الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشترط قبول العلم وحفظه تطهير القلب من الأدناس والأمراض القلبية وإخلاص النية لله تعالى. يشبه المقطع تطيب القلب للعلم بتطيب الأرض للزراعة، محذراً من أن طلب العلم بقلب غير طاهر قد يكون وبالاً على صاحبه.
النية الخالصة وتصفية القلب شرط أساسي للاستمرار في طلب العلم، وقد أشار السلف إلى قلة من ينجبون فيه. ينبه المقطع إلى خطورة انشغال القلب بالشهوات والشبهات، مع جواز التوفيق بين العلم والواجبات الأسرية والمعيشية.
يجب إعطاء كل ذي حق حقه، مستشهداً بقصة سلمان مع أبي الدرداء وعبد الله بن عمر حيث نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى حقوق الزوجة والضيف والنفس بجانب حق الله. على طالب العلم الجمع بين هذه الحقوق بتوفيق الله دون إفراط في جانب على حساب الآخر.
يختتم المتحدث الجلسة مؤكداً أن ما ذُكر جزء من الموضوع، ويعلن استكمال الدرس في لقاء قادم إن شاء الله. يشكر الحضور على متابعتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع: باب آداب المتعلم، أو يقال: باب آداب المتعلم. فلا على أنه مضاف، وكذلك على أنه مبتدأ؛ يجوز هذا وهذا، يعني: يقال باب آداب المتعلم، ويقال باب آداب المتعلم. قال رحمه الله تعالى: أما آدابه في نفسه ودرسه فكآداب المعلم، وقد أوضحناها. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله فيما تقدم آدابًا عامة، ثم ذكر بعض آداب المعلم، وهنا الآن شرع -أو سيشرع- في آداب المتعلم، وبعض آداب تشترك بين المعلم والمتعلم أيضًا. قال: وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح بقبول العلم وحفظه واستثماره. تقدم أنه أولًا يصلح نيته، يحاول ويستحث في إصلاح نيته، وأنه يطلب العلم لله عز وجل بالإخلاص. فمن طلب العلم وليست له نية صحيحة فغالبًا -كما قال حماد بن سلمة- من طلب العلم بغير نية مكر به، بل بغير نية صالحة مكر به؛ إنه يطلب العلم لأجل أغراض من أغراض الدنيا، كما جاء في الحديث: «ليمار به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه». فلذا أولًا يصحح نيته ويطهر قلبه من الأدناس، وهذا لا بد منه. قال: ليصلح بقبول العلم وحفظه واستثماره. لا بد أن يطهر قلبه من الأمراض، سواء كان من الحسد والبغي والتكبر، وكذلك أيضًا يحاول قدر الإمكان أن يطهر قلبه مما يغضب الله؛ لأن طلب العلم مع نجاسة القلب وعدم تطهيره غالبًا لا يفلح صاحبه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فهذه المضغة العظيمة إذا صلحت صلح سائر الجسد، صلحت النية، صلحت أيضًا كذلك استقامة العبد. وأما إذا لم يصلح القلب ففيه آفات، فإنه لا يستطيع -أو غالبًا لا يفلح- في طلبه للعلم. قال: وإن طلب العلم وأخذ العلم، لكنه غالبًا يكون وبالًا عليه، لا يستفيد منه. وقال: تطيب القلب للعلم. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن هناك دعاة على أبواب جهنم، فهؤلاء الذين يطلبون العلم بغير تصفية قلوبهم غالبًا يصبحون من ضلال العلم، الذين يضلون الناس، يضلون الناس عن الخير، يكونون أئمة على أبواب جهنم، والعياذ بالله. وقال: تطيب القلب للعلم كتطيب الأرض للزراعة؛ أن الإنسان إذا أراد أن يزرع أولًا يطيب هذه الأرض، يأتي لها بطين خصبة وطيبة، ثم يزرع فيها. وهكذا القلب، القلب الذي يريد أن يزرع فيه العلم يجب أن يصفيه، فهو بقدر الإمكان واجتهاده في تصفية قلبه، هذا خير عظيم. قد يقول قائل: هذا صعب، خاصة في بداية الطلب. صحيح أنه صعب، لكن النية لها دور؛ من كانت نيته لأجل أن يصلح نفسه بهذا العلم، وأيضًا يصفي قلبه لأجل أن يتعلم، فإن الله عز وجل يوفقه لذلك. أما إن كان هو أصلًا ليس عنده نية لذلك، وقلبه معانٍ مائل إلى الشهوات، مائل إلى الشبهات، فهذا غالبًا ما يستمر في هذه الطريق، وإن استمر فقد يستمر على الخطأ. لهذا تجد أن طلبة العلم غالبًا ما يصرفون، غالبًا ما يصرفون عن هذا العلم، وهذا بسبب قد تكون نياتهم، أو قد يكون هناك شهوات أثرت عليهم. لهذا يقول أبو داود الطيالسي رحمه الله: كنا في مجلس عند شعبة، وكنت واقفًا عند الباب حتى يخرج شعبة عند بابه. قال: فخرج واستند إلي، وقال: وكان في المجلس قرابة أربعة آلاف. قال: فخرج شعبة واستند بي، وقال: يا سليمان، أترى أن نصف هؤلاء يطلب العلم؟ معناه: يستمر في طلب العلم ويكون عالمًا. فقلت: لا. فقال: عشرهم. ثم قال: خمسة منهم، أو قال: فقلت له: خمسة منهم. قال: ولعلهم خمسة. أي: شعبة يقول: لعلهم خمسة. قال أبو داود رحمه الله: قال فتمعنت في أمر هؤلاء الذين كانوا يطلبون العلم، قال: فما رأيت إلا أقل من خمسة ممن نبغ وصار إمامًا يعرف بالعلم. وهكذا أيضًا قال سفيان الثوري للفريابي لما رأى الناس ازدحموا على العلم، فقال: لعل ما يبقى من هؤلاء إلا القليل في استمرارهم في العلم. وهكذا قال المروذي: كان يحضر عند أحمد قرابة خمسة آلاف رجل، كلهم يستفيد من هديه وسمته، قال: وما يخرج لعلهم منهم إلا خمسمائة أو أقل، ممن يستفيد من هذا العلم ويستمر في العلم. فلذا لأن النية تتقلب على الشخص، وكذلك أيضًا هي التي تكون عارضًا من العوارض التي تعترضه في الطريق، فلذا غالبًا لا يستمر الناس أو طلبة العلم إلا من وفقه الله عز وجل وأحسن نيته. فلذا يجتهد الإنسان في إحسان النية وإخلاص القلب وتصفيته حتى يستمر في هذا الخير. قال: وينبغي أن يقطع العلائق الشاغلة عن كمال الاجتهاد في التحصيل. أي: الأشياء التي تشغله من الأعمال ومن أمور البيوت والأسر. ليس أنه يترك ما أوجب الله عليه، لكن لا ينشغل بهم، لا يجعل أهم شاغل أسرته، ففي كل وقت منا يتفقدهم، وكذا فينشغل انشغالًا عظيمًا عن العلم. أو كذلك ينشغل بأموره الدنيوية، فينشغل عن العلم. لكن لا بأس أن الإنسان يجمع بين طلبه العلم وبين مثلًا عمله وتكسبه وحرفته، أو أنه مثلًا يراعي أسرته وإصلاحهم، ويبحث السبل التي تصلح أولاده وزوجته، ويبحث عن المكان الذي أيضًا يستفيدون فيه. هذا من الرعاية العظيمة التي يوفق لها العبد، يوفقه الله عز وجل إذا صلح أمره في ذلك. فلذا لا يجعل العلائق تشغله عن العلم، لكن يحاول أنه يجتهد في العلم، وهذه الأمور لا يفرط فيها. أن الإنسان لا يكون على وتيرة واحدة وينظر في أمر واحد وينسى الأمور الأخرى. هناك واجبات على المسلم تجاه أسرته، تجاه والده ووالدته، كذلك تجاه أولاده، وأيضًا غيرها من الواجبات التي أوجبها الله عز وجل عليه، فيؤدي العبد حق الله عز وجل عليه، وحق من أمر الله عز وجل بحقوقه. ولهذا في الصحيحين حديث أبي جحيفة: أن سلمان جاء زار أبا الدرداء، النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين سلمان وأبي الدرداء، فزاره سلمان، زار أبا الدرداء فلم يجده، وراء امرأته متبذلة، وهذا كان قبل الحجاب، لابسة العمل والشغل. فقال: ما لك هكذا؟ قالت: إن أخاك لا يريد الدنيا، تقول: إن أبا الدرداء لا يريد شيئًا من هذه الأمور، وإنا إنما عباد. قالت: ليله صلاة، ونهاره صيام، ليله صلاة، ونهاره صيام. فقال: فلما جاء أبا الدرداء سلم عليه سلمان واحتضنه وعانقه، ثم قرب له الطعام، فلما قرب له الطعام قال: كل. قال: لا آكل حتى تأكل أنت. قال: أنا صائم. قال: لا آكل حتى تأكل. فأكل. ثم جاء الليل فنام عنده، فلما أراد أن يقوم في أول الليل سحبه وقال: نم. فأراد أن يقوم نصف الليل فسحبه وقال له: نم. فلما جاء الثلث الأخير قام، أو قال: قم الآن. فقام وصلى. ثم قال: يا أبا الدرداء، إن لربك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه. فأصبح أبو الدرداء فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عما قال سلمان، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «صدق سلمان، صدق سلمان». وكذلك هذه الحادثة حصلت مع عبد الله بن عمر، لما جاء عمرو بن العاص بعدما تزوج عبد الله بن عمر، جاء عمر يتفقد زوجته، فقال: كيف عبد الله معك؟ قالت: نعم الرجل، هو إلا أنه لا يكشف لنا كنفًا، عما يتفقد امرأته، ولا أيضًا ينام معه، الليل قائم والنهار صائم. فلم يكلمه أبوه، وإنما ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره، فأرسل إليه النبي عليه الصلاة والسلام وأبان له، وقال: يا عبد الله، إن لربك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، فذكر له: ولزوجك عليك حقًا. فالإنسان لا ينظر إلى جانب واحد ثم ينسى الجوانب الأخرى. فلا شك أن هذه المشاغل لا يجعل الإنسان هذه المشاغل تشغله عن طلب علم، ولا أيضًا يفرط فيما هو واجب عليه، ولا يفرط فيما هو واجب عليه. لهذا طالب العلم أمره أصعب، لكن باجتهاد العبد يسر الله عز وجل له الطريق. فهذا بعض ما يذكر في هذا المقام، إن شاء الله تعالى نكمل في درس قادم. شكرًا.