنا عامل الفعل في المفعولين. قال: فإذا قلنا: علمت للإسبال محرم، لم ينصب الفعل علماً شيئاً في الظاهر. فالإسبال هنا مبتدأ، ومحرم خبر. علمت للإسبال محرماً. السبب: لأنه جاء هذا اللام، لام الابتداء، التي لها صدر الكلام، فألغى لفظ العامل في العمل وبقي المحل. فتقول: المبتدأ والخبر في محل نصب مفعولي علماً، واضح، في محل نصب مفعولي علماً. قال: بسبب وجود مانع من ذلك، وهي لام الابتداء التي فصلت الفعل الناسخ عن مفعوليه لأن لها الصدارة. ولكن هذا الفعل نصب المحل. فتقول عند الإعراب: الإسبال مبتدأ، ومحرم خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب سدت مسد مفعولي علماً، واضح. فيكون العمل في المحل لا في اللفظ. وإذا قلت: علمت الإسبال لهو المحرم، فإن الفعل علق عن العمل في المفعول الثاني دون الأول، لأن الأول ما فصل بينه وبين عامله فاصل. الفاصل جاء بعده، لم يأت قبله. فإذا أتى الفاصل بعده يبقى المفعول الأول على ما هو عليه، فيكون منصوباً على أنه مفعول به أول. قال: فجملة لهو المحرم في محل نصب سدت مسد مفعولي. يعني تقول في الإعراب: علمت الإسبال لهو المحرم. تقول: علمت فعل وفاعل، والإسبال مفعول به أول، واللام لام الابتداء، وهو مبتدأ، والمحرم خبر، والجملة «هو المحرم» سدت مسد المفعول الثاني لعلمت، سدت مسد المفعول الثاني لعلمت. فالتعليق هنا يعني قاصر على المفعول الثاني فقط دون الأول، لأن الفاصل جاء بعد الأول وقبل الثاني، فعلق الثاني عن العمل. قال: فجملة لهو المحرم في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني. وبهذا يتبين أن التعليق قد يقع للفعل الناسخ عن كلا المفعولين، كما في المثال الأول: علمت للإسبال محرماً، هذا وقع في كلا المفعولين. وقد يأتي المفعول الأول منصوباً صريحاً، والتعليق في الثاني، المثال الثاني: علمت الإسبال لهو محرم. فهنا أتى المفعول الثاني في المحل، علق عن الأول لم يعلق. وقد يأتي المفعول الأول منصوباً صريحاً، فيكون التعليق عن الثاني فقط. قال: والمعلق عن العمل أنواع. المعلق يعني: ما هي الأشياء التي تعلق المفعولين أو أحدهما عن العمل؟ واضح. قال: الأول: حروف النفي: ما، وإن، ولا، دون غيرها. يعني دون غيرها من حروف النفي. فهذه الثلاث الحروف هي التي تختص بالتعليق إذا أتت بعد الفعل. مثال ما: علمت ما التهور شجاعة. عندكم شجاعة؟ ها، لماذا شجاعة؟ لأن ما هنا باعتبارها عامل عمل ما الحجازية، عمل ليس، طيب عمل ليس. فشجاعة هنا ليس مفعولاً لعلمت، وإنما هي خبر لما النافية. فيكون الإعراب: علمت فعل وفاعل، وما نافية حجازية، والتهور اسمها، وشجاعة خبرها منصوب، والجملة في محل نصب مفعولي علمت، واضح. قال تعالى: ﴿ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ﴾. ظنوا فعل وفاعل، وما هنا نافية، ولهم جار ومجرور خبر، ومن محيص: من هنا زائدة توكيد وصلة، ومحيص يكون هنا اسم ما الحجازية. إذا جعلنا ما حجازية، والجملة من الاسم والخبر في محل نصب مفعولي ظنوا. وقال تعالى: ﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ﴾. جملة ما لهم من محيص في محل نصب مفعولي يعلم. يعلم من أخوات ظن. وأما الذين: فهو فاعل يعلم، ويجادلون في آياتنا: صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. ومثال إن: وجدت إن التحيل جائز، أي: ما التحيل جائزاً. إذا جعلنا إن هنا حجازية، يكون إن التحيل جائزاً. طيب، ونجعلها مجرد النفي. قال تعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. يعني: ما لبثتم. فإن وما دخلت عليه في محل نصب مفعولي تظنون. ومثال لا: لا النافية للجنس. نحو: لا الفيت للإفراط محمود، ولا التفريط. الإفراط مبتدأ، ومحمود خبر، والجملة في محل نصب مفعولي اللفت، اللفت. ومثال لا، ومثال لام الابتداء، أو لا الثانية لام الابتداء. يعني من المعلقات التي تعلق ظن وأخواتها عن العمل: لام الابتداء. نحو: علمت لزوال النعمة بكفرها. فاللام هنا يقال فيها: لام الابتداء. والزوال مبتدأ، زوال مبتدأ ومضاف، والنعمة مضاف إليه، وبكفرها الجار والمجرور متعلق بالخبر. فيكون جملة زوال النعمة بكفرها في محل نصب مفعولي علم. قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لِمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾. الشاهد منه: لمن اشتراه. اللام هنا لام الابتداء. وما يعرب: من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق. من: اسم موصول في محل جر بحرف الجر (اللام) متعلق بـ علموا. ما: نافية. له: جار ومجرور خبر ما. في الآخرة: متعلق بخبر. من خلاق: اسم ما. الجملة في محل رفع خبر من. وسدّت مسد مفعولي علموا، سدّت مسد مفعولي علموا. ثالثاً: لام القسم. نحو: علمت لا يحاسبن المرء على عمله. لا يحاسبن المرء على عمله. يحاسبن: النون هنا نون التوكيد، والمرء فاعل. فجملة يحاسبن المرء على عمله سدت مسد مفعولي علم. ومنه قول الشاعر: «ولقد علمت لتأتي المنية، إن المنايا لا تطيش سهامها». ومعنى البيت: المنية الموت. يعني: علمت أن الموت قادم لا محالة. ثم قال: إن المنايا عن الموت لا تطيش، يعني: لا تخيب ولا تخطئ. فمن جاءه الموت فهو ميت لا محالة، لا يسلم من الموت، لا يسلم من الموت. الشاهد: لتأتي المنية. هذه الجملة صلة الموصول، فالجملة سدت مسد مفعولي علم. قال: الرابع: الاستفهام، وله ثلاث صور. يعني: مما يعلق الفعل عن العمل إذا أتى الاستفهام بعده بعد العامل، وله ثلاث صور. الأولى: أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام. نحو: علمت أيهم مواظب على الصلاة. أي هنا اسم استفهام. فكيف تعرب هذا؟ تقول: علمت فعل وفاعل، وأي اسم استفهام مبتدأ مضاف، ومضاف إليه، ومواظب خبر، والجملة من المبتدأ والخبر سدت مسد مفعولي علم. ومنه قوله تعالى: ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ ﴾. أي هنا استفهام، فيكون مبتدأ، مضاف، الحزبين مضاف إليه، وأحصى خبر، والجملة سدت مسد مفعولي نعلم. إذن هنا أحد المفعولين نفسه هو المعلق الذي علق الفعل عن العمل. الثانية: أن يكون أحد المفعولين مضافاً إليه اسم استفهام. يعني: ليس هو اسم استفهام، لكنه مضاف إلى اسم استفهام. نحو: علمت صاحب أيهم المواظب. فصاحب هو المبتدأ ومضاف، واسم الاستفهام هو المضاف إليه، والمواظب هو الخبر. وجملة المبتدأ والخبر سدت مسد مفعولي علم. الثالثة: أن يكون أحد المفعولين دخلت عليها أداة استفهام، يعني حرف استفهام متقدم. نحو: علمت أَعلي مسافر أم خالد. فعلي هنا مبتدأ، لا تقول: علياً، لماذا؟ لأنه تقدمه حرف استفهام وهو الهمزة. ومنه قول تعالى: ﴿ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ ﴾. أقريب: الهمزة استفهام، فقريب مبتدأ، وما هنا خبر، فالجملة سدت مسد مفعولي أدري. قال ابن مالك في الإلغاء: جوز الإلغاء. أي: إن الإلغاء جائز لا واجب. وهذا تقدم معنا مع ذكر الراجح أو الأقوى. فقلنا: عند التوسط يكون الإعمال أقوى، وعند التأخر يكون الإعمال أو الإلغاء أقوى، ومنهم من ساوى بينهما. قال: ولا يكون إلغاء حين يكون الناسخ في ابتداء جملته، أي متقدماً على المفعولين. مثل: ظننت زيداً قائماً. هذا لا يكون هنا إلغاء لأن الناسخ هنا متقدم، ما توسط ولا تأخر، أي متقدماً على المفعولين. فإن جاء في كلام العرب ما ظاهره إلغاء العامل المتقدم، فإنك تقدر ضمير الشأن أو لام الابتداء على ما بينا سابقاً. وهذا ما ذهب إليه ابن مالك. وقلنا: لو قيل إنه يجوز ذلك ويكتفى فيه بما سمع، لكان أبعد عن التكلف، لكان أبعد عن التكلف. وقال في التعليق: والتزم التعليق. أي: يجب التعليق إذا وقع العامل قبل ما النافية، أو إن، أو لا. وكذلك يعلق العامل إذا وقع قبل لام الابتداء، أو لام القسم. وقوله: الاستفهام، ذا له حتم. أي: ذا، أي التعليق والتقدير، السبب وجب لأجله التعليق. فالتعليق يكون إذا وقع العامل قبل ما النافية، أو إن، أو لا النافية، أو قبل لام الابتداء، أو لام القسم، أو الاستفهام. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله أعلم، شكراً.