الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 305، ألقاها
التطير هو التشاؤم بشيء معين، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التطير. يشمل النهي التشاؤم من الجن، ويجب تعليق القلب بالله والتوكل عليه.
الفأل هو الكلمة الحسنة التي تسر المرء، بينما الطيرة تشاؤم لا أثر لها في جلب نفع أو دفع ضر. الحديث النبوي يبين الفرق بينهما ويؤكد على نفي العدوى بنفسها.
العين حق وقد تضر الإنسان، وينصح بقول "ما شاء الله" أو "تبارك الله" عند رؤية شيء يعجب لتجنب إصابته بالعين. يُنصح بالتحدث بشكل إيجابي لتفادي الأثر السلبي للعين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب طيرة من الجن. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني ابن أبي الزناد، عن علقمة بن أبي علقمة، عن عائشة أنها كانت تؤتى بالصبيان إذا ولدوا فتدعو لهم بالبركة، فأتيت بصبي فذهبت تضع وسادته، فإذا تحت رأسه موسى. فسألتهم عن الموسى، فقالوا: نجعلها من الجن. فأخذت الموسى فرمت بها ونهتهم عنها، وقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الطيرة ويبغضها. وكانت عائشة تنهى عنها. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب الطيرة من الجن، أي التطير والتشاؤم من الجن. وأراد أن يبين حكم ذلك وأنه لا يجوز التطير بأي شيء، وهكذا أيضا الجن والتشاؤم منهم. وذكر هذا الأثر عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تؤتى بالصبيان إذا ولدوا فتدعو لهم بالبركة، فأتيت بصبي فذهبت تضع وسادته، فإذا تحت رأسه موسى -أي حديدة حادة معروفة-. فسألتهم عن الموسى، فقالوا: نجعلها من الجن -أي حذرا من الجن-. فأخذت الموسى فرمت بها ونهتهم عنها، وقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الطيرة ويبغضها. فاستدلت رضي الله تعالى عنها بعموم نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الطيرة، فيدخل في ذلك الطيرة من الجن والتشاؤم منها. وهذا الأثر وإن كان ضعيفا لجهالة أم علقمة، لكن صح نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الطيرة في أحاديث كثيرة، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين. وكذا أيضا جاء عن غيره من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. ومر معنا كذلك بعض الأحاديث، وكذا سيأتي أيضا حديث أنس في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الطيرة. فهي بعمومها تدل على نهي التطير والتشاؤم من الجن. وكذا أمر أن الواجب على المسلم أن يعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى، ولا يتطير بأي شيء، ويتوكل على الله سبحانه وتعالى. فالذي بيده الخير هو الله، والذي يدفع الشر هو الله سبحانه وتعالى. فلذلك يلجأ العبد إلى ربه سبحانه وتعالى في طلب حصول الخير، وهكذا طلب دفع الشر. قال: باب الفأل. قال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة». وهذا الباب ترجمه رحمه الله بقوله: باب الفأل، أي ما جاء في الفأل وأنه أمر لا بأس به، أمر مشروع بخلاف الطيرة. وذكر حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة». لا عدوى: لا نافية للجنس، أي نفي لجنس العدوى. والمراد نفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية من تأثير العدوى بنفسها. أن العدوى تؤثر بنفسها، والعدوى هي انتقال المرض من السقيم إلى الصحيح. فكان أهل الجاهلية يعتقدون أن العدوى تعدي بنفسها وتؤثر بنفسها، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام أو نفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «لا عدوى»، أي لا عدوى مؤثرة بنفسها. وإنما انتقال العدوى يكون بأمر الله سبحانه وتعالى. وهل هذا ينافي نهي النبي عليه الصلاة والسلام أو أمره عليه الصلاة والسلام بالابتعاد عن المريض في قوله: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»؟ الجواب: لا. فإن هذا من الأخذ بالأسباب، أنك تجتنب المريض الذي ابتلي بمرض من الأمراض، من باب اتخاذ الأسباب. وإلا فحصول العدوى ليس بمجرد حصول التقارب، وإنما هو بأمر الله سبحانه وتعالى وإذنه. قال: «ولا طيرة»، وهذا كذلك نفي للطيرة، وأنه لا أثر للطيرة، لا تأثير لها في جلب نفع أو دفع ضر. فلذلك لا ينبغي ولا يجوز للمسلم أن يتشائم بأي شيء، كما مر معنا في الأبواب السابقة. قال: «ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة». يعجبني الفأل، وفسره النبي عليه الصلاة والسلام بالكلمة الحسنة. فالفأل خلاف الطيرة، فالمرء يكون مقدم على أمره، سواء في سفر أو في تجارة أو في عمل من الأعمال، فيسمع من الكلام ما يفرحه ويسره ويزيده ثباتا وإقداما، فهذا أمر حسن. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا المبارك بن سعيد، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة، أن أباه أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا شيء في الهام، وأصدقوا الطيرة الفأل والعين حق». هذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام نفى حصول التأثير من الهام، والهام جمع هامة، وهي البومة، وهو طير معروف من طيور الليل. وكانت أهل جاهلية يتشاؤمون منها، يتشاؤمون من البومة إذا وقعت على بيت أحدهم، فيعتقدون أنها تنعي بموت أحد من أهل البيت، فيتشاؤمون منها. فنفى النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون في الهام شيء من التأثير، وأنها لا تقدم ولا تؤخر، وأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى. قال: «وأصدقوا الطيرة الفأل». والفأل كما مر معنا في حديث أنس أن الكلمة الحسنة، وليس الفأل من الطيرة. فالطيرة كما مر معنا: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم. والفأل: الكلمة الطيبة أو الحسنة التي يسمعها المرء. وشبه الفأل بالطيرة من حيث حصول معنى الإقدام في الأمر، إذا أراد إنسان يقدم على أمر فيسمع الكلمة الطيبة، فتزيده ثباتا وإقداما على أمره. قال: «والعين حق»، أي أن العين أمر حق وتصيب الإنسان فتضره، كما أخبر عليه الصلاة والسلام. العين حق، وقال عليه الصلاة والسلام: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين». وقال عليه الصلاة والسلام: «العين تدخل الرجل القبر، والإبل القدر»، يعني أنها ربما تقتل. فلأجل ذلك لا يتساهل المرء بأمر العين، ربما يصيب المرء أخاه من غير قصد، من غير قصد، يعني ينظر إليه ويأتي بكلمة، وربما لا يريد أن يضره فتصيبه العين، فيمرض ويصيبه الضرر. فلأجل ذلك أرشد النبي عليه الصلاة والسلام من رأى شيئا يعجبه أن يبرك، إذا رأيت شيئا يعجبك فاجعل في لسانك: تبارك الله، أو ما شاء الله، تبارك الله. تجعل ذلك في لسانك حتى ولو كان من باب المزاح، ربما تأتي بكلمة من باب المزاح فتكون سببا لوقوع العين. فلذلك اجعل في لسانك: ما شاء الله، تبارك الله، دائما. وهكذا كذلك المرأة إذا رأت شيئا يعجبها، فينبغي أن تجعل في لسانها التبرك، وأن تقول: ما شاء الله، تبارك الله، ألا تصيب أختها بعين. لأن العين حق، فلا يتساهل الإنسان بأمر العين.