بدع ومحدثات رجب

الخطبة بعنوان بدع ومحدثات رجب، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 3 رجب 1443هـ الموافق 4 فبراير 2022م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

التحذير من بدع شهر رجب

شهر رجب من الأشهر الحرم ولا يمتاز عن غيره بعبادة خاصة، وتحذير من بدع مثل صلاة الرغائب وتخصيصه بالصيام أو الأذكار. يُنبه إلى ضرورة اتباع السنة والابتعاد عن البدع والمحدثات.

بيان بدع شهر رجب

شهر رجب كثرت فيه البدع مثل صلاة الرغائب وتخصيصه بالصيام أو الصدقة، وكذلك الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج. هذه الأفعال لم تثبت عن النبي ولا صحابته وهي من البدع المحدثة.

دعاء للمسلمين بالهداية والحماية

دعاء للمسلمين بالهداية وحفظ الإيمان في مختلف الأحوال، وسؤال الله صلاح الدنيا والآخرة والراحة عند الموت. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾. فأخبر الله جل وعلا أن عدة الشهور عنده سبحانه وتعالى منذ خلق السماوات والأرض لم تتغير ولم تتبدل اثنى عشر شهرا، وأن من هذه الأشهر أربعة أشهر حرم، بينها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، فيما جاء في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في خطبته في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنى عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث منهن متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الأشهر الحرم هي هذه الأشهر الأربعة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، هذا الشهر الذي نحن نستقبل أول أيامه، فهو من الأشهر الحرم التي حرمها الله سبحانه وتعالى، حرم عز وجل فيها القتال، وكذلك حرم على العباد أن يظلموا فيهن أنفسهم بفعل الذنوب والمعاصي والسيئات. وإن كان العبد مأمورا باجتناب الذنوب والمعاصي في سائر أوقاته وفي سائر أيامه وفي سائر شهوره، إلا أن الذنب يعظم بعظم الزمان وبعظم المكان، فالذنوب في مثل هذه الأشهر الحرم أعظم جرما، وكذلك أكثر إثما، فلذلك ينبغي على المسلم أن يجتنب ما حرم الله جل وعلا، وأن لا يظلم نفسه في هذه الأشهر المحرمة. عباد الله، إن شهر رجب كغيره من الشهور التي لم تتميز بعبادة خاصة وبطاعة لا تفعل إلا فيه، فإن من الخطأ ما يفعله كثير من الناس من تخصيص هذا الشهر بأنواع من الطاعات وأنواع من العبادات والقربات التي يعتقدون أن فعلها في شهر رجب لها مزية ولها فضيلة ولها مكانة ولها أجر وثواب زائد عن غيره من الشهور. سواء كان ذلك ما يتعلق بأمر الصلاة أو بأمر الصيام أو بأمر الزكاة أو كذلك بأمر الاستغفار أو كذلك بأمر الزكاة والصدقة أو غير ذلك من أبواب البر. ولقد روي في هذا الباب أحاديث كثيرة، وكذلك أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم متعددة، وهي مكذوبة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى ألف الحافظ ابن حجر رحمه الله الشافعي كتابه الذي أسماه "بيان العجب بما ورد في فضل رجب"، وذكر رحمه الله كثيرا من هذه الأحاديث التي رويت في فضل رجب، وهي لا تصح ولا تثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ألا وإن من هذه الأعمال ومن هذه البدع والمحدثات التي يفعلها بعض الناس في شهر رجب تخصيصه بصلاة الرغائب، تخصيصه بهذه الصلاة التي تسمى بصلاة الرغائب، صلاة لها كيفية خاصة وقراءة خاصة وتسبيح تخالف به سائر الصلوات التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد حكم عليها العلماء بأنها موضوعة ومكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن معروفة من قبل، بل أحدثت في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة من الهجرة، وحكم عليها العلماء بالوضع كالإمام الجوزي والعراقي، وهكذا الإمام النووي رحمه الله يقول: "إن هذه الصلاة بدعة منكرة قبيحة"، هكذا يقول رحمه الله. قال: "ولا تغتر بذكرها في كتاب قوت القلوب أو في كتاب الإحياء"، وقال الإمام أبو شامة رحمه الله في كتابه "الباعث إلى إنكار البدع والحوادث": "قال مبينا بطلان هذه الصلاة وأنها صلاة باطلة". وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهكذا الحافظ ابن رجب في كتابه "لطائف المعارف" قال: "ولم يصح ولم يصح تخصيص شهر رجب بصلاة مخصوصة"، وما يفعل بتخصيصها بصلاة الرغائب التي تصلى في أول ليلة من رجب، فإن ما روي في ذلك مكذوب على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولذلك فإن هذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، عند جمهور العلماء، وبيّن صفتها الإمام الشوكاني رحمه الله في كتابه "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"، ثم قال بعد ذلك: "وقد اتفق الحفاظ على أنها موضوعة". فهذه الصلاة عباد الله لا تشرع أن يفعلها العبد وأن يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر، بل هي من البدع والمحدثات. وهكذا أيضا ما يتعلق بعبادة الصيام، فليس لشهر رجب فضيلة بتخصيصه بالصيام، فإن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل صح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان ينكر على أهله الصيام في رجب، وكان عمر رضي الله عنه يضرب الصوام في رجب، ويقول: "إنما هذا شهر كانت تعظمه أهل الجاهلية"، أي لا تتشبه بهؤلاء الكفار وبأهل الجاهلية فتعظمون هذا الشهر فتكونون بذلك مشابهين لهم، ولم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا قال ابن رجب رحمه الله: "لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تخصيص شهر رجب بصيام". ومن ذلك أيضا اعتقاد أن الزكاة أو الصدقة في شهر رجب لها فضيلة ولها مزية، وهذا أيضا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك أيضا كذلك الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، فكم من الناس من يحتفلون في ليلة السابع والعشرين من رجب بالإسراء والمعراج، هذه الحادثة العظيمة التي وقعت لنبينا عليه الصلاة والسلام، فإنه لم يثبت من جهة التاريخ أن تلك الحادثة كانت في ذلك الشهر في شهر رجب أو في تلك الليلة. ثم لو ثبت ذلك لما شرع الاحتفال بها، لأن ذلك لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام ولا فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه. ومن ذلك أيضا تخصيص شهر رجب بأنواع من الأذكار أو الاستغفار، واعتقاد أن الاستغفار في رجب له فضيلة عظيمة وله منزلة كبيرة، وأن الاستغفار فيه أفضل من الاستغفار في غيره، فلربما يفعل بعض الناس رجالا أو نساء أن يجتمعوا كل يوم في مسجد أو في بيت فيستغفرون، ثم في اليوم الآخر ينتقلون إلى مسجد آخر أو إلى بيت آخر ويستغفرون، وهكذا يظنون أن هذه عبادة تقربهم إلى الله، وكذلك ينالون بها الأجر والثواب، وهي عبادة محدثة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعلها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وليس المقصود من ذلك إنكار أصل الاستغفار، فإن الاستغفار عبادة عظيمة وعبادة جليلة، ولكننا ننكر فعلها بهذه الكيفية وبهذه الخصوصية، وتخصيص هذا الشهر بهذه العبادة، فإن ذلك لم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وربما استدل بعض أولئك بقصة مكذوبة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي ما تسمى بقصة ابن السلطان، وأنه رجل كان يصرّف على نفسه بالذنوب والخطايا ولا يصلي إلا في شهر رجب، فإذا جاء شهر رجب أقبل على العبادة وعلى الطاعة، فلما مات رؤي في موته علامات أهل الصلاح، فسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، فأخبر أن ذلك بسبب إقباله على الطاعة والاستغفار في شهر رجب، وهي قصة مكذوبة موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يروج لها أهل الباطل وأهل البدع والمحدثات حتى يوقع الناس في هذه البدع التي ما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ومن ذلكم عباد الله تخصيص شهر رجب بالذبح والتقرب إلى الله جل وعلا بذلك، فإن ذلك من أعمال أهل الجاهلية التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا عتيرة، لا فرع ولا عتيرة"، قال: "لا فرع ولا عتيرة"، والفرع هو أول نتاج البهيمة كانوا يذبحونه لطواغيتهم يتقربون إليهم بذلك، والعتيرة هي ذبيحة رجب، هي ذبيحة رجب، فكانوا يخصون شهر رجب بالذبح، فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الإسلام، أي ليس هناك ذبيحة تختص بها يختص بها شهر رجب عن غيره من الشهور. فإذا علم المسلم ذلك وجب عليه أن يكون متبعا، وأن لا يكون مبتدعا، أن يكون مقتديا بهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن لا يقتدى بغيره. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، ويقول رضي الله عنه: "اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة"، أي لو أن المرء اقتصد بما يفعله من الطاعات والخيرات بما يوافق دين الله سبحانه وتعالى ويوافق سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولو كان عملا قليلا، فذلك خير له وأحب إلى الله سبحانه وتعالى من أن يجتهد وأن يجاهد نفسه على فعل البدع والمحدثات. فإن الدين عباد الله ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دين. قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله: "الدين ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه أصحابه رضوان الله عليهم، وما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دين". ألا فيا عباد الله، لا نأخذ ديننا من أهل الأهواء والبدع، ولا نأخذ ديننا من قصص وحكايات مكذوبة، ولا نأخذ ديننا من أحاديث موضوعة ومكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالواجب على المسلم أن يتحرى لدينه، وأن لا يتقرب إلى الله إلا بما شرع سبحانه وتعالى في كتابه أو في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، والواجب هو الحذر من البدع والمحدثات التي تطمس هذا الدين، والتي كذلك تذهب بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فإن البدع إذا انتشرت وإذا ظهرت ظن الناس أنها هي الدين وهي السنة، فتطمس السنن، وكذلك ترتفع البدع عياذا بالله، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: "كيف أنتم إذا لبستكم فتنة؟ قال: يشب عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة"، إذا غيرت، أي هذه البدع والمحدثات، يقول الناس بسبب جهلهم بدين الله: "غيرت السنة"، هكذا البدع تطمس السنن عياذا بالله. فالواجب على المسلم أن يكون متمسكا بكتاب ربه وبسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وأن يكون مجتنبا للبدع والمحدثات. اللهم اهد ضال المسلمين إلى الحق والهدى، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، اللهم لا تشمت بنا عدوا ولا حاسدا، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.