الدرس في كتاب البيع 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الاحتكار هو حبس السلع لزيادة ثمنها، وقد نهى النبي عنه ووصف فاعله بالخاطئ. الاحتكار من البيوع المنهي عنها، خاصة احتكار الطعام.
التسعير لا ينبغي فرضه، لكن يمكن للحاكم التدخل بوضع حد أقصى للأسعار عند الضرورة. وضع الجوائح أمر شرعي لمنع الظلم في البيوع.
نهى النبي عن بيعتين في بيعة وبيع العينة، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى الربا. هناك خلاف بين أهل العلم حول تفسير هذه الأحاديث.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وأزواجه وصحبه ومن والاه. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: والاحتكار من البيوع المنهي عنها. الاحتكار والاحتكار هو حبس السلعة حتى يزيد ثمنها، أو حتى يحتاج الناس إليها، فيخرجها لأجل أن يرفع ثمنها. وهذا الاحتكار جاء النهي عنه في حديث معمر بن عبد الله في صحيح مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يحتكر إلا خاطئ». وجاء أيضًا حديث أبي هريرة، لكنه فيه ضعف. فالاحتكار -وهو كما قلنا- حبس السلعة حتى يزيد ثمنها، أو حتى يحتاج الناس إليها، فيخرجها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحتكر إلا خاطئ». والخاطئ غير المخطئ، المخطئ الذي يفعل بغير عمد، والخاطئ هو الذي يفعل الخطأ بعمد. يقال: مخطئ، ويقال: خاطئ. المخطئ هو الذي يفعل الخطأ بغير عمد، وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به. هذا مخطئ. لكن الخاطئ هو الذي يتعمد الخطأ. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحتكر إلا خاطئ». قال بعض العلماء: إنه لا يجوز احتكار الطعام. جاء عند أحمد حديث ابن عمر: «من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد بريء من الله وبرئ الله منه»، لكن سناده لا يصح. فهذا معنى الاحتكار، وكل من حبس السلعة لأجل هذا المعنى هو داخله بالاحتكار. أما التسعير، فمعناه أيضًا جاء النهي عنه عند الترمذي وأحمد وأبي داود. أن السعر غلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا. فقال: «إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال». وهذا الحديث حديث صحيح من حديث أنس بن مالك. فيه أن التسعير لا ينبغي للإنسان أن يضع تسعيرًا للناس يلجمهم به، ولو كان حاكمًا. وإنما يجعل الناس يرزق بعضهم بعضًا؛ لأنه في تحديد السعر لا يستفيد الناس كثيرًا. لكن إذا لم يحدد السعر، فيستفيد التاجر ويستفيد أيضًا المشتري. فهذا تعامل بين الناس، فالتسعير يمنع مثل هذه الأشياء. وأجازه بعض العلماء إذا كان هذا معناه إذا غلا السعر، ووضع التجار أسعارًا باهظة، وليست على السلعة، فلا بأس أن الحاكم يتدخل. لكن لا يتدخل بتسعيره، وإنما يتدخل بأن يحد أنه مثلًا لا تزيد السعر على كذا. وأما وضع الجوائح، فالجمع جائحة، وهي ما يسمونها الآن الكارثة، التي تحصل للمزارع وغيرها. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بوضع الجوائح. وجاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله. وجاء في لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت بعت من أخي تمرًا، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا؛ بما تأخذ مال أخيك». فوضع الجوائح أمر شرعي. ومعنى وضع الجوائح: مثلًا إنسان اشترى شيئًا من آخر، ولم يقبضه، ولم يدخل في ضمانه، فحصلت له آفة. فقال: اشترى مزرعة، اشترى مزرعة، لكنها لم تدخل في ضمانه بعد، فجاء السيل وأخذ المزرعة. فإذا قبضها وأخذ الأرض، فهذا الضمان عليه. لكن إذا لم يقبضها، فلا يجوز له أن يأخذ مال أخيه. ولا يحل سلف وبيع، وشرطان في بيع. وهذا جاء في حديث عبد الله بن عمر بن العاص، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عنده». وهذا حديث صحيح. والسلف هنا على قول أكثر العلماء: أن المراد به القرض. لا يحل سلف وبيع، ومعناه قرض وبيع في عقد واحد. ومعناه أن يشترط عليه في القرض، فيصير قرضًا جر نفعًا. إما أنه يقرضه لأجل أن يرخص له في الثمن. وقيل: أن المراد بالسلف هنا السلم؛ لأن السلف قد جاء بمعنى السلم. أن النبي قال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، وزن معلوم، إلى أجل معلوم». فجاء السلف بمعنى السلم. ومعنى شرطان في بيع، هذه المسألة حصل خلاف فيها بين أهل العلم. فجاء في بعض تفسيره: أنه البيعتان في البيعة، أو الشرطان في البيعة. أن يشترط أن يقول مثلًا: أبيعك نقدًا بكذا، وأبيعك نسيئة بكذا. أن يجعل النقد بثمن، والنسيئة بثمن. مثل ما يسمونه الآن بيع التقسيط. فسره بعضهم بهذا. وأما جمهور العلماء فلم يفسروه بهذا. عند الشافعي وأحمد، قالوا: لأن هذا بيع واحد فقط. هذا بيع نقد، وهذا بيع نسيئة، ليس بيعتين. وإنما بيع واحد. وحملوه على بيع العينة. ومعنى بيع العينة: يقول له: تبيع -مثلًا- أشتري منك هذا الأرز أو اللبن بعشرين ألف، وأبيعه لك بثمانية عشر. أنا اللبن موجود بيني. يقول له: سأشتري هذا اللبن منك بعشرين ألف، وأبيعه لك بثمانية عشر. يقول: نعم. الآن سيستفيد ربحًا في الدين. سيستفيد ربحًا في الدين. فمثل هذا يعتبر بيع العينة؛ لأنه يقول له: بيعني بكذا، وأبيعك بكذا. هذا بيعتان، ليست بيعة واحدة. أنا أبيعك هذا الأرز -مثلًا- بعشرين، وأبيعه لك بثمانية عشر. اشترط شرطان في البيع، أو بيعتان في بيعة. فهكذا فسره جماعة من العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وجاء النهي عن بيع العينة: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع». وأيضًا جاء النهي عن بيعتين في بيعة عند أحمد والنسائي وأبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة. وقال في حديث أبي هريرة: «من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا». وهذا الحديث أصله صحيح.