تحذير الأنام من حرمان مغفرة الذنوب في شعبان

الخطبة بعنوان تحذير الأنام من حرمان مغفرة الذنوب في شعبان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 8 شعبان 1443هـ الموافق 11 مارس 2022م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل شهر شعبان وأهمية إعمار أوقاته

يُبين فضل شهر شعبان وكثرة صيام النبي فيه، حيث يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، ويجب إعمار أوقات الغفلة بطاعة الله. يُشجع على ترويض النفس على العبادة استعدادًا لشهر رمضان.

رفع الأعمال إلى الله وفضل ليلة النصف من شعبان

شهر شعبان شهر عظيم ترفع فيه الأعمال إلى الله، وفي ليلة النصف منه يغفر الله لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاح، ويجب على المسلم الحفاظ على طاعة الله.

تحذير من الشرك والمشاحنة وأهمية إصلاح الأعمال

يُنبه إلى خطورة الشرك والمشاحنة بين المسلمين، ويشدد على أهمية إصلاح الأعمال والتوبة قبل رمضان، مع بيان فضل مغفرة الله لمن أصلح بينه وبين إخوانه.

ختام وتحميد لله تعالى

يتضمن تنزيه الله عما يصفونه، وتحية على المرسلين، وحمد الله على نعمه، والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، روى الإمام النسائي في سننه من حديث أسامة من زيد رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك شهرٌ يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». هذا الحديث العظيم يبين النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من فضيلة هذا الشهر، ألا وهو شهر شعبان الذي خصه النبي صلى الله عليه وسلم بمزيد صيامٍ عن غيره من الشهور، حتى سأله أسامة من زيد رضي الله عنهما عن سبب ذلك. فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر الصيام في شهر شعبان، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: أنه كان يصوم شعبان كله إلا قليلًا. وقالت أم سلمة رضي الله عنها: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان. وكان أحب الصيام إليه عليه الصلاة والسلام من الشهور شهر شعبان. فسأله عن سبب ذلك، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأمرين اثنين. الأمر الأول: أنه شهر يغفل عنه الناس، إذ أنه واقع بين شهرين عظيمين، فقبله شهر رجب وهو من أشهر الله الحرم، وبعده شهر رمضان وهو شهر الصيام والقيام. فإن كثيرًا من الناس بسبب ذلك يغفلون عن العمل في هذا الشهر. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن من أسباب كثرة صيامه في شعبان هو الغفلة عن هذا الشهر. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وفي هذا دليل على استحباب إعمار أوقات الغفلة بطاعة الله، أن تعمر أوقات الغفلة بطاعة الله جل وعلا، بل ربما ضوعف فيها الأجور والثواب بسبب غفلة الناس عن فضل تلك الأعمال في تلك الأوقات. ومن ذلك ما جاء عند الترمذي والطبراني من حديث أبي أمامة وعمر بن عبسة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن». هذا الوقت الذي يغفل عنه كثير من الناس في النوم أو في السهر أو في لعب ولهو. فلأجل ذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من الصيام في شهر شعبان، لأنه شهر غفلة، شهر غفلة يغفل عنه الناس. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن ينبه الأمة إلى فضل هذا الشهر، وأنه ينبغي أن يقبلوا فيه على طاعة الله، وأن يهيئوا أنفسهم ويهذبوا أرواحهم في استقبال شهر رمضان بترويضها على عبادة الصيام. هكذا عباد الله، ينبغي أن تهيئ هذه النفس، وأن تربى، وأن تريض على طاعة الله سبحانه وتعالى. قال عليه الصلاة والسلام: «إنه شهر يغفل عنه الناس»، مع ما فيه من أجر عظيم وفضل كبير. ومن ذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في ذكر السبب الآخر، وما جاء كذلك في حديث آخر سيأتي ذكره بإذن الله جل وعلا. ثم بيّن النبي صلى الله عليه وسلم السبب الثاني الذي لأجله أكان يكثر النبي صلى الله عليه وسلم من الصيام في شعبان، قال: «فإنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين». هذا شهر عباد الله، ترفع فيه أعمال العبد في خلال سنته وفي خلال عامه، ما عمله فيه من أعمال من طاعات وقربات وأعمال صالحات، أو من سيئات وذنوب وخطايا ومنكرات، ترفع الأعمال إلى رب العالمين. إنها أيها العبد لحظة حاسمة في حياتك، أن ترفع الملائكة أعمالك، أن ترفع الملائكة أعمالك في خلال سنتك وفي خلال عامك، ما عملته في خلال هذه السنة، ترفع هذه الأعمال رفعًا سنويًا إلى الله سبحانه وتعالى. وقد سبق ذلك الرفع رفع يومي، ورفعًا أسبوعيًا. أما اليوم، فما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيعرج الذين باتوا فيكم -أي إلى السماء- فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف وجدتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون». هذا رفع يومي في سائر أيامك. وأما الرفع الأسبوعي، فما جاء عند الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فيغفر الله جل وعلا لكل عبد إلا رجل بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا». هذا رفع أسبوعي. وأما الرفع السنوي، فهو في شهر شعبان، ترفع سائر أعمالك إلى رب العالمين سبحانه وتعالى. فيا أيها المسلم، ويا أيها العبد، على أي حال تحب أن ترفع أعمالك؟ على أي حال تحب أن تؤرض أعمالك على رب العالمين؟ أن تؤرض أعمالك وأنت مواظب ومحافظ على طاعة الله جل وعلا، وأنت مجتنب لمحارم الله سبحانه؟ أن تؤرض أعمالك وأنت ملطخ بالذنوب والخطايا؟ أن تؤرض أعمالك وأنت مضيء للفرائض والواجبات؟ فيا لها من خسارة عظيمة، ويا لها من حسرة كبيرة، أن يكون عمل العبد يؤرض على ربه سبحانه وتعالى وهو على هذا التفريط وعلى هذا التقصير العظيم. تؤرض الأعمال إلى رب العالمين، قال: «فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»، أحب النبي عليه الصلاة والسلام أن يرفع عمله إلى الله جل وعلا وهو صائم، فإن ذلك أبلغ في قبول الأعمال، وكذلك أدعى إلى عظيم الأجر والثواب. هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من الصيام في شهر شعبان. ثم كذلك أيضًا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بفضيلة أخرى، وهي فضيلة عظيمة تكون في هذا الشهر، وهو ما جاء عن جمع من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عن أبي هريرة وأبي معاذ وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان النصف من شعبان -أي في ليلة النصف من شعبان- يطلع الله جل وعلا على جميع خلقه، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاح». والحديث له طرق عديدة، صححها العلامة الألباني رحمه الله. انظروا يا عباد الله إلى هذه الفضيلة العظيمة، إلى هذه الفضيلة الكبيرة. إن الله جل وعلا يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، يغفر لجميع خلقه، فجميع العباد تنالهم مغفرة الله وتنالهم رحمة الله. انظر إلى عظيم هذا الأجر والثواب، إنها مغفرة للذنوب سنة كاملة، لذنوب عام كامل مما فعله العبد ومما وقع فيه من صغائر الذنوب، فيغفرها الله جل وعلا رحمة منه وفضلًا منه سبحانه وتعالى. وهو القائل عز وجل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾، وهو الغفور الرحيم سبحانه وتعالى. وهو القائل: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، لكن مع ذلك فإن صنفين يحرمان من مغفرة الله، وطائفتين تمنعان من مغفرة الله. أما الطائفة الأولى، فهي من أشرك في عبادة الله، من أشرك في عبادة الله، قال: «إلا مشرك»، فإنه لا تناله مغفرة الله، من أشرك في عبادة الله بأي نوع من أنواع الشرك، من استغاثة أو دعاء لغير الله جل وعلا، أو صرف أي نوع من أنواع الطاعات والعبادات، أو كذلك اعتقاد النفع والضر في غير الله سبحانه وتعالى، أو اللجوء إلى القبور والأموات ودعاء أهل القبور والرفات أو غير ذلك من الشرك في عبادة الله. فإن هذا الصنف يحرم من مغفرة الله، يحرم من مغفرة الله، «إلا مشرك»، فإنه لا ينال مغفرة الله جل وعلا. وإن من ذلك ما يفعل في هذا الشهر المبارك من زيارة شركية وزيارة بدعية، التي تسمى بزيارة قبر نبي الله هود، هذه الزيارة التي هي مظهر من مظاهر الشرك والوثنية التي حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام، فإنها مدعاة إلى الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى. ومن دلائل ذلك ما يقول قائلهم: هود النبي المرسل في وادي الأحقاف، قبره صحيح، زر زر واحذر تكسل، واطن مرادك حول الضريح. هذه دعوة صريحة إلى الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى، فمن كان كذلك فإنه يحرم مغفرة الله. والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، أي من الذنوب والخطايا ما كان دون الشرك في عبادة الله، فإن صاحبها تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، سمعنا ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الفضيلة العظيمة التي من الله جل وعلا بها على عباده المؤمنين، أن يغفر الله جل وعلا لهم الذنوب والخطايا في ليلة النصف من شعبان، إلا صنفين اثنين، مر أولهما، وهو من أشرك في عبادة الله، فإنه يحرم مغفرة الله. وأما الصنف الثاني، فهو من كانت بينه وبين أخيه شحناء، قال: «إلا مشرك أو مشاح»، فمن كان بينه وبين أخيه المسلم شحناء وبغضاء وعداوة ومقاطعة ومهاجرة لأجل الدنيا، فإنه يحرم هذه المغفرة العظيمة. ألا فيا أيها المسلم، تفقد نفسك، وانظر في حالك وأمرك، إن كانت بينك وبين أخيك المسلم شحناء، إن كان بينك وبين أبيك أو بينك وبين أخيك أو بينك وبين جارك أو بينك وبين صديقك أو بينك وبين أحد من المسلمين شحناء، ألا فأصلح ما بينك وبينه حتى لا تحرم هذا الأجر العظيم، حتى لا تحرم هذا الأجر العظيم أن تنال مغفرة الله جل وعلا. فيا للأسف، كم تجد من أناس بينهم وبين إخوانهم مقاطعة، ليست لأيام أو شهور، بل ربما سنين، بينهم سنوات وهم في مقاطعة، لا يكلم بعضهم بعضًا ولا يسلم بعضهم على بعض. فكم يحرمون من رفع أعمالهم ومن إثابتهم على طاعاتهم وقرباتهم؟ فإن المشاحن لا يؤجر على أعماله، وتوقف أعماله حتى يصلح ما بينه وبين صاحبه. وهكذا في هذا الشهر العظيم، وفي هذه المغفرة السنوية، فإن المشاحن يحرم مغفرة الله، يحرم مغفرة الله. ألا فاحذر أيها المسلم أن تحرم أجر أعمالك وأجر طاعاتك وقرباتك، وها أنت ترفع أعمالك في آخر سنتك وفي آخر عامك، فلا تحرم نفسك من هذا الأجر العظيم، وبادر بإصلاح ما بينك وبين إخوانك حتى يتقبل الله جل وعلا أعمالك. وأنت ستقبل بإذن الله في الأيام القادمة إن أطال الله بالأعمار، ستقبل على شهر رمضان المبارك، شهر الصيام والقيام، فلا تحرم، فلا تحرم أجر صيامه وقيامه بسبب المشاحنة التي بينك وبين أخيك. فلذلك عليك أن تقبل على الله جل وعلا بالتوبة والإنابة وإصلاح الأعمال. نعم، أيها المسلم، أصلح أعمالك، وتب إلى ربك وخالقك، إن كنت قصرت في خلال هذه السنة وفي خلال هذا العام، ارجع إلى الله بتوبة صادقة، وكذلك بإنابة خالصة، حتى يغفر الله جل وعلا لك ذنوبك ويبدلها بدل السيئات حسنات. فتعرض على الله سبحانه وتعالى توبتك، وتعرض إنابتك إلى ربك وخالقك، فلا تحرم هذه الأجور العظيمة المباركة. أقبل في هذا الشهر على تلاوة كتاب الله، وهيئ نفسك لاستقبال شهر رمضان بترويضها على عبادة الصيام، أن تصوم ما يتيسر في هذا الشهر المبارك. فقد كان السلف رحمهم الله إذا دخل شهر شعبان أقبلوا على كتاب الله، ويقولون: هذا شهر القراء، هذا شهر القراء. فكانوا يقبلون على تلاوة كتاب الله جل وعلا، يهيئون أنفسهم ويربون أرواحهم على تلاوة القرآن وسماعه وتلاوته، لأنهم سيقبلون في الأيام القريبة على شهر القرآن. فهكذا ينبغي أن نهيئ أنفسنا، وأن نهيئ أرواحنا حتى تكون على أكمل حال وعلى أحسن حال في استقبال شهر رمضان المبارك، فتكون مهيئة وتكون صالحة للإقبال على الطاعة، والإقبال على العبادة. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح إمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل لنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم اغزر أمطارنا، ورخص أسعارنا، وأصلح إمتنا وولاة أمورنا، يا ذا الجلال والإكرام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.