الدرس في كتاب البيع 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يضمن، ويشترط في البيع أن يكون البائع مالكاً للسلعة أو على طريقة السلم مع تحديد الكمية والمدة ودفع رأس المال. يتناول هذا الفصل تحريم بيع ما ليس في حوزة البائع وضمانات البيع.
يتناول هذا الفصل حكم بيع ما ليس عند البائع، ويشرح أن البيع لا يصح إلا إذا كان البائع يملك السلعة، مستدلاً بحديث 'لا تبع ما ليس عندك'. كما يربط بين هذا الحكم وقاعدة 'الخراج بالضمان'.
يتناول هذا الفصل أحكام البيع بثمن باهظ أو ما يسمى بخيار الغبن، حيث يختلف العلماء في حكم البيع إذا كان فيه غبن. كما يذكر تعريف خيار المجلس وأنه يبقى ثابتا ما لم يتفرق المتعاقدان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في ذكره البيوع المنهي عنها: «وربح ما لم يضمن». وربح ما لم يضمن، أي ما لم يدخل ضمانه، مثل ما تقدم في البيع قبل القبض، وكل ما لم يدخل ضمانه لا يجوز له أن يبيعه. قد جاء ذلك في حديث حكيم بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك». وقول «وربح ما لم يضمن» أن لا يستفيد ويبيع ما ليس في ضمانه؛ لأنه إذا لم يكن في ضمانه فهو لم يقبضه بعد. ومتى يكون في ضمانه؟ إذا قبضه، مثلا إذا كانت السلعة لم تأت بعد، فهي لم تدخل ضمانه، فهنا لا يجوز له أن يبيعه. الآن تجد أكثر البيوع على هذا النوع، أكثر بيوع التجار الآن على هذا. تجد أنه عنده بضاعة تأتي من الصين، أحيانا قبل أن تتحرك من الصين مثلا، وقد باعها للتجار. هذا يريد كمية كذا، وهذا يريد كمية كذا، وهذا يريد كمية كذا. فهذا لا يجوز. لكن إذا كانت على طريقة السلم، أو على طريقة السلم، ما في شيء. أنه إذا كان يجعلونها على طريقة السلم، أنه يدفعون المال رأس المال، ويحددون الوقت الذي يأتي فيه هذه السلعة، وكذلك أيضا الكمية. من أحب أن يسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. فلابد أن يحدد كم الكمية، وكم أيضا المدة، ويدفع رأس المال. إذا كانت مثلا هذه البضاعة بعشرين ألف، يدفع عشرين ألف. المثال يعطيها هذا البايع، كأنه يوكله. هذا باب السلم ما في شيء. لكن أن يجعل بيعا بدون سلم، فهذا خطأ؛ لأنه الآن يبيع ما لم يدخل في ضمانه، ويبيع ما لم يقبض. وهذا لا يجوز. وإنما جاز الله عز وجل السلم لأجل تنفس بعض الناس، وبعض المعاملات؛ لأن السلم يحتاجه الناس. فإذا كان يبيع ما ليس عنده، أو ما لم يدخل ضمانه، فغالبا يحصل الخلل في البيع. فمثلا لو حصل أن هذه البضاعة خربت، خربت في البحر، أو تعرضت للسرقة في الطريق، أو غيرها من الأمور، كيف سيفعل؟ لا شك أنه سيحصل خصام بينه وبين المشترين. فهذا يقول: البضاعة لي، وهذا يقول: لا، ليس لك، أنا قد اشتريت. فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا. لكن لو حصل واشترى، فإنه العادة أن الضمان على البايع، الضمان على البايع، إلا أن يتخلى عن الضمان. مثلا لو قال: أنا سأبيع الوضاعة مثلا في صنعاء. مثل ما حصل في بعض الأيام، تأتي البضاعة من صنعاء، لا يضمنها البايع. لا يضمنها أنها تأتي، ممكن أنها تأخذ في الطريق. فلهذا تجد أن الباعة لا يضمنون مجيئها إلى المشتري، فقط يسلمون إياها مثلا في صنعاء، يسلمون إياها، خلاص هذه بضاعتك، وما له دخل بالنقل. أو يقول له مثلا: سأعطيها فلان الذي ينقل البضائع، وبمجرد أن أعطيها فلان، ليس له دخل فيها. فهذا الآن يجعل الضمان على المشتري. وما دام أن الضمان على المشتري، فقد يكون هناك الضمان ليس على البايع، فالبيع صحيح. لكن لابد أن يكون هذا الشرط على الواقع. أنا لا أسترد شيء، والواقع شيء آخر. مثلا الذين يأتون مثلا ببضائع كما قلنا من أماكن بعيدة، إنسان مثلا يريد أن يأتي ببضائع من إندونيسيا إلى اليمن، فهنا الواقع أنه إذا جاء بهذه البضاعة، فالضمان غالبا على المشتري حتى يسلمها. أغطي على البايع حتى يسلمها للمشتري. لكن لو تخلى مثلا، لو قال مثلا للمشتري: الضمان ليس عليه، أنا سأسلمك سأسلمها للناس الذين يشحنونها، ولا له دخل. فهنا صحيح أنه التبرأ، لكن الواقع أن الضامن هو نفسه؛ لأن هؤلاء الذين سيصلون بهذه البضاعة غالبا يكونون من أصحابه، أو هو الذي يعني يتفق معه على أن يصلوها إلى فلان، وليس هو. فلهذا بعض العلماء يقول: إذا كان الواقع خلاف الاشتراط، لا يعمل بهذا الاشتراط. وبعضهم يقول: أن الاشتراط لابد أن يكون في معنى هو الذي يعمل به. فلهذا، فإذا كان هذا الشرط اشترط عدم الضمان، وجعل المشتري الضمان عليه، فهذا شرط بينهما. فهنا يصح البيع؛ لأنه تخلى عن الضمان، وكأنه قبضه لما أعطاه لهذا الذي سيوصلها سيوصلها إليه. فهناك فرق بين أن يجعل الضمان عليه، أو أن يجعل أو معنى لا يشترط الضمان، وأن يجعل الضمان مشترطا على المشتري. وهناك أيضا قاعدة عند العلماء، وهي حديث، لكن مختلف فيه، وهو: «الخراج بالضمان»، وكذلك العكس: «الضمان بالخراج». أن الخراج الدخل والفائدة، فمن كان هو المستفيد، في الضمان عليه. وهذا في قول: «ربح ما لم يضمن»، وكذلك «بيع ما ليس عند البايع». بيع ما ليس عند البايع؛ لما جاء في حديث حكيم بن حزام، قال: قلت يا رسول الله، يأتيني الرجل فيسألني عن بيع ليس عندي، أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق؟ أي اشتريه من السوق. قال: «لا تبع ما ليس عندك». ما ليس عندك، أي ما ليس في ملكك وقدرتك. وكل ما ليس في ملكك، لا يجوز لك أن تبيعه. أنا لا أبيع الآن كثير من الناس يبيع شيئا ليس عنده. أنا يعلم أنها في دكان آخر، ويقول يتفق مع المشتري، ويأتي ويأتي بها إلى من باعه آخر. وهذا خطأ. فلابد أن يكون هذه السلعة يملكها في وقت البيع، يملكها في وقت البيع؛ لأنه قد يكون مثلا يتفق مع هذا الشخص، ثم لا يجد هذه السلعة، أو يجدها بثمن آخر. مثلا بعض البضائع تجد أنها على أن المشتري يبيع شيئا ليس عندنا، أو كما قلنا بعض البضائع مثلا يقول مثلا أنها أو يبيعها، ثم يرتفع سعرها مثل ما يحصل الآن، أو ينزل سعرها. أنا مثلا يقول فلان، أو صاحب مكتبة: هل عندك الكتاب الفلاني؟ يقول: لا، ما عندي. لكن أو يقول له: خلاص أنت تريده، سأبيعك سآتي لك به. يقول: خلاص بكم؟ يقول: كذا وكذا. فيعطيه ثم يذهب إلى المكتبة الأخرى ويجلبه، فيجده أكثر من هذا السعر، وهو قد اتفق بالسعر. فهذا لا يجوز؛ لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يملكه، وما لم يدخل تحت قدرته. أنا ما لم يدخل تحت قدرته، مثل البعير الشارد كما مثل العلماء البعير الشارد، أو العبد الآبق الذي هرب. لا يجوز له أن يبيعه وهو ليس عنده، وممكن يجده وممكن لا يجده. بل هذا فلا يبيع شيئا ليس عنده. وهذا الآن الذي يفعله كثير من أصحاب المعاملات، هذه كثير من أصحاب المعاملات، كثير من أصحاب البنوك. تجد أنه مثلا أصحاب البنوك -أقصد- يبيع أشياء ليست عنده. مثلا يأتيه الشخص المشتري فيقول مثلا: أريد أن أشتري أسمنت. يقول له: خلاص اذهب إلى البايع الفلاني وأخذ منه ما تريده. مثلا يتفق معه أنه يريد مثلا عشرين كيسا من الأسمنت، فيذهب هذا يتصل بصاحب الأسمنت، صاحب البنك، ويقول له: اعط فلانا عشرين كيسا بكذا وكذا على السعر الموجود عنده. فيقول بعد ذلك لهذا المشتري، صاحب البنك: طلع سعر البضاعة بمئة ألف، وسنشتريه من عندك، أو سنبيعه لك بمئة وعشرين. الفائدة هنا الربح عشرون. لكن باع باع شيء ليس عنده، أصلا ليس في ملكه. باع شيء ليس في ملكه. وهذا لا يجوز. ولهذا هذه المعاملة الآن انتشرت في البنوك، وما يسمى بالبنوك الإسلامية، مع أنها مخالفة. هم يقولون: نحن ما نبيع له، وإنما نعطيه وعد، وعد بيع. أنا يعطونه ورقة يسمونها وعد بيع. لكن الوعد ليس واجبا أن يفي به. أنه مثلا وعد أنه سيشتري منه، فهنا لم يتم البيع بعد. ممكن أنه يتراجع، ممكن أن يقول: خلاص ما أريده. لكن هم لا يلزمون وعد البيع. وعد البيع معنى خلاص ملزم لك أنك تشتري. وهذا ليس بصحيح. فهم أرادوا أن يخرجوا من هذا البيع ما ليس عندك، فجعلوا هذا الوعد، قالوا: هذا الوعد فقط. لكن بعضهم يقول: بعض البنوك يقول: لا، لما ما يريده، ما في شيء. لكن كيف ستفعل بها وأنت ليس عندك؟ هذه سترجعها للبايع. أنا تجده يشترط على البايع أنه إذا ما أرادها الزبون، سأرجعها لك. والأمر واحد. فهو يبيع ما ليس عنده، وما لم يدخل في ضمانه كذلك. وغالبا هؤلاء أصحاب البنوك يجعلون من يأخذ البضائع هو المشتري نفسه. لكن قال العلماء: أنا من ناحية أنه إذا أرادوا أن هذه المعاملة تتم صحيحة، يجعل له مستودعا، ويجلب فيه بضائع. فإن كانت هذه البضائع يبيعها، ونقص جاء بي، لا يبيع حتى يأتي بالنقص. يقول له مثلا: يأتيني غدا، فيأتي بالنقص، ويبيع له، وهي عنده. فهذا الصحيح. لكن هذه المعاملة الآن لأجل أن يحجزوا المشتري، خلاص ماذا تريد تشتري؟ خلاص. وهذا معناه يدخل في هذا النهي. حديث «لا تبع ما ليس عندك»، وهو حديث صحيح. قال الشيخ الألباني: ويجوز البيع بشرط عدم الخداع. ويجوز البيع، لكن بشرط عدم الخداع؛ لحديث عبد الله بن عمر في الصحيحين، ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيع. فقال: «من بايعت فقل: لا خلابة». وبعضهم يقول: «لا خلابة»، أي لا خديعة. وهذا يسميه العلماء خيار الغبن. خيار الغبن. وهذه المسألة حصل فيها خلاف بين العلماء على ثلاثة أقوال. منهم من قال: أن خيار الغبن يرد، أو أن الغبن فيه خيار الغبن. معنى الثمن الباهظ الذي يغبن فيه الشخص. على مثلا بضاعة تباع بمئة ألف، فيبيع له بمئة وعشرين، أو بمئة وخمسين، تباع له بهذا الثمن الذي ليس هو موجود في السوق أصلا، على ثمن باهظ. وأيضا كذلك إذا كان الغبن على البايع، أنا يبيع شيئا ليس ثمنه موجودا، أنا مثلا الناس يبيعونه بمئة، وهو يبيعه بخمسين. فهذا يسمى غبن. فهل الذي يغبن في البيع يعتبر البيع باطلا؟ فهذا عند جماعة من العلماء. ومنهم من قال: أن الغبن لا يبطل البيع؛ لأنه اشتراه برضاه. أنا الشروط البيع موجودة في البيع، رضا البائع ورضا المشتري. فقالوا: فإذا كان في غبن، فإنه لا يرد به البيع؛ لأنه هذا معنى بضاعته. أنت الآن تريد هذا الكتاب، أبيعه لك بعشرة آلاف، أنت تريد تشتريه. أنت بالخيار، إن كنت تريده تشتريه، وإن لم تريده فلا تشتريه. فإذا اشتريته بعشرة آلاف، فبع ذلك اشتريته باختيارك وبرضاك. فقالوا: أن هذا لا يرد به السلعة. وبعض العلماء، القول الثالث، قالوا: إذا كان هذا الرجل لا يعرف لا يعرف الثمن في السوق، ويخدع، واشترط عدم الخداع، إذا اشترط عدم الخداع، فهنا يكون له الخيار. مثلا يأتي إلى المشتري، أو ليأتي المشتري للبايع، فيقول: أنا ما أعرف في هذه الأشياء التي تبيعونها، ما أدري بكم ثمنها، وأنا جديد في السوق، كم ستعطيني؟ قال: أعطيك مثلا على الحبة بعشرة. فأخذها، فوجدها بعد ذلك الناس يبيعونها بخمسة آلاف، وهذا أعطاه بعشرة. فهنا قد اشترط عليه أنه لا يخدع في البيع، وهو لا يعرف أسعار. فهنا لا شك أنه يرد؛ لأن هذا بيع بشرط. فهذه المسألة لا شك أنه يرد. لكن إذا غبن ولم يشترط، هل يرد؟ فليس هناك دليل يدل على أنه يرد. صحيح الجمهور يقولون: إذا كان غبنا فاحشا يرد، لكن لا دليل عليه، لا دليل عليه من الكتاب والسنة؛ لأنه اشتراه برضاه، اشتراه برضاه. فلهذا فهو لا يغبن. قالوا: أنا آخر شيء يقول: والخيار في المجلس ثابت ما لم يتفرقا. طيب إن شاء الله حتى الخيار هذا نجعله بدرس اللاحق.