كتاب البيوع 17

الدرس في كتاب البيوع 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام المضاربة

تناول الدرس أحكام المضاربة، حيث أوضح أن العامل لا يضمن الخسارة إلا إذا تعدى أو فرط، كما أنه لا يجوز له أن يعطي العمل لغيره بدون إذن صاحب المال.

أحكام المساقاة والمزارعة

المساقاة والمزارعة جائزة في قول جمهور أهل العلم، حيث يتم دفع الشجر أو الأرض إلى العامل مقابل جزء مشاع معلوم من الثمرة، مع التطرق إلى الشروط الجائزة والغير جائزة في هذه العقود.

تفاصيل معاملات المساقاة والمزارعة

القسم الأول من المساقاة والمزارعة لا يجوز وهو تخصيص جانب معين للعامل، بينما القسمان الجائزان هما كراء الأرض بشيء معلوم أو تخصيص شيء معلوم من الثمرة للعامل.

ختام بالصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وهو من الأفعال التي يحث عليها الدين الإسلامي وتُعد من علامات الإيمان والتقوى.

  • 14 جمادى الآخرة 1443هـ - 17/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، أخذنا في الدرس الماضي شيئًا مما يتعلق بأحكام الشركة، وأخذنا أنواع الشركة: الشركة العنان، وشركة المضاربة، وشركة الوجوه، وشركة الأبدان، وشركة المفاوضة، وعلمنا أن جميع هذه الشركات جائزة. وأن الربح يكون فيها على حسب ما يتفقان عليه، بأن يكون ربحًا مشاعًا معلومًا، كالنصف والربع ونحو ذلك. وأن الخسارة تكون على قدر الأملاك، تكون على قدر الأملاك. وفي باب المضاربة، الخسارة تكون على صاحب المال؛ لأن العامل يخسر جهده. فتأتي مسألة هنا، وهي: هل يضمن هذا العامل الخسارة إذا خسر في شركة المضاربة؟ والجواب: أنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، إلا إذا تعدى أو فرط. وهنا يضمن، مثلا: صاحب المال قال: «شغل هذا المال في العمل الفلاني، ولا تشغله في العمل الفلاني». فشغله في العمل الذي أخبره صاحب المال أن لا يشتغل فيه، فخسر. وهنا يضمن؛ لأنه يعتبر بهذا قد تعدى، يعتبر قد تعدى. وأما إذا لم يحصل منه تعد أو تفريط، فلا ضمان عليه، ويتحمل الخسارة صاحب المال. طيب، مسألة أخرى، وهي: هل يجوز لهذا العامل في المضاربة أن يعطي العمل لغيره؟ الآن، صاحب المال اتفق معه على أن يعمل بهذا المال على ربح بينهما. هل يجوز لهذا العامل أن يعطي هذا العمل لغيره، ويقول: «قم بهذا العمل الفلاني، وأعطيك كذا وكذا»؟ مثلا، هل يجوز؟ الجواب: لا، لا يجوز، لا يجوز أن يعطي هذا العمل لغيره؛ لأن هذا العامل يعني ما أعطى هذا العمل إلا وهو يثق فيه، لا يرضى أن يعطي هذا العمل لغيره، إلا إذا أذن صاحب المال، فلا بأس. أما إذا لم يأذن أو لم يخبره، فلا يجوز أن يعطي هذا العمل لغيره، فيقوم بما اتفق عليه، وصاحب المال كذلك أيضًا من مسائل التي ينبه عليها. هل للعامل في المضاربة أن يأخذ شيئًا مقابل سفره، مثلا، أو مقابل أكله، أو تأجير -يعني ما يحتاج إلى تأجير- كسيارة أو نحو ذلك؟ الآن، هذا المضارب سيعمل بهذا المال، ويقول: إنه يحتاج إلى شيء من النفقة في السفر، في الأكل، إلى آخر ذلك. هل له أن يأخذ شيئًا من مال المالك من غير أن يستأذنه، أو لا يجوز أن يأخذ شيئًا؟ قال أهل العلم: له أن يأخذ بإذن المالك، يستأذن المالك، يقول: «أنا سأعمل بهذا المال، لكن أريد نفقة، أنا سأحتاج إلى نفقة في سفري، في تنقلاتي، في حمل البضاعة، وأحتاج إلى أكل وكذا إلى آخر ذلك». فلا بأس، أو أن يأخذ ولو لم يخبر المالك، بما جرت به العادة أن يأخذ بما جرت به العادة. فالناس، مثلا، معتادون على أن العامل في المضاربة يأخذ أجرة إذا أراد أن يحمل البضاعة -يعني من موضع إلى موضع آخر- لا شك أنه سيحتاج إلى سيارة، إلى مركوب يحمل فيه هذه البضاعة وينقلها. ستكون أجرة هذه السيارة على صاحب المال. قد يحتاج إلى نفقة إلى أن يتغدى أو كذا أو يأكل شيء من الطعام خلال سفره أو خلال تنقلاته. فيجوز بالمعروف أن يأخذ من مال المضارب بالمعروف. وأما أن يأخذ شيئًا زائدًا، فلا يجوز. ثم ذكر المصنف -رحمه الله- ما يتعلق بالمساقاة والمزارعة، قال: كما يفسد ذلك المساقاة والمزارعة، بعد أن ذكر أن الشركة يفسدها وجود الظلم والغرر. ومن ذلك أن يكون لأحدهما ربح وقت معين، وللآخر ربح وقت آخر، أو ربح إحدى السلعتين، وللآخر ربح السلعة الأخرى، وما شابه ذلك مما فيه غرر وجهالة. فهذا مما يفسد الشركة. كذلك أيضًا يفسد المساقاة والمزارعة مثل هذا الشرط -يعني أن يكون له ربح زمن وللآخر ربح زمن آخر- أو يكون هذا له ربح إحدى الأشجار أو بعض الأشجار، وذاك له ربح الأشجار الأخرى، أو هذا له ربح هذا الجانب، وذاك له ربح الجانب الآخر. هذا أيضًا يفسد باب المساقاة والمزارعة كما سيأتي. قال: وقال رافع بن خديج: «وكان الناس يأجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماء ذيانات وأقبال الجداول وشيء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا». فلذلك زجر عنه -رواه مسلم-. قال: وعامل النبي ﷺ أهل خيبر «بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» -متفق عليه-. فالمساقات على الشجر بأن يدفعها للعامل، ويقوم عليها بجزء مشاع معلوم من الثمرة. والمزارعة بأن يدفع الأرض لمن يزرعها بجزء مشاع معلوم من الزرع. وعلى كل منهما ما جرت العادة به، والشرط الذي لا جهالة فيه. ولو دفع دابة إلى آخر يعمل عليها، وما حصل بينهما جازا. نعم، المساقاة -كما ذكر- المساقاة على الشجر يكون إنسان عنده أرض فيها زرع يحتاج إلى من يقوم بسقي هذا الزرع والعناية به، فيدفعها إلى العامل يقوم بسقي هذه المزرعة، يقوم بسقي هذه المزرعة. هذا تسمى مساقاة. قال: «فالمساقاة على الشجر بأن يدفعها للعامل أن يدفع الشجر التي في هذه الأرض يقوم بسقيها والعناية بها، ويكون ذلك بجزء مشاع معلوم من الثمرة». يتفق صاحب الشجر مع هذا العامل على أن يعطيه جزءًا مشاعًا معلومًا من ثمرة هذه الأشجار، من ثمرة هذه الأشجار. فيقول: «تقوم بسقي هذه المزرعة، ولك نصف الثمرة». نصف الثمرة، ما يقول: «نصف الثمرة هذه الأشجار، وهذه وهذه لا». من جميع الشجر، هذا معنى مشاع، أي من جميع الأشجار. ويكون معلومًا -يعني النصف، الربع، الثلث- فخرج بهذا إذا كان مجهولًا فلا يجوز. يقول: «تعمل وأنا أعطيك شيء من الثمرة أو جزء من الثمرة، ما هو؟ كم مقداره؟ لم يذكر». هذا أصبح الآن مجهولًا. لا بد أن يكون معلومًا: النصف، الربع، الثلث، على حسب ما يتفقان عليه. فهذا جائز. فالمساقاة -يعني جائزة- في قول جمهور أهل العلم. واستمد العلماء بحيث ابن عمر: «عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع». النبي ﷺ لما فتحت خيبر، وكانت خيبر أرض زراعية كثيرة النخل، وقسم النبي ﷺ خيبر على المقاتلين. ولما كان المقاتلون منشغلين بالجهاد والقتال، اتفق النبي ﷺ مع يهود خيبر -القائمين في خيبر- على القيام بزراعتها، زراعة هذه الأرض، وأن لهم الشطر -يعني نصف- نصف الثمرة. «عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر -يعني نصف- ما يخرج منها من ثمر أو زرع». فدل الحديث على جواز المساقاة. المساقاة والمزارعة، المساقاة في الزرع، هذه المزارعة، أو الزرع المزارعة، والثمر المساقاة. فدل الحديث على جواز كلا هذين النوعين، وهي المساقاة والمزارعة. والمزارعة قال: «بأن يدفع الأرض لمن يزرعها -أن يدفع الأرض لمن يزرعها- بجزء مشاع معلوم من الزرع». إنسان عنده أرض، هذه الأرض تحتاج إلى زراعة، ربما هو ما يحسن الزراعة، أو ما عنده الخبرة، أو ما عنده الوقت الذي يعني يتفرغ فيه لزراعة الأرض. فيدفع هذه الأرض لمن يقوم بزراعتها، لمن يقوم بزراعتها، ويتفق معه على جزء مشاع معلوم، يقول: «تقوم بزراعة هذه الأرض، وأعطيك نصف الزرع، لك النصف، ولي النصف، أو لك الثلث، ولي الثلثان». فهذا جائز، وهي أيضًا جائزة في قول جمهور أهل العلم. قال: «وعلى كل منهما ما جرت العادة به، والشرط الذي لا جهالة فيه». على كل منهما -يعني من مالك الأرض ومن العامل- ما جرت العادة به. فمثلًا، صاحب الأرض جرت العادة أن عليه أن يهيئ الماء، أن يهيئ الماء -يعني إما أن يحفر بئرًا فيها ماء، أو يعني يأتي بالمضخات التي تخرج الماء من البئر، أو يسلك الماء -يعني بالقصب- إلى أن يصيل الأرض، إلى آخر ذلك مما يكون فيه تهيئة الماء لزراعة الأرض أو سقيها-. والعامل عليه سقي الأرض والزرع، وإبعاد ما يفسد الزرع، وكذلك تنقية التربة ونحو ذلك مما هو على العامل مما جرت به العادة. فكل واحد عليه ويلزمه ما جرت العادة به. وهل يلزم البذر في المزارعة أن يكون من رب الأرض؟ الصيحة: أنه لا يشترط. بعض الفقهاء يشترطون أن يكون البذر من صاحب الأرض، وهذا لا دليل عليه. والنبي ﷺ عامل أهل خيبر، ولم يأت أنه أتى لهم بالبذر -أنه أتى لهم بالبذر الذي يزرعون به-. والصيحة: أنه لا يشترط، يجوز أن يكون من صاحب الأرض، يجوز أن يكون من العامل. قال: «والشرط الذي لا جهالة فيه». الشرط الذي لا جهالة فيه، إذا اشترط صاحب الأرض مع العامل شرطًا، ينظر في هذا الشرط، إذا كان ليس فيه جهالة ولا مخالفة للشرع، فهو جائز، ويلتزم به العامل، بقول النبي ﷺ: «المسلمون على شروطهم». وأما إذا كان فيه جهالة وغرر، فلا يجوز -يعني مثلًا لو اشترط صاحب الأرض على العامل أنه يهيئ الماء، هو الأصل أنه على صاحب الأرض، لكن اشترط عليه ذلك، لا بأس، هذا جائز-. طيب، لكن لو اشترط عليه يقول: «أنا سأدفعها لك، وأنت تقوم بسقيها أو زراعتها، لكن أنا سأعطيك ثمرة هذا الجانب من الأرض من الزرع، وأنا لي هذا الجانب». هذا لا يجوز؛ لأن هذا فيه جهالة وفيه غرر. فمثل هذا الشرط لا يجوز. طيب، هنا في حديث رافع بن خديج، قال: «كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ ما على الماذينات وأقبال الجداول وشيء من الزرع» -يعني كانوا يأجرون الأرض لمن يقوم بزراعتها وسقيها- على مواضع معلومة -يعني الأماكن المرتفعة أو الأماكن التي يجري فيها الماء- فيقول: «أنا أعطيك هذا الجانب، وأنا آخذ هذا الجانب». رغم ينظر الجانب الذي فيه مجرى الماء، فيقول: «هذا الجانب لي، وأنا أعطيك الجانب الآخر». فهذا منع منه النبي ﷺ؛ لأنه فيه غرر وجهالة. قال: «وشيء من الزرع» -يعني معلوم- يقول: «لك هذا الزرع، ثمرت هذا الزرع لك، وثمرت هذا الزرع لي». هذا لا يجوز. قال: «وشيء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا» -يعني ما عندهم أجر إلا هذا- يعني شيء من الأرض، ويكون له جانب، والعامل جانب آخر -يعني محدد-. فهذا زجر عنه النبي ﷺ؛ لما فيه من غرر وجهالة، ربما يعني أثمرت هذه الأشجار، ولم تثمر تلك الأشجار، فتكون فيه خسارة على العامل أو على صاحب الأرض. ولما فيه هذا من الغرر والجهالة نهى عنه النبي ﷺ. قال: «فلذلك زجر عنه» -أي النبي عليه الصلاة والسلام-. «فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به». أما شيء معلوم مضمون فلا بأس به -يعني إذا كانت الأجرة خالية من الغرر والجهالة فهذا جائز- فهذا جائز. فدل الحديث على أن المساقاة والمزارعة لها ثلاثة أحوال أو ثلاثة أقسام. القسم الأول لا يجوز، وقسمان جائزان. فالذي لا يجوز هو أن يجعل للعامل جانبًا معينًا، جانبًا معينًا من الأرض، أو ربحًا معينًا من الأشجار، فيقول: «لك هذا الجانب من الأرض، وهذا الجانب لي»، أو «لك ثمرة هذه الأشجار، ولي ثمرة هذه الأشجار». هذا لا يجوز؛ لأن هذا فيه غرر وجهالة. والقسم الثاني هو كراء الأرض بشيء معلوم، كراء الأرض بشيء معلوم، مثل مال، يقول: «اعمل في هذه الأرض، وأنا أعطيك في الشهر كذا وكذا من المال». هذا جائز، هذا جائز. طيب، فتأجيرها بشيء معلوم هذا جائز، مال، أو يقول: «أعطيك كذا وكذا منسوب من البر أو من الشعير أو من التمر». هذا جائز، هذا الأجر الآن معلومة، يسفيها جهالة. والقسم الثالث أيضًا من الجائز هو أن يجعل له شيء معلوم من الثمرة، أعطيك نصف ثمرة هذه الأرض، أو الربع، أو الثلث. فهذا جائز. إذن، عندنا قسمان جائزان، وقسم لا يجوز. طيب، قال: «قالوا: على كل منهما ما جرت به العادة، والشرط الذي لا جهالة فيه، ولو دفع دابة إلى آخر يعمل عليها، وما حصل بينهما جاز». لو دفع دابة إلى آخر يعمل عليها -مثلا سيارة- يقول: «أعطيك هذه السيارة، اشتغل فيها، والربح الذي تتحصل عليه بيننا بالنصف، أو لك الثلث، ولي الثلثان». هذا جائز، أو أعطاه آلة حرافة، مثلا، قال: «تحرث بهذه الآلة، وما تحصل عليه من ربح فبيننا»، أو نحو ذلك. فهذا جائز. ولو دفع دابة إلى آخر يعمل عليها، وما حصل بينهما جاز. لكن لا بد أن يكون الربح معلومًا -يعني يتفقان على ربح معلوم- يعني النصف، الربع، الثلث، السدس، ونحو ذلك. فهذا جائز. وهناك آثار عن السلف في جواز مثل ذلك. ومنها قول الحسن البصري -رحمه الله-: «لا بأس أن يجتني القطن على النصف» -لا بأس أن يجتني القطن على النصف-. علقه الإمام البخاري، ووصله سعيد بن منصور في سننه. «لا بأس أن يجتني القطن» -يعني أن يخرج القطن من الأشجار- ويكون له النصف، له نصف القطن، هذا جائز. وأيضًا قال معمر بن راشد -رحمه الله-: «لا بأس أن تكري الماشية على الثلث والربع» -لا بأس أن تكري الماشية على الثلث والربع-. وأيضًا هذا الأثر علقه الإمام البخاري -رحمه الله- ووصله عبد الرزاق: «لا بأس أن تكري الماشية على الثلث والربع إلى أجل مسمى» -علقه البخاري ووصله عبد الرزاق-. وهكذا أيضًا ذكر -رحمه الله- أثر عن إبراهيم النخعي، وقتادة، ومن السلف، وعطاء، والزهري، أنهم قالوا: «لا بأس أن يعطي الثوب على الثلث والربع ونحوه» -لا بأس أن يعطي الثوب على الثلث والربع ونحوه-. فهذه المعاملة جائزة، جائزة. هي شبيهة بالمضاربة؛ لأن هذه الآلة أو المركوب هي ملك للمالك، والعامل يقوم بالعمل عليها، ويكون الربح بينهما. فهي شبيهة بالمضاربة. وقد مر معنا المضاربة من الشركات الجائزة. طيب، هذا ما يتعلق بهذا الباب. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.